التضخم والأزمات المصرفية (اللواء ١٧ أيار)

بسبب حربي أوكرانيا وغزة، ينسى العالم الأوجاع الدولية الأخرى التي تبقى مؤلمة. نهتم جميعا ليس فقط بالحربين المذكورين، بل بكل ما ينتج عنهما. لكن المشاكل الأخرى تبقى موجودة، منها ما بدأ قبل الحربين وساء معها وربما بسببها، ومنها ما تبعها وتنتظر معالجتها انتهاء الحربين.
ما يدعو للعجب أن الصراع الصيني الغربي لم يعد موضوع بحث يومي كالسابق بالرغم من زيارة الرئيس الصيني لأوروبا بعد غياب 5 سنوات، والمشكلة لم تحل بعد. دور الصين وروسيا في أسيا كبير والمواجهة مع الولايات المتحدة تبقى حية بل تزداد حدة. جاءت وفاة «هنري كيسينجر» مؤخرا لتعيدنا فكريا الى أجواء السبعينات حين زار الرئيس نيكسون العاصمة الصينية وفتح حوارا مهما قلب الخريطة السياسية العالمية رأسا على عقب. سهلت زيارة نيكسون في 1972 للصين دخولها الى العديد من المنظمات الدولية مما سمح لها بتحقيق نمو كبير لناتجها المحلي الاجمالي لعقود تلت. نشأت طبقة اجتماعية وسطى تعتبر الأوسع في العالم، لكن منافع الانضمام الى الاقتصاد العالمي لم تكن مفيدة لجميع الصينيين. لذا توسعت فجوة الدخل لصالح قسم صغير في المجتمع. سابقا كانت الأسواق الصينية الداخلية صغيرة وبدائية ترتكز قبل كل شيء على عمالة جيدة ورخيصة هدفها الادخار وليس الاستهلاك.
هنالك خوف غربي من القوة الصينية المجهولة. منهم من يقارنها بـ«يابان» 1990 ومنهم من يقول أن المستقبل سيكون قاسيا وخطرا ولا بد من التحضير للمواجهة الاقتصادية وربما العسكرية. في بداية التسعينات كان الجميع خائفا من اليابان، لكن الخوف لم يكن في محله. هل ما حصل لليابان يمكن أن يحصل للصين؟ في أواخر الثمانينات، عانت اليابان من أزمة عقارية كبيرة أثرت سلبا على القطاع المصرفي وديون الشركات ودفعت الاقتصاد نحو الركود. هذا يحصل اليوم في الصين حيث ارتفع عرض العقارات الى حدود لا يمكن للطلب أن يستوعبها وبالتالي هنالك أزمة عقارية جدية.
في الديموغرافيا، عانت اليابان من مشكلة سكانية انعكست على أسواق العمل، وها هو حال الصين اليوم بسبب سياسة الطفل الواحد وعدم رغبة الصين في استيراد عمالة أجنبية حتى أسيوية. كان يمكن لليابان التعويض عن النقص السكاني بزيادة انتاجية العمل، وهذا ما لم يحصل لأن السياسات الاقتصادية لم تكن مناسبة. من ناحية أخرى يمكن اعتبار اليابان نموذجا للاقتصاد الذي يعاني من نقص في عرض العمل ويبقى في نفس الوقت في وضع اقتصادي جيد ومستقر اجتماعيا. الذين يعرفون المجتمع الياباني يقولون أنه مجتمع خلاق متجدد أكثر بكثير مما يظهر للعلن. ما يميز صين اليوم عن يابان 1990 هو أن الصين تبقى متأخرة اقتصاديا نسبة لليابان، وبالتالي امكانية التقدم كبيرة جدا. يبقى السوأل الأهم هو هل تستطيع الصين كما فعلت اليابان ادارة نموها البطيء من دون احداث مشاكل اجتماعية؟ هذا لا يعني أن مستقبل الصين سيكون مشابها لما حصل لليابان، لكن الخوف من العملاق الصيني غير مبرر حتى الآن.
كما كان لليابان تأثيراتها النقدية الكبيرة في آخر القرن الماضي، من الممكن أن يكون للصين تأثير نقدي واضح في العقود القادمة. هنالك مشكلتان نقديتان أساسيتان اليوم هما التضخم والأوضاع المصرفية التي أصيبت بدأ من كاليفورنيا وثم الى كل العالم وهزت ثقة المودع العالمي.
أولا: في التضخم، تتسابق المصارف المركزية في اعلان نيتها تجميد الفوائد كما أن بعضا منها قال أن الفوائد ستخفض بدأ من منتصف 2024. هنالك شك في أن المصارف المركزية سيطرت فعلا على التضخم، وبالتالي هنالك قلق مستمر في أوساط قطاع الأعمال وتجمعات المستهلكين عالميا حول الأسعار. تشير الوقائع الى أن نمو الكتل النقدية في الاقتصادات الغربية قد خف وبالتالي الضغط على الأسعار انحدر. تشير مؤشرات التوقعات التضخمية، من ناحيتها، الى انخفاض وهذا مهم جدا. أما أوضاع الاقتصاد الصيني، فهي غير تضخمية مما يؤثر ايجابا على الاستقرار الاقتصادي العالمي.
ثانيا: لا يمكن اعتبار المشكلة المصرفية مشكلة نقدية فقط لأن للعمل المصرفي أبعادا اجتماعية واقتصادية وحتى سياسية. الا أن المصارف تبقى مؤسسات نقدية أولا، اذ تشكل مركزا للودائع والقروض التي تتأثر كثيرا بالفوائد المقررة من قبل المصارف المركزية. حصلت أزمات مصرفية كبرى سابقا كل 15 سنة تقريبا، أسبابها عموما التهور وخاصة عدم التوازن بين جانبي الميزانيات. في آخر أزمة بدأت في كاليفورنيا وامتدت عالميا كان الخلل واضحا، أي ودائع غير مضمونة واستثمارات مصرفية في السندات تدنت قيمتها مع بدء رفع الفوائد من قبل المصرف الفيديرالي. النتيجة افلاسات سارعت الادارة الأميركية الى ضمان كل الودائع منعا لامتداد السقوط الى كل المصارف الأميركية.
لا تتحقق الأزمات المصرفية من تلقاء نفسها انما هنالك دائما مجموعة من الأخطاء تقوم بها سوية 4 جهات أي الادارة، الزبائن، المراقبون والسياسات الاقتصادية العامة التي تقررها أجهزة الدولة. بين الأجهزة العامة تقع المصارف المركزية التي خسرت مؤخرا من مصداقيتها بسبب السياسات الخاطئة أو المتأخرة كما بسبب سؤ مخاطبة الأسواق. يقول بعض الخبراء المصرفيين أن المصارف العامة انتهت، ولا بد من تغيير المواصفات المصرفية باتجاه التخصص. قال «يانيس فاروفاكيس» وزير المالية اليوناني الأسبق أن الأزمات المصرفية تحصل دوريا، الا أن الأخيرة في كاليفورنيا كانت منتظرة بسبب تحرك المصرف المركزي الأميركي بشكل خاطئ. كان أمام المصرف الفيديرالي أن يختار بين محاربة التضخم عبر تخفيف الكتلة النقدية أو انقاذ المصارف المتعثرة عبر زيادة السيولة في الأسواق. اختار تخفيف الكتلة النقدية مما ساهم في التعثر الايضافي للمصارف. لذا يقول فاروفاكيس أن النظام المصرفي العالمي الحالي غير قابل للحياة، والأزمات ستتكرر لتطيح بالودائع وبربحية الاستثمارات.



