هل يُحدِث لودريان خرقاً في مستنقع التعقيدات؟ (النهار ٢٨ أيار)

يحضر الموفد الفرنسي جان – إيف لودريان اليوم الى بيروت التي لا تغيب عن اجندات كبار الديبلوماسيين الذين يقصدون المنطقة منذ عقود لارتباط عواصمهم ومواقعها بأشرطة النيران والاحداث فيها. وبات كثيرون يسألون: “ماذا سيفعل الرجل في مستنقع تعقيدات اللبنانيين الماهرين في إضاعة الفرص وممارسة سياسة العناد رغم كل هذا البركان في الإقليم؟”.
من دون مقدمات واي قفازات ديبلوماسية، سمع سفير فرنسا ايرفيه ماغرو قبل ايام من سياسي لبناني: “لماذا يأتي لودريان اليوم حيث لا خروق في الجدار الرئاسي، ولماذا تتعبون انفسكم وتضعون صورة دولتكم الصديقة ورئيسها ايمانويل ماكرون على المحك وتجلبون له كل هذا الاحراج؟”. يعرف ماغرو حقيقة هذا الامر من خلال مواكبته لتشعبات لبنان وانقسامات كتله النيابية وان الاجواء لم تنضج بعد لانتخاب الرئيس المنتظر، لكن فرنسا لا يمكنها في نهاية المطاف الغياب عن مسرح لبنان وسط كل هذه التحديات والشروط المرفوعة بين الافرقاء.
وتلملم باريس اليوم اخفاقات مبادرتها في بيروت التي زارها ماكرون مرتين ولم يفلح في تحقيق اي من الوعود التي اطلقها ولا تلك التي سمعها في سفارة بلده التي تستمر في اعطاء لبنان كل هذا الاهتمام رغم عدم اصغاء رؤساء الكتل والاحزاب لكل ما يتلقونه من الخارج من حثّ على اتمام الاستحقاق الرئاسي وطي ملف الشغور، مع التلويح بفرض عقوبات عن طريق الفرنسيين للجهات المعرقلة من وجهة نظر الاليزيه، مع الاشارة الى ان واشنطن ليست مع هذا التوجه الذي لا ترى فيه الجدوى المطلوبة اي وضع “عقوبات رئاسية” لن تخرج بأي مفعول، رغم فرض وزارة خزانتها عقوبات مالية على سياسيين ورجال اعمال وحزبيين. وسيعرض لودريان حصيلة الاستبيان النيابي الذي طلبه في زيارته السابقة وردّت فيه الكتل على المواصفات المطلوبة والتي يجب ان تتوافر في شخصية الرئيس المقبل في هذه المرحلة ولو كان لا يقدر على تحقيقها من دون وجود رئيس حكومة يكون على انسجام معه.
ورغم المناخات غير المشجعة لمحطة لودريان، إلا ان ثمة رأيين يسودان فرنسا ويدفعان لودريان للحضور الى بيروت:
– عدم مجيئه كل هذا الوقت يعني ان مبادرته انتهت واصبحت في حكم غير الموجودة رغم انها لم تحقق الهدف المرجو منها، وان من الافضل متابعتها ولو بالعمل تحت مظلة المجموعة “الخماسية”.
– الوقوف من جديد على رأي الكتل ومعطياتها ودعوة الافرقاء مجددا الى ضرورة السير بالانتخابات بدل الغوص في كل هذا الشغور المفتوح والذي لا يصب في مصلحة الجميع.
يبقى ان لا توجه لدى الفرنسيين لدعوة رؤساء الكتل الى اجتماع حواري في باريس على غرار “مؤتمر الدوحة” عام 2008 لعدم تيقنهم من نجاحه وخشية وقوعهم في اي “دعسة ناقصة”، ومن الاسلم ان يحضر لودريان نفسه الى بيروت. ويقول مراقبون هنا ان قطر اصبحت اكثر خبرة في الدعوة الى التئام مؤتمرات حوار من هذا النوع اكثر من الفرنسيين لمعرفتها بحقيقة مزاج اللبنانيين وخلافاتهم.
ويعرف الافرقاء ان جولة لودريان لن تحمل تطورات لمخارج جديدة مع تمسك كل جهة بموقفها حيال رؤيتها للاستحقاق، وهذا ما سيكررونه امامه، وهو سيلجأ الى مظلة “الخماسية” التي دفعته الى هذه الزيارة اليوم بعد البيان الصادر عن السفراء الخمسة وما حمله من رسائل حيث لم يعد بمقدور باريس الخوض في هذه المهمة الشاقة وحدها، وان لا يتم التعايش مع هذا الفراغ “القاتل” اذا استمر الافرقاء في لبنان على هذا النوع من “الفيتوات” المرفوعة من النواب.
ولم يشأ الرئيس نبيه بري التعليق على زيارة لودريان في انتظار ما سيحمله لان محطته الاهم ستكون في عين التينة وما اذا كان يحمل جديدا بعد زيارة الموفد الفرنسي الى واشنطن واجتماعه مع المسؤولين المولجين بمتابعة الملف اللبناني عن مسألتي الوضع في الجنوب والاستحقاق الرئاسي. وتأتي هذه اللقاءات قبل اللقاء المنتظر في فرنسا بين الرئيسين ماكرون وجو بايدن في الاسبوع الاول من حزيران المقبل. وفي انتظار ما سيقوله لودريان ومحاولته اجتراح مخرج لا يظهر على الشاشتين السياسية والديبلوماسية، لا يزال رئيس المجلس على المعادلة التي رفعها واطلقها منذ بدء شوط الانتخابات الطويل وقبيل انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون، وهو ان الحوار كفيل بان يؤدي الى انتخاب رئيس للجمهورية.
وازدادت الامور صعوبة وتعقيدا اكثر بعد حرب غزة والمواجهات العسكرية المفتوحة في جنوب لبنان، وازداد معها معدل العراقيل ورفع الشروط في طريق الانتخابات التي لم تصل الى حدود خلق الاجواء الملائمة لجلسة الانتخاب المنتظرة.



