مدننا المزدحمة في عصر الذكاء (النهار ٢٧ حزيران)

الكثافة السكانية كانت تلزم للاقتصاد وهي في اساس نمو المدائن. ثمة مقايضة بين فوائد وتكاليف الكثافة. ثمة ضرورة اليوم لإعادة النظر في هذه التكاليف في ظل ثورة الذكاء الاصطناعي.
Gilles Duranton&Diego Puga(2020) يعتبرا بانّ الكثافة هي سبب ونتيجة لتطور المدن. المدن جذابة نظرا لميزاتها التفاضلية انتاجيا بتوفر العناصر اللازمة بأسعار تفاضلية، واستهلاكيا بفعالية اسعار اسواقها التنافسية، وحياتيا بتوفر وسائل الراحة. مما ادى الى ازدحامها وارتفاع أسعار المساكن والاراضي فيها. كانت الكثافة السكانية ترتبط بارتفاع معدلات الإنتاجيةالاقتصادية والاستهلاك ومعدلات الابتكار. “الكثافة هي نتيجة حضرية التطورات”.
لكنّ تزايد أثر الانسان على البيئة ايضا يرتبط بارتفاع معدلات الدخل وبزيادة السكان وبالتطور التكنولوجي. مما جعل المدن قبل ابتكار التكنولوجيا النظيفة مكلفة على استدامة ارأس المال الطبيعي. الثورة الصناعية والطلب على اليد العاملة وتطور البنى التحتية والعلوم الطبية في اساس توسع المدن وازدحامها. تاريخيا، كانت الأوبئة تمنع تمدد المدن وازدحامها. وهي حتما ترتبط بمعدلات التلوث التي هي أثر الانسان على المحيط. الفوائد الكبيرة والاكلاف المنخفضة للإنتاج والاستهلاك أدتا الى تمدد المدن وازدحامها، لكن ليس بعد اليوم!
يتكلمJOSEPH.STIGLITZ(PS.2023) عن الأمانة الاقتصادية في النظر الى الفوارق ما بين الأصول والديون، ويدعو الى زيادة الأصول بالاستثمار في رأس المال البشري والبنى التحتية والتكنولوجيا والبحث والحفاظ على رأس المال الطبيعي (البيئة). بالنسبة اليه الدّين المالي ليس الأساس لأنه لا يغيّر من الثروة الاجمالية. اما الديون الطبيعية التي لا تزال بشطبة بمحكمة الإفلاس أضحت الازمة. ويدعو الى الاستدانة لإصلاحها بغية زيادة الثروة الاجمالية التي تنعكس صحة وطول العمر. فالاستثمار فيها بمثابة تأمين على الحياة وحياة من بعدك، الا انّ عائداتها أقل من سعر الفائدة الحقيقي المرتبط بالتضخم، ويدعو الى ضرورة احتساب “معدل الخصم” بشكل يضمن رأس مالنا الطبيعي. لبنانيا، نستهلك راس المال الطبيعي لضمان تدفق الأوراق النقدية. فتتراجع اصولنا على حساب ديوننا الطبيعية. الانهيار يشغلنا ولا يشغلنا التدهور البيئي المرتبط به من خسارة مساحات خضراء ومرافق بيئية هي الثروة.
دخلنا عصر الذكاء الاصطناعي، وما عاد النمو يرتبط بالعمالة. عصر يضمن تزايد الانتاج والربح لكن من دون وظائف. وسيتنامى الاقتصاد العالمي الى حدود 4.6 تريليون دولار على ذمة ماكينزي. الازدحام ما عاد ضروريا الا إذا ما ارتبط بالابتكار الذي يفترض استثمارا في التعليم والجامعات وبنى مؤسسية وتحتية. التزايد السكاني في خضم البطالة يعني بانّ المدائن ستصير ثقلا ونزفا لرأس المال الطبيعي. ولن تعود ضرائب الدخل تخدم الحكومات، فالبشر لن تمتلك وظائفا.
“طرابلس في عيون ابنائها والجوار” في اليسوعية نداء استغاثة لمدينة سرق لبنان الكبير بداية اقضيتها واسواقها. فصار ثقلا عليها وهي ثقلا عليه. الصين سلبتها صناعاتها. ومناخات التشنج الاقليمية واللبنانية اوقفت مصفاة التبلاين. واتت الحرب فبدّلت مناخاتها.
مدننا المكتظة فقدت اسباب وجودها الاقتصادية في عصر اللاعمالة والابتكار ورأس المال البشري والطبيعي. انحسرت ادوارها وزادت اكلافها وتقلّصت فوائدها الاقتصادية. فأمسى مصيرها قاتما يهدد البلد والمحيط في ظل غياب الرؤية والحوكمة. ما عادت فوائد الكثافة فيها تفوق الاكلاف!
لا نريد ان تغصّ المدائن المليئة بجمود التطرف والفقر اليوم بالاضطرابات غدا. لن نتجنبها بل سنكافح مع مثقفيها المتألمين لتمكينها بتطوير بناها البشرية والمؤسسية والتحتية كي تبقى قابلة للعيش، فلا تصير قنابلا تجعل البلد جحيما والعالم غير مستقر!



