أخبار لبنانابرز الاخبار

الجامعة اللبنانية وأموال صندوق التعاضد: فتنة بين الأساتذة والمتقاعدين

منذ نحو سبعة أشهر يتقاضى أساتذة الجامعة اللبنانية بالملاك نحو ألف دولار من صندوق التعاضد لأفراد الهيئة التعليمية، فيما زملاؤهم المتقاعدون (عددهم نحو 1700 أستاذ) يتقاضون مساعدة بـ400 دولار فقط لا غير. ورغم كل الاستفسارات التي طرحها المتقاعدون حول هذا التمييز بينهم وبين زملائهم في الصندوق عينه، لم يلقوا أي جواب شافي. ومعلوماتهم ضبابية حول من قرر هذه القسمة الجائرة للمساعدة الاجتماعية التي خصصتها الحكومة للصندوق من خلال سلفة خزينة. فهم منتسبون للصندوق عينه ويفترض بالمساعدة الاجتماعية أن تكون واحدة للجميع، طالما أنها اسم على مسمى ويفترض أنها غير مرتبطة بالإنتاجية، التي تقوم عليها إدارات الدولة. ويعتبرون أن رئيس الجامعة بسام بدران ووزير التربية عباس الحلبي ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي، بالتوافق مع رابطة الأساتذة المتفرغين، أقدموا على خطوة تحمل تمييزاً فاضحاً بين الأساتذة المنتسبين للصندوق، والذي يفترض أن لا دخل له بعمل الجامعة اليومي. أي أنه منفصل عن ميزانية الجامعة، وأمواله مخصصة للهيئة التعليمية من دون تمييز بين متقاعد وفي الخدمة.

قسمة غير عادلة

ويلفت أكثر من مصدر بين المتقاعدين لـ”المدن” أن بدل الإنتاجية بالدولار الذي يحصل عليه الأساتذة بالخدمة من خلال وزارة التربية (600 دولار بالشهر) يعطى للأستاذ بحسب نسبة حضوره إلى الجامعة. بمعنى أن بدل الإنتاجية بالدولار هو أجر لقاء عمل وإنتاج. وبالتالي، لا تدفع للمتقاعد. لكن المساعدة الاجتماعية من صندوق التعاضد مختلفة. فالأستاذ الذي خدم الجامعة نحو ثلاثين سنة وتقاعد ويعاني من أمراض مزمنة، ومنذ سنتين لم تدفع له فواتير الأدوية، يفترض أن يستفيد من الصندوق أكثر من غيره، أو مثله مثل باقي زملائه. لكن ما هو حاصل أن سلفة الخزينة، التي على الصندوق تسديدها لاحقاً، والتي تصرف كمساعدة اجتماعية، صرفت بشكل غير عادل بين الأساتذة.

المصادر المطلعة على هذا الملف شرحت أنه على المستوى القانوني، لا يستطيع أستاذ الجامعة الحصول على مضاعفة الراتب أكثر من تلك المحددة لموظفي القطاع العام. فالرواتب التي أقرتها الحكومة كلها مساعدات وليست تصحيحاً للرواتب والأجور. لكن ونظراً لمطالبة الأساتذة بمساواتهم مع القضاة أو السلك القضائي، استقر الرأي على دعم الجامعة بطريقة غير مباشرة من خلال صندوق التعاضد. فلم يكن بالإمكان قانونياً أن تدفع هذه السلفة مباشرة إلى ميزانية الجامعة لتقديم مساعدة اجتماعية للأساتذة بالخدمة الفعلية. لذا استقر الأمر على اتفاق بين الحكومة ورئاسة الجامعة ورابطة الأساتذة المتفرغين على دعم الأساتذة من خلال صندوق التعاضد. وأقرت الحكومة السلفة للصندوق. فحسب النظام الداخلي للصندوق هناك بند متعلق بالمساعدة الاجتماعية التي تمنح للمنتسبين. لكن لا يمكن استخدام الصندوق لدفع مساعدة لمنتسب دون غيره. لذا اضطرت الحكومة منح المساعدة لجميع المنتسبين. بالموازاة قررت إدارة الصندوق تحديد تعويضات مختلفة بين الأستاذ بالخدمة الفعلية والمتقاعد، بناء على الاتفاق مع الحكومة. لكن كان أكثر عدلاً توزيع هذه المساعدة على جميع المنتسبين بالتساوي، أو ألا يكون الفرق بينهم شاسعاً كما هو حاصل حالياً، تقول المصادر.

المتقاعد استفاد من الاستاذ بالخدمة

رأي الأساتذة بالخدمة الفعلية المطلعين على الملف مختلف في هذا الشأن. فهم يعتبرون أن مطالبة المتقاعد بالمساواة معهم هي أشبه بمن يطلق النار على رجليه. فقد استفاد المتقاعد على حساب الأساتذة بالخدمة الفعلية، لأن الأموال التي رصدت في المرسوم هي لدعم الأساتذة بالخدمة كي تتمكن الجامعة من فتح أبوابها أمام الطلاب. بمعنى أن المتقاعد لم يكن ضمن حسابات المسؤولين. وبالتالي، ضحى الأساتذة بالخدمة لأنهم قبلوا الحصول على 64 بالمئة من السلفة فقط، كمساعدات مالية، لصالح استفادة زميلهم المتقاعد بمبالغ مالية. فلا يوجد متقاعد واحد في الدولة يحصل على أي مساعدة مماثلة من الدولة.

في المقابل يشير المتقاعدون إلى أن المرسوم الذي يحمل الرقم 12476 أقر سلفة خزينة لصندوق تعاضد الهيئة التعليمية في الجامعة بقيمة 2640 مليار ليرة موزعة شهرياً على 220 مليار ليرة تدفع كل شهر بشهره. والغاية منها تغطية النفقات الاجتماعية والصحية للمنتسبين وفق ما يقرره مجلس إدارة الصندوق. بمعنى آخر، لم تحدد الحكومة أن هذه السلفة للأساتذة بالخدمة الفعلية، بل هي للصندوق. وقد قرر مجلس الصندوق توزيعها بدفع ألف دولار للأستاذ بالخدمة (مع شرط حضور نسبة معينة إلى الجامعة) ودفع 400 دولار للمتقاعد. ولم يستشر أي طرف رابط الأساتذة المتقاعدين بهذا الشأن. وبالتالي، كان يفترض أن يكون الصندوق عادلاً بين المنتسبين. فلولا صندوق التعاضد ووجود بند يبيح تقديم مساعدة اجتماعية لما تمكن أي أستاذ بالخدمة الفعلية من تحصيل أي مبلغ إضافي على الرواتب التي تقدمها الحكومة. فالجامعة لا تستطيع دفع أي مبلغ إضافي لأي أستاذ مختلف عما قررته الحكومة لموظفي القطاع العام. وتم استثناء الجامعة والسلك القضائي من خلال ترتيبات بديلة عبر صندوق التعاضد. ولذا، كان أكثر عدلاً منح الأستاذ المتقاعد مبالغ متساوية مع زميله المنتسب للصندوق عينه.

على الضفة المقابلة، يلفت الأساتذة بالخدمة إلى أن الجامعة اللبنانية حصلت على سلفة بقيمة 150 مليار ليرة العام المنصرم، ووزعتها على الأساتذة كبدلات إنتاجية. ما يعني أن لا شيء يمنع الجامعة من الحصول على سلفة يستفيد منها الأساتذة بالخدمة حصراً. وحينها لا يستطيع المتقاعد الاستفادة منها. ولهذا، يفترض أن يشكر المتقاعد الأساتذة بالخدمة على المساعدة، لا أن يلام على هذا الأمر.

في المحصلة، الظروف المالية التي تمر بها الجامعة، وحيال الأزمة الاقتصادية المستفحلة، دخل أساتذة الجامعة في صراع على تعويضاتهم. فترى الأستاذ المتعاقد في مواجهة الأستاذ في الملاك (صراع على قيمة الأتعاب والتقديمات وبدلات الإنتاجية)، وترى الأستاذ في الملاك في مواجهة مع زملائه المتقاعدين. وهي كلها من تداعيات إفلاس الدولة والمؤسسات.

المصدر
المدن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى