من ثور الزلازل إلى الثور اللبناني الأحمق.. الاستعصاء الداخلي يدفع الانقسامات إلى المجهول! (اللواء ١٣ شباط)

قديماً، كان يُقال، تكشف الشدائد والتجارب المريرة معادن الرجال، ولعل ما يحدث، في هذه الأيام، على ساحات الكون (زلزال تركيا وسوريا) وعلى ساحات الاقتصاد (توقع مذهل لنمو 4% في لبنان على الرغم من الأزمات المالية والنقدية وفقاً لرياض سلامة حاكم مصرف لبنان)، وعلى ساحات السياسة، وجلسات التشريع والانتخاب في لبنان يكشف عن مدى هزالة وخفة النواب من القدماء والجدد، إن لم نقل أكثر، تتكشف جملة حقائق بعضها دامغ، وبعضها يحتاج الى حلّالي أحجيات وألغاز، لفهم السلوك اللبناني، عند المنعطفات والأزمات الكبرى!
في كتابي ص251 (براديغمات البحوث الإعلامية) جاء ما يلي: إن أي تعارض، ولو واحداً بين الواقع والنتائج المترتبة على مبدأ ما من شأنه أن يحمل الأجل المحتوم لهذا المبدأ.
وفي اقتباس عن فيلسوف العلم الفرنسي أوميش (الفقرة نفسها من الكتاب) إن «المبدأ على ساحة الكون لهو مصارع ثيران، والمادة هي الثور الهائج المهاجم».
مناسبة هذا الكلام، ما نشهده من نتوءات وتشوهات، وألاعيب غريبة عجيبة على ساحة لبنان ونظم الحياة فيه:
1- نجم عن الزلزال، الذي أصاب البلد فجر الاثنين في 6 شباط 2023، أن اكتشف اللبنانيون، ومعهم العرب والعالم (على الرغم من الفاجعة والنائبة العاتية التي أصابت الشعبين السوري والتركي) أن غالبية اللبنانيين من الشارع الى الشاشات أصبحوا (أو كانوا) علماء زلازل، ومعظمهم اشتغل بناسا (وكالة الفضاء الاميركية) أو زودها ببحوثه في الجيولوجيا، متجاوزاً ريختر الالماني الذي وضع أدق مقياس لحجم الزلازل ودرجاتها، المعتدلة والقاتلة، أو الألماني الآخر، واضع نظرية «انزياح القارات» بلد نظرية اليابسة عند اليونان، والتي أدت الى وضع الخرائط المساحية… إلخ.
إنه العبث اللبناني بالعلم وحقائقه، ليس على طريقة الدعاية أو الطرافة، بل على طريقة العنجهية الفارغة، والحضور، الذي يدعو الى الشفقة. هنا لا بد من التمييز بين الوعي بما يجري، والذهاب بعيداً في الهذيان والهلوسة!
2- ونجم عن الزلزال انقسام في العالم حول العقوبات، تحت مسمى قانون قيصر على سوريا، الذي يمنع المساعدات لهذا البلد، تحت مسميات حقوق الإنسان، وخلاف ذلك. فإذا باللبنانيين منقسمون على نحو خطير، متناسين عن قصد أو غير قصد، طبيعة ما يربط جغرافياً وبشرياً ومصيرياً بين بلدين، لوقت طويل بقي الاستعمار الفرنسي محافظاً على وحدتهما، عبر مؤسسة مشتركة ابرزها بنك سوريا ولبنان.
لا حاجة للاستفاضة، في طبيعة الانقسام، ومسبباته ومستوياته، مع الاحتفاظ بالتقدير للقرار الرسمي بإرسال وفد وزاري للتعبير عن التضامن، والاستفادة من فرصة «الزلزال» لإعادة وصل ما انقطع بين البلدين، اللذين لم تشفع لهما لا اتفاقيات التعاون والأخوة، ولا ثلاثين عاماً من الوجود السوري على الأرض اللبنانية، الذي انتهى بعد الجريمة المروعة والخطيرة التي زلزلت مرتكزات الاستقرار اللبناني بعد 14 شباط عام 2005، عندما اغتيل الرئيس رفيق الحريري، في ظروف لا تزال تسحب عناصرها على الواقع اللبناني المأزوم اليوم.
3- وفي غمرة سيل من الانهيارات، لم تسلم منه جبهة أو صعيد أو مستوى، بدا الاستعصاء اللبناني على التفاهمات الممكنة للخروج من جملة المآزق الناجمة بدورها عن اهتزاز نموذج الحكم في لبنان، ليس بسبب تكوينه الطائفي وحسب، بل أيضاً بسبب غياب آليات ايجاد الحلول، والخروج من المآزق من ناحية المبدأ، وهو هنا القانون العام أو الدستور، الذي أتى غداة حرب مدمرة، لم تبقِ ولا تذر منذ بدايات السبعينات من القرن الماضي الى اوائل القرن الحادي والعشرين.
لم يتعلم اللبنانيون شيئاً من الأحداث، علهم عارفون بعلم كل شيء، ما عدا وقائع التاريخ (الذي يحسنه فقط النائب السابق وليد جنبلاط)، فلا التجارب المريرة علَّمت المسيحيين، ما يجب أن يتعلموه.. ولا الحروب والتدخلات والمخاطر علَّمت المسلمين، ما ينبغي ان يعرفوه او يحفظوه عن ظهر قلب.
اليوم الاثنين، تتكرر المنازلة بين الكتل والتي يمكن ان تنكشف على نحو جلي في اجتماع هيئة مكتب المجلس النيابي قبل ظهر اليوم، في معرض البحث عن جدول أعمال، وموعد لجلسة تشريعية، تهدف الى التمديد لقادة الأجهزة الامنية وبعض المدراء العامين، فضلاً عن قرار قانون الكابيتال كونترول، الذي تنتظره المصارف بفارغ الصبر، لا لشيء، بل لحماية اموالها واصحاب رؤوس المال المشاركين في مجلس ادارتها من الدعاوى او الملاحقات القضائية، ولربما يستفيد من هذا القانون المتأخر اصحاب الودائع الصغيرة، لسقف المائة الف دولار، ضمن وضعية غير واضحة لجهة تمكين المودعين من سحب اموالهم، وبأي كمية وأي توقيت… إلخ.
يطرح النموذج اللبناني المتهاوي فكرة «الضرورة» وعلى خلفية أن «الضرورات تبيح المحظورات» حتى ولو كان المبدأ الدستوري يخالف هذه القاعدة. فالضرورات تقتضي عقد الجلسة التشريعية لعدم جواز الشغور في المؤسسات او المراكز الأمنية، ولإقرار قوانين مطلوبة بإلحاح من المجتمعين المصرفي والنقدي والدولي، مع العلم ان الادارة الدولية للمؤسسات النقدية المتمثلة بالولايات المتحدة الأميركية، تهدد بالويل والثبور وعظائم الامور، إذا تأخر انتخاب رئيس جمهورية، ووضع البلد على سكة حكومة جديدة، ومفاوضات مع صندوق النقد، وإذا لم يحصل تصبح المساعدات الممكنة، والتي تقدم للجيش اللبناني والمؤسسات الامنية الأخرى في دائرة الخطر!
برزت على المسرح المزايدة المسيحية، لكسب ما تبقَّى من شارع وناخب ودور للمسيحيين. فثمة نظرية تحرك رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، وتقضي بمنازلة، ليس فقط مع غريمه المسيحي النائب جبران باسيل وتيار العماد ميشال عون، الآخذ بالتراجع، بل حتى مع «الثنائي الشيعي» والمتقدم في هذا الثنائي، رئيس المجلس نفسه نبيه بري، الذي دار لغط كبير حول علاقته مع «القوات اللبنانية» والغزل وراء الأكمات الدائر بين الطرفين.
نجحت «القوات اللبنانية» بتوقيع عريضة حملت اسماء 46 نائباً، أي أكثر من ثلث المجلس النيابي، يعلنون عزمهم على عدم المشاركة في أية جلسة تشريعية، قبل انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ويكشفون عن عزمهم على مواجهتها بكل الوسائل، بما في ذلك الطعن امام المجلس الدستوري.
حشرت «القوات اللبنانية» التيار الوطني الحر في الزاوية، فالتيار بكتلته المعروفة بتكتل «لبنان القوي» والذي لا يمانع، في غالبية نوابه، من المشاركة في الجلسة، من اجل اقرار الكابيتال كونترول، في موقف لا يحسد عليه، بين المشاركة او الامتناع. وعلى الأرجح أن الغلبة لتاريخه الى الاتجاه الممانع للمشاركة، لحفظ ماء الوجه، وفي الوقت عينه، لعدم ترك ساحة «الكسب الشعبي» لتيار جعجع وزعامته.
في لحظة انسداد داخلي، ووسط مخاوف من بروز «اوضاع امنية» قاتلة، لم يعد الترقب وحده سيد الموقف، بل تحصين المواقع، لمعرفة مسار اللقاء الخماسي الباريسي، وتطبيقاته على الأرض، في ظل احتدام المغالبة بين الولايات المتحدة وحلفائها على الكوكب المتعب (أي الأرض) والقوى الاقتصادية الكبرى الزاحفة على مناطق الثروات (أي الصين) ناهيك عن الدب الروسي، ممثلاً بالزر النووي الذي يهدد به فلاديمير بوتين، مع كل إحراج أو حشرة له.
أذكياء لبنان، في مراكز القرار، يدفعونه، نحو المجهول سواء أكان فيه مؤسسات أم لم يكن!



