هل كان لبنان يوماً رسالة فعلاً؟ (النهار 22 تشرين الأول)

في الثلاثين من شهر أيلول الماضي ألقيتُ في العاصمة الثانية للبنان طرابلس محاضرةً بدعوة من “مؤسسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافية” رئيسها الدكتور سابا زريق. وقد حملت العنوان الآتي: “هل كان لبنان يوماً رسالةً فعلاً؟ وماذا سيكون لبنان الجديد؟”
كان الحضور نخبة من أبناء طرابلس والشمال عموماً ضمّت مثقفين وإعلاميين ورجال قانون ورجال دين أجلاء مستنيرون كانت لهم أدوار مهمة على الصعيد الوطني كما على صعيد طرابلس ولا سيما بعدما عصفت بها أعاصير التطرّف الديني من جهة والسياسي من جهة ثانية وإعصار الثورة المدنية الشعبية الشاملة التي انطلقت في التاسع عشر من شهر تشرين الأول 2019 معبّرةً عن رفضها للمنظومات السياسية والطائفية والمذهبية والحزبية والعشائرية والإقطاعية المتفقة على حكم البلاد والإنتفاع بخيراتها كما على تنظيم الإختلاف انطلاقاً من أنه لا يُفسد للود أو للشراكة في حلب الدولة واستعباد مواطنيها قضية. طبعاً ألقيتُ محاضرات عدّة في مناسبات قليلة منذ مسيرتي الإعلامية التي بدأت في جريدة “النهار” ربيع عام 1974. لكنني لم أنشرها لا حيث أعمل كما لم تنشرها صحف أخرى لأنني لم أطلب منها ذلك. لكن محاضرة طرابلس قرّرت نشرها وفي “الموقف هذا النهار” لأنها تتناول محنة لبنان عموماً و”إتفاق الطائف” الذي تتهم الفئات اللبنانية المتصارعة أو الشعوب بعضها بعضاً بالتخلّي عنه وبالسعي الى بديل منه.
علماً أنها لم تقصّر كلها في إفشاله ومنع تطبيقه طبعاً بمساعدة “غير مشكورة” من الشقيق الذي طُلب منه مساعدة اللبنانيين على تنفيذه، وبـ”تطنيش” من الدول التي رعت الإتفاق المذكور وفي مقدمها الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية. علماً أنهما استفاقا الآن واتخذت الثانية موقفً متشدداً داعماً له معتبرةً إياه الوسيلة الوحيدة لإنقاذ لبنان.
وفي ما يأتي نص المحاضرة: ” لن أبدأ هذا البحث بالحديث عن لبنان في التاريخ القديم بل القديم جداً رغم أن لبنانيين عديدين يستندون إليه للقول بل للتباهي بأن هذا اللبنان يعود الى ستة آلاف سنة. وهم يعتبرون أن ذكره في كتبٍ دينية أو مراجع دينية قديمة جداً دليل واضح على أنه موجود منذ القدم، لم تؤسسه دول أوروبية مع السلطنة العثمانية في القرن التاسع عشر، كما لم تعد تأسيسه دولة فرنسا بعد انتصارها والحلفاء على السلطنة في حرب 1914 – 1918، وبعد ضرب جغرافيتها المترامية الأطراف ودخول الجيوش الحليفة أرضه ثم إعلانها “لبنان الكبير” عام 1920 بلسان مفوّضها السامي الجنرال غورو.
بل سأبدأ من “التأسيس الأول” إذا جاز التعبير على هذا النحو الذي مهّدت له أحداث مأساوية أي اشتباكات طائفية بين الدروز والنصارى الموارنة بغالبيتهم في قسم مهم من منطقة جبل لبنان الذي ضمّهم معاً. في تلك المرحلة لم يبدُ أن الفريقين اللبنانيين كانا يعيشان رسالةً حضاريةً ما. بل كانا يتقاتلان على السلطة في منطقة كانت القيادة السياسية الإقطاعية فيها للدروز مشايخ ذلك الجبل ثم نزح إليها موارنة الجبال من أجل تأمين لقمة العيش المعقول بموافقة القيادة المذكورة جرّاء حاجتها الى يدٍ عاملة تمتلك خبرةً مهمة في الزراعة ومجالات أخرى. لكن تكاثر المسيحيين مع الوقت وخشية “السلطة الإقطاعية” على إمتيازاتها وحقوق أبنائها بعدما استوطن القادمون من أعالي جبال لبنان ولا سيما الشمالية منها مناطقها جعل التوتر يسيطر على علاقات “لبنانيي” الفريقين.
فبدأت الاشتباكات وتطوّرت حرباً بغضّ النظر عن الأسباب السخيفة المباشرة لها. فتدخّلت السلطنة العثمانية وقسمت المنطقة الدائرة فيها الحرب منطقتين سمّيتا قائمقاميتين. واحدة درزية وأخرى مسيحية، لكن هذا الحل لم يستمر إذ عادت الإشتباكات بين أبنائهما عام 1860 وتحوّلت حرباً ضروساً انتهت بعد أربع سنوات بتدخّل عسكري أوروبي وعثماني أوقف الحرب، وسياسي أسّس متصرفية جبل لبنان (أو ما عُرف لاحقاً بلبنان الصغير)، ووضع لها نظاماً أساسياً ونصّب عليها حاكماً مسيحياً عثمانياً أي غير لبناني. طبعاً عاشت المتصرفية حياةً مستقرة وشهدت ازدهاراً علمياً وثقافياً وزراعياً وتجارياً جرّاء الإشراف المباشر عليها من السلطنة والدول الأوروبية التي تدخّلت فيها. لكنها انهارت بعد نشوب الحرب العالمية الأولى وعانى شعبها الأمرّين على يد العثمانيين (جمال باشا السفاح كما سُمّي وغيره…).
ما يُمكن استنتاجه من التجربة اللبنانية الأولى وإن مصغّرى هي غياب “الرسالة” التي تصرّ قيادات لبنانية على أنها سمة لبنان. إذ لو كانت موجودة لما تذابح اللبنانيون ذلك أن خلافاتهم كانت موجودة وقديمة وعميقة الجذور. وما فعله الخارج العثماني والأوروبي كان استخدامها لتأمين مصالحه. فهل كان ينجح في ذلك لو توافر فعلاً العيش المشترك أو التعايش بين القبائل اللبنانية؟ والجواب هو طبعاً كلا.
لذا فإن السؤال الذي يُطرح اليوم هو: هل كان لبنان الكبير الذي أسّسته فرنسا عام 1920 وأعلنه باسمها المفوض السامي الجنرال غورو رسالة؟ أي دولة عيش مشترك أو واحد في دولة مدنية بين شعبه الذي يضم مسيحيين ومسلمين شيعة وسنّة ودروزاً؟ البروباغاندا اللبنانية تؤكد ذلك. لكن الواقع اللبناني في ذلك الحين أي الإعلان المذكور واستقلال دولة لبنان الكبير عام 1943 ثم ممارسات هذه الدولة لاحقاً لم يعكس عملياً وفعلياً أن هذه الدولة كانت رسالةً حضارية فعلياً ورسالة وطنية. إذ كان همّ الإنتداب الفرنسي إقامة دولة في لبنان الكبير موالية لدولته وحاميةً لمصالحها فيه ومن خلاله في المنطقة. كان همّه الثاني تسليم السلطة الفعلية فيها لمسيحييها الذين ربطتهم بفرنسا وعلى مدى العصور والقرون روابط تحالف وحماية قوية جداً. ولكن في إطار دولة تشترك فيها العائلات الدينية كلها مع بقاء النفوذ الأقوى فيها والقرار الأفعل في يد رئيس جمهوريتها المسيحي الماروني صاحب الكلمة الأولى في الحكومة كما في أيدي المسيحيين الذين تسلّموا المراكز الأرفع في المؤسسات والإدارات المدنية والعسكرية والسياسية. لعلّ الإشارة الأولى التي دلّت في حينه على أن الرسالة الحضارية الوطنية المدنية والعلمانية كانت غائبة عن لبنان منذ تأسيسه كانت حين أبدى قسم مهم من أبنائه المسلمين على تنوّع مذاهبهم رغبتهم في الإنضمام الى سوريا.
أي إما إنضمام لبنان كلّه أو إنضمام مناطقهم. علماً أن غياب هذه الرسالة ظهر لأول مرة عام 1932 عندما أجرت دولة الإنتداب إحصاءً سكانياً لبنانياً لمعرفة عدد اللبنانيين وتوزّعهم على الديانات أي المسيحية والإسلام، كما على الطوائف والمذاهب أي السنّة والشيعة والدروز والموارنة والروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك والأقليات وغيرهم… إذ أن نتيجته أظهرت أرجحية مسيحية ضئيلة جداً تراوح نسبتها بين 0,50 و1,50 في المئة. أما المرة الثانية التي ظهر فيها غياب لبنان الرسالة فكانت يوم امتنعت سلطة الانتداب لاحقاً عن إجراء أي إحصاء سكاني آخر منذ عام 1932 وحتى 1943 تاريخ استقلال الدولة. ربما كان السبب معرفتها أن الديموغرافيا المسلمة قابلة للإزدياد وبوتيرة أكبر من الديموغرافيا المسيحية.
لكن بعد الإستقلال امتنعت الدولة اللبنانية التي للمسيحيين فيها الدور الأكبر عن تنفيذ أي إحصاء سكاني شامل. ومع الوقت غابت الإحصاءات بكل أنواعها عن الدولة وقراراتها وإداراتها رغم أن أي تطوّر من دونها كان سيكون مستحيلاً. ما أثار القلق في حينه كان وعي المسلمين لتفوّقهم عددياً على المسيحيين وبدء مطالبتهم بإجراء إحصاء سكاني شامل كما باعتماد الإحصاءات في كل المجالات. لكنهم ووجهوا بموقف مسيحي صلب في رفضه. أما أسبابه فكانت تأكدهم من التحوّل التدريجي للمسلمين غالبيةً وإن معتدلة في البداية وخوفهم من تحوّلهم غالبية طاغية لاحقاً وتالياً من مطالبتهم بتعديل أسس الشراكة بينهم وبين المسيحيين بحيث تصبح متساوية، ولاحقاً من مطالبتهم بحصة في “السياسة” والإدارة والمؤسسات تتناسب ونسبتهم من عدد الشعب اللبناني”.
هل كان الرفض المسيحي للإحصاء مبرّراً؟



