الصيغة النهائيّة لاتفاقيّة الترسيم البحري في مرحلة “الروتوش”.. ولبنان سيدرسها بدقّة قبل موافقته النهائيّة عليها (الديار 11 تشرين الأول)
"توتال" تعود سريعاً لبدء التنقيب والاستكشاف في "قانا".. هل تضع تقريراً يُنهي الجدل حول كميّة الغاز فيه؟

وصل ملف الترسيم البحري الى مرحلة “الروتوش”، من خلال تبلّغ رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بعد ظهر الأحد الفائت من الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين عبر اتصال هاتفي، أنّ جولات النقاش خُتمت بعد درس الملاحظات المقدّمة من الطرفين، وأنّه تمّ تحديد الملاحظات التي سيرسلها خلال الساعات القليلة المقبلة في نسخة تتضمّن الصيغة النهائية للإقتراح المتعلّق بالترسيم البحري. كما أطلعه على نتائج الجولات الأخيرة للإتصالات مع كلّ من الجانبين على حدة، شاكراً الرئيس عون وفريق عمله على الإدارة الحكيمة لملف المفاوضات والطريقة التي تمّ فيها التعاطي مع النقاط التي كانت موضع بحث، ما سهّل استكمال التفاوض من خلال عمل مرهق في الأيام الماضية.
وكان الرئيس عون التقى قبل اتصال هوكشتاين بنائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب الذي وضعه في تفاصيل المناقشات التي دارت خلال الأيام الثلاثة الماضية بينه وبين الوسيط الأميركي. في الوقت نفسه، استكمل العدو الإسرائيلي التجارب التي يجريها على الأنابيب من الشاطىء الى منصّة “كاريش” وليس العكس، مطمئناً الى أن لا علاقة لها ببدء إنتاج الغاز من الحقل المذكور، والذي هدّد حزب الله بضرب منصّته إذا بدأت سفينة “إنرجين” بسحب الغاز منه من دون إعطاء لبنان حقوقه البحرية التي يِطالب بها، أكان جرى توقيع الإتفاقية أم لم توقّع.
ووسط هذه الأجواء التفاؤلية التي سادت النقاشات الأخيرة من المفاوضات غير المباشرة مع العدو الاسرائيلي، بعد أن سبقها رفض منه للتعديلات التي أدخلها لبنان على العرض الخطٌي الأميركي، أكّدت أوساط ديبلوماسية مطّلعة على ملف الترسيم البحري أنّ الصيغة النهائية التي يقوم هوكشتاين بوضع اللمسات الأخيرة عليها، باتت شبه مقبولة من لبنان، يبقى أنّه على المسؤولين التأكّد من أنّه وضع فيها النقاط التي وعد بها والتي طالب لبنان بتغييرها، لكي يدرسها ويعطي موافقته النهائية عليها. وعندئذ يتمّ الانتقال الى المرحلة الأخيرة من الاتفاقية وهي التوقيع عليها. وقد وجد هوكشتاين آلية معيّنة لتثبيت اتفاق الترسيم بدون توقيع معاهدة مباشرة مع “إسرائيل”، على ما أعلن بوصعب، لكيلا يفهمها على أنّها نوع من التطبيع معه.
وتقول الاوساط انّ الإتصالات الأخيرة أفضت الى أن تتمّ مراقبة “خط الطفّافات” أي العوّامات التي يستخدمها العدو الإسرائيلي في البحر من قبل قوّات “اليونيفيل” البحرية، ولن يكون بالطبع خط الحدود البحرية إنَّما الخط ال 23، على أن تتولّى أيضاً الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين في المنطقة الممتدة من رأس الناقورة، والتي حافظ لبنان عليها، كما على بلوكاته الحدودية كاملة أي 8 و9 و10. وبالطبع سيتمّ الكشف عن مضمون الاتفاقية كاملاً فور التوقيع عليها، والأهمّ من ذلك هو الضمانات التي سيُعطيها الأميركي لالتزام العدو الإسرائيلي ببنودها، وعدم نسف أي منها وفق ما تقتضيه مصلحته.
وذكرت الأوساط عينها أنّ توقيع الإتفاقية سيحصل فور إعطاء كلّ من الجانبين موافقته النهائية عليها، مشدّدة على أنّ الجانب اللبناني سيدرس الصيغة الأخيرة المقدّمة من هوكشتاين بشكل دقيق جدّاً تمهيداً لاتخاذ القرار المناسب بشأنها، وخصوصاً أنّ لبنان الرسمي لم يُعط بعد موافقته الرسمية على الاتفاقية. ولم تستبعد الاوساط أن يحصل ذلك خلال الأسبوع المقبل، أو في الحدّ الأقصى قبل انتهاء عهد الرئيس عون في 31 تشرين الأول المقبل، إِلَّا في حال حصول أمر طارىء قد يؤخّر مرحلة التوقيع. ويبدو أنّ وجود رئيس الحكومة الحالي يائير لابيد يُناسب الأميركيين اليوم أكثر من بنيامين نتنياهو في حال عاد الى رئاسة الحكومة بعد الإنتخابات التشريعية المرتقبة في الأول من تشرين الثاني المقبل، ولهذا يضغطون لكي يتم التوقيع قبل مغادرة لابيد وإمكان عودة نتنياهو الى الحكومة، الأمر الذي يصبّ في مصلحة الرئيس عون، رغم كلّ ما جرى من أمور لكسر عهده على مختلف الصعد.
وبرأي الاوساط، إنّ توقيع الإتفاقية سيؤدّي الى عودة سريعة لشركة “توتال” الى لبنان لبدء عملية التنقيب والإستكشاف في حقل “قانا” الموجود في البلوك 9، والذي يجري الحديث عن أنّه لا يزال حقلاً محتملاً بحجم حقل “كاريش” الذي تُقدَّر إحتياطات الغاز المؤكّدة فيه بنحو 1.3 تريليون قدم مكعّب، لأنّ لبنان لم يقم بعملية مسح للمنطقة البحرية كما يجب، في حين أنّ رسمه على الخرائط يُظهره أكبر بكثير، كما وأنّه قد لا يكون يحتوي على الغاز الذي يُمكن تسييله وبيعه، كونه احتمالا يضعه الخبراء لدى اكتشاف أي حقل. ولم يُعرف ما هي الأهداف الكامنة وراء أقاويل غير مؤكّدة أو مثبتة كهذه، في الوقت الذي يطالب فيه لبنان بالحصول على حقل “قانا” كاملاً، على أن تدفع “توتال” الى العدو الإسرائيلي تعويضاً مالياً من حصّتها مقابل ما يعتبره حقّاً له.
وتساءلت الأوساط نفسها بالتالي: لماذا يجري الترويج في الجانب “الإسرائيلي” الى أنّ عائدات حقل “قانا” لا تتعدّى ال 3 مليارات دولار؟ هل للتخفيف من حجم خسارتهم لهذا الحقل أمام الرأي العام قبل الإنتخابات، أم لإيصال رسالة الى اللبنانيين بأنّهم لم يخسروا شيئاً في موافقتهم على إعطاء لبنان حقل “قانا”، في حال موافقتهم النهائية على الاتفاقية، كما هي؟! علماً بأنّ بعض المعلومات قد أفادت في وقت سابق بأنّ تقديرات وزارة المالية “الإسرائيلية” تشير الى أنّ حقل “قانا” يضمّ 120 مليار متر مكعب من الغاز، ما يساوي 20 مليار دولار. وقد يكون حجم الغاز بالتالي أكثر من ذلك بكثير، بحسب توقّعات بعض الخبراء اللبنانيين. ولهذا على “توتال” في حال عودتها وبدء عملها في حقل “قانا” أن تكون صادقة وشفّافة، وأن تضع تقريراً واضحاً بعد إنهاء عملية التنقيب والإستكشاف فيه لتوضيح هذا الأمر المهم.
ورأت الاوساط بنّ توقيع الإتفاقية قد يُرسي نوعاً من الإستقرار والهدوء في المنطقة، لأنّ أحداً من الجانبين لا يريد الحرب في هذه المرحلة، بل السلام واستخراج الغاز من الحقول النفطية. و”الإسرائيلي” يعلم أنّ لبنان قادر، بجيشه ومقاومته، على عرقلة عمله في “كاريش”، إذا لم يتمّ الإتفاق على رفع الضغط عن “توتال” للعودة الى العمل في البلوك 9. كما قد يعيد بعض من ثقة المجتمع الدولي بلبنان، سيما أنّ حصّة لبنان من الغاز الطبيعي الذي يحتضنه هذا الجزء من البحر المتوسط تُقدَّر بنحو 96 تريليون قدم مكعب، وهذه ثروة يمكن أن تساعده على خفض حجم دينه العام، الأمر الذي من شأنه تنشيط الوضع الإقتصادي وعودة الإستثمارات الخارجية، فضلاً عن الدعم الدولي والعربي له. علماً بأنّ دولة قطر سيكون لها لاحقاً دور مع بدء التنقيب ومن ثمّ الإنتاج، وذلك في نقل الغاز من لبنان الى دول الخارج.



