ترامب والعلوم الاقتصادية (اللواء ١١ نيسان)

للرئيس ترامب معتقدات اقتصادية تتناقض كلياً مع ما تدرِّسه الجامعات الأميركية منذ عقود في كلياتها المتنوعة المذاهب والعقائد. نظرياته تتناقض مع البحوث التي حصل بسببها حوالي مئة عالم على جوائز نوبل للاقتصاد أكثريتهم من الأميركيين. يعلن الرئيس ترامب نظرياته ويدعمها ليس بالمنطق العلمي والمبررات وانما بقوة الولايات المتحدة على مختلف الساحات. فأميركا قوة عالمية كبرى ليس بسبب جيشها أو أموالها أو صواريخها النووية، وانما خاصة بسبب تفوقها في مختلف العلوم والفنون وهذا ما يشهد عليه العالم أجمع. عندما نتكلم عن التفوق في الطب أو الفيزياء أو الموسيقى أو الفن أو الاقتصاد، نفكر أولا وخاصة بالولايات المتحدة. ما يفعله الرئيس ترامب يخفف من جاذبية الولايات المتحدة كوعاء للانصهار Melting Pot أو كمركز استقبال للراغبين في النجاح في مختلف الميادين، بل يبعدهم عنها.
ما هي النظريات التي يعتمد عليها ترامب ويسير خلفها والتي ستسبب له وللمواطنين الأميركيين خصوصا الفقراء مشاكل كبرى ستظهر وتؤلم مع الوقت؟
أولا: يؤمن بالقوة والفرض وليس بالحوار للحصول على الثروة أو لاكتساب غنى ما مادي أو نظري. يقول انه متخصص في صفقات الأعمال Deals التي تربح الأطراف جميعها، لكننا لا نرى ذلك في السياسة. مثلا غير أسم خليج المكسيك الى خليج أميركا بقرار منه ودون استشارة أو موافقة أحد غيره حتى داخل الولايات المتحدة. قرر أذية أوكرانيا والتواصل مع روسيا مباشرة أي مناصرة المظلوم ومراعاة الظالم. هذا مبدأ خطير اذ يضحي بالدول الصغيرة والفقيرة ويقوي الظالم والقوي.
عانينا جدا في لبنان من سيطرة الأقوى علينا، كما عانت الكويت وغيرها وبالتالي هذه نظرية تؤلمنا وكلفتنا الكثير. يتكلم عن استعادة قناة باناما المهمة للتجارة العالمية، وها هي الشركة المسؤولة عن القناة تسمح للشركات الأميركية باستثمار جزء وربما كل القناة مع الوقت. يريد ضم جزيرة غرينلاند الى الولايات المتحدة بطريقة سلمية قانونية أو أخرى، ويظهر أن الطرق الأخرى هي التي ستعتمد بوجود رفض من الدانمارك وادارة الجزيرة وحتى من قبل القارة الأوروبية. أما الأفظع فهو اقتراحه بأن تصبح كندا الولاية الـ 51 في الولايات المتحدة بالرغم من أن الأكثرية الساحقة من الكنديين يرفضون ذلك وقد عبروا مع الوقت عن تعلقهم باستقلال كندا بجناحيها الفرنسي والانكليزي. كما رفضت كندا سابقا اقتراح الرئيس ديغول ومناداته بالكيبيك الحرة، يرفض الكنديون بنفس الدرجة انضمام بلدهم الى الجار الجنوبي القوي.
ثانيا: قال الرئيس ترامب مرارا أن الصلاحيات لا يمكن أن تعطى الا لمسؤولين منتخبين بينما هو شخصيا أعطى كل القوة والصلاحيات لالون ماسك غير المنتخب كي يقوم بمهمة كبيرة وهي تصحيح وضع القطاع العام. أخطر ما يقوم به ماسك هو العشوائية في قراراته والتي ربما تصلح للقطاع الخاص وليس للعام. من نتائج توصياته الغاء بعض المؤسسات العامة المهمة وتحجيم مؤسسات أخرى وطرد أعداد كبيرة من الموظفين الذين سينضمون الى مجموعة العاطلين عن العمل.
اذا كان صحيحا أن هنالك الآلاف من الموظفين الذين يقبضون الأجور دون القيام بأي عمل، فهؤلاء يجب أن يطردوا وتوزع المهمات على الذين يأتون الى المكتب كل يوم وضمن الدوام الرسمي. لماذا الغاء جهاز المساعدات USAID الذي يدعم الفقراء في الداخل والخارج؟ فقط لأنه لا يستفيد منها. أميركا تغيرت ربما دون رجعة. يريد بيع عدد كبير من أملاك الدولة، وهذا في المبدأ مقبول، لكنه غير ضروري لدولة بغنى وحجم الولايات المتحدة. أخطر ما في مضمون نظرية ترامب بالنسبة للمسؤولين المنتخبين هو رغبته بالسيطرة على المصرف المركزي المستقل. سيطرته عليه تعني السيطرة على سياسة تحديد الفوائد وتحريك حجم الكتلة النقدية وهذا في غاية الخطورة. ترامب هو علنا ضد مبدأ استقلالية المصرف المركزي الذي ساهم في تقوية أميركا ونموها.
ثالثا: في التجارة الدولية والتعريفات وهي جوهرة نظرياته الاقتصادية. بنيت العلوم الاقتصادية على مبدأ التجارة الحرة التي أفادت الاقتصاد الدولي كثيرا خاصة منذ الحرب العالمية الثانية. التطبيق لم يكن دائما جيدا، لكن النظريات ممتازة ويجب تصحيح التطبيق ومعاقبة المحتكرين والفاسدسن وسارقي أموال الشعب. يقول انه يريد تقوية الاقتصاد عبر التعريفات لكن المعروف عالميا أن التعريفات تسيء الى النمو وتضعف التجارة. فالتعريفات تخفف حجم التجارة الدولية وتغير اتجاهاتها أي لصالح الأقوياء، وهنا تكمن الخطورة الكبيرة.
التعريفات التي وضعها حديثا هي دائمة وستوضع تعريفات ايضافية مقابل أي تعريفات جديدة يقوم بها الآخرون. النتيجة تعثر التجارة الدولية وانحدار النمو وزيادة الفقر في كل دول العالم بما فيها الولايات المتحدة الأميركية. فالعلاقات المهمة جدا مع الصين ستتعثر وربما تدفع هونغ كونغ وتايوان ثمن هذه السياسات.
رابعا: في ما يخص المهاجرين ونتكلم هنا عن الهجرة الشرعية فهي عمليا التي جعلت أميركا قوة عظمى. المطلوب تعديل قوانين الهجرة وليس وقف الاستقبال وجميعنا يعرف مدى حاجة أميركا الى استيراد الطاقات العمالية والفكرية والتقنية من كل دول العالم. معالجة موضوع الهجرة لا يتم فقط بالقوة والظلم واقفال الحدود، وانما بالقوانين الجديدة الحديثة كما عبر وضع أسس عملية لاستيعاب ملايين العمال والمفكرين العالميين. في الاقتصاد، أميركا تحتاج الى تنظيم نفسها واستيراد العمالة التي تحتاج اليها، تماما كما قامت به مؤخرا دول آخرى كاليابان عبر وضع نظام جديد يأخذ تدريجيا الكثير من الشهرة والتأييد.
باختصار ما يفعله الرئيس ترامب حاليا في الاقتصاد يعجب من انتخبه، لكنه لا يرتكز على مذاهب اقتصادية صحيحة. عقود من البحوث الاقتصادية المدهشة التي قام بمعظمها مفكرين أميركيين توضع جانبا أو تهمل وتخترع نظريات أخرى معاكسة لا صحة لها وستضر في النهاية بالأميركيين وبالاقتصاد العالمي.



