في عصر العالم الرقمي .. ما مصير المكتبات الورقية؟ (الديار 3 تشرين الأول)
طعمة ؛تراجع عددنا ٥٠في المئة والدراسة عن بعد اثرت كثيرا

من المعروف جدًّا أنّ لكلّ تنافسٍ، سلاح ذو حدين : الأوّل منهُ ايجابيّ والثّاني سلبيّ. هذا التّحليل، ينطبق تمامًا على دخول العالم الرقمي إلى حياتنا، ممّا سينعكس ذلك بشكلٍ مباشرٍ على مصير المكتبات الورقيّة.
وغالبًا ما تفكّر الدّراسات العلميّة، إلى مقاربة التّحدّيات التي تواجه مستقبل المكتبات الورقيّة في العالم العربي، ورهانات رقمنتها. وبالتالي، لفهم العلاقة جيّدًا بين الورقي والرّقمي، عديدةٌ كانت وجهات النّظر.
“الدّيار” كانت قد تناولت هذا الموضوع، من خلال اختيار عيّنة بحث بطريقة منهجيّة لتمثّل مجتمع صغير ربّما يكون نبذة عمّا يعيشه بلدنا لبنان، ليتبيّن التّالي:
السؤال الموحّد: هل تأثّرت المكاتب الورقيّة في ظل عالمنا الرّقمي بشكلٍ سيئ؟ وما الحلّ؟
• 60 % كان جوابهم نعم ،الحل بتشجيع المكتبات وتكثيف شراء الكتب الورقيّة (معظمهم كانوا يعملون في المكتبات أو أصحاب مكتبات أو أساتذة مدارس).
• 25 % كان جوابهم لا، البعض اعتبر أنّ من يحبّ الكتب ورائحة الكتب ما من عاملٍ سيؤثّر فيه بالعكس، سيشتري الكتب دائمًا. والبعض الآخر اعتبر أنّ المكتبات الورقيّة تزورها كلّ فئات المجتمع صغارًا وكبارًا.
(معظمهم كانوا من عامّة الشّعب رجالًا وإناثًا).
• 15 % كان جوابهم نعم ولا، نعم بالأسلوب ولا بالتّأثر السّلبي. لقد أثنوا على وجود حلولَ عديدةٍ تتعلّق بالمصير الورقي وهي تحويل المحتوى الرقمي إلى pdf ليُنشر إلى أكبر عدد ممكن من العالم وبهذه الطريقة يتم قراءة المضمون الجيّد عبر الكمبيوتر. فما المانع لو أنّ المحتوى الجيّد استمر والأسلوب اختلف؟ (معظمهم كانوا من خرّيجي كلية الإعلام- إختصاص الصّحافة الرّقميّة وأستاذة جامعيين).
ما المانع في مواكبة الأخبار وقراءة الكتب عن طريق الرّقمنة؟
ماريا، طالبة إعلام إختصاص صحافة رقميّة تسأل هذا السّؤال، لتؤكّد للدّيار أنّها تقرأ معظم الكتب عن طريق نسخها على الحاسوب، لأنّ العالم الرقمي، على حدّ قولها، لا يلغي القراءة والكتابة إنّما يغيّر فقط في الأسلوب.
وتضيف:” كثيرون اعتبروا أنّ الصّحافة إلى انحدارٍ تامٍ، تحديدًا عام 2015 عندما بدأ معظم الطّلاب ينظرون إلى المجال الإعلامي وواقعه بالنّظرة التشاؤميّة، معتبرين أنّ مهنة الصّحافة ستزول مع إقفال صحف وجرائد ورقيّة”.
وتتابع ماريا:” صحيح أنّ الصحف الورقيّة، أقفلت معظمها، لكنّ المواقع الاكترونيّة لا مانع من الاستفادة منها أبدًا. فهي تنشر الأخبار على مدار السّاعة، وتكتب المواضيع التحليليّة من كافّة القطاعات، بطريقة مهنيّة وتبثّ محتواها بكبسة زر إلى جميع أنحاء العالم”.
وتختُم:” المهمّ في هذه الحالة، بدل الخوف من شبكة الانترنت واعتبارها فيروس اجتاح مجتمعاتنا وأساء إليها، لماذا لا نقول إنّ المجلّات والصّحف المتينة، استطاعت أن تواكب العصر، وتحوّل محتواها إلى رقمي وتُواكب هذا الجيل؟”.
شهيب
يؤكّد فادي شهيب صاحب مكتبة شهيب عاليه للدّيار، أنّ المكتبة لم تمرّ بظروف أصعب من هذه الظروف التي نمر فيها اليوم، منذ تأسيسها عام ١٩٥٦.
معتبرًا أنّ المكتبات تأثرت بالأوضاع الرّاهنة الصّعبة، كباقي القطاعات، لكنّ التّأثير الكبير جاء لسببين: الأول بسبب توقّف المدارس عن العمل الحضوري ومتابعة التّلاميذ لدروسهم من المنزل مما يخفف من الطّلب على الكتب والقرطاسيّة. والثّاني نتيجة عدم استقرار لسعر صرف الدّولار، هذا ما أدّى إلى وقوع خسائرَ كبيرةٍ بين الشّراء والمبيع.
وتابع:” إذا بقي الحال على ما هو عليه من دون وبشكلٍ سلبيٍّ على المكتبات الورقيّة. العالم الرقمي خفف من استخدام الكتب الورقية التي بقيت تستخدم من قبل الفئات العمرية التي ليس لديها التقنية الكافية لاستخدام الانترنت والحواسيب. وهذا ما خفّف كثيرا من عمل المكتبات التي تحولت من بيع الكتب إلى القرطاسية والهدايا والألعاب.
وأضاف شهيب:” نحاول قدر المُستطاع استقطاب فئات عديدة من النّاس يختلف وضعها الاجتماعي والاقتصادي. والسّر يكمن في وجود سلع تُناسب كل الميزانيّات مما يجعل الشّراء متاحًا أكثر”.
وأمّا عن تخوّفه من الاقفال وإغلاق أبواب المكتبة أجاب:” لا أتوقّع الاقفال لأنّ مكتبتنا من المؤسسات القديمة والمعروفة في المدينة وقمنا بتطوير نظام العمل وأدخلنا بعض التّعديلات لما يتناسب مع نمط السوق، أما لو بقينا مكتبة ورقية لكنّا اقفلنا منذ العام ٢٠١٩”.
يقول أمين سر نقابة أصحاب المكتبات جوزيف طعمة للدّيار، إنّنا دخلنا بسرعة البَرق إلى عالمٍ جديدٍ ومختلفٍ. هذا ما أثّر وبشكلٍ مباشرٍ على قطاع المكتبات.
“عمودنا الفقري للصّمود في المكتبات، هو الموسم الدّراسي. وهذا الموسم يشكّل حوالي 90% من المردود المكتبي. شرط ان يكون العمل فيهما بفعاليّة ونشاط، وكل باقي أشهر السّنة تكون الحركة خفيفة، فنضطر إلى توزيع الأرباح على كافّة مدار السّنة. وهذا العمود الذي نتكلّم عنهُ، بدأ ينهار قبل دخولنا إلى العالم الرّقمي. صحيح أنّه سريع، لكنّ المكتبات باستطاعتها مواكبة كل ما هو جديد على مدار السّنين، تمامًا كتحوّل الفيديو إلى usb.
بالمُختصر، عمودنا الفقري يرتكز على الكتاب المدرسي الذي بدوره ينقسم إلى قسمين: الرّسمي والمُستعمل في المدارس الخاصّة”.
وبتابع:” في السّابق، أخذنا بالاتّفاق مع وزارة التّربية والمركز التّربوي للبحوث والإنماء بتوزيع الكتب المدرسيّة الرّسميّة لكافّة طلّاب لبنان، والتي توزّع مجّانًا من قبل الدّولة اللّبنانيّة على طلّاب المدارس الرّسميّة. أخذنا حق التوزيع كنقابة المكتبات. وهُنا أصبحت النّقابة مسؤولة عن إشراف وتنظيم عمليّة التّوزيع من خلال المكتبات المُجاورة لها. وبهذه الطّريقة تستفيد المكتبات بنسبة 15% من سعر الكتاب الواحد.
استمرّينا على هذا الحال لسنواتٍ، حتّى جاءت اليونيسف لتتكفّل بدورها بعمليّة التّمويل والتّوزيع. حاولنا التّواصل معهم بشتّى الطّرق لنخبرهم بأنّهم يحرمون قطاع كبير جدًّا من الانهيار، ولكن لا جدوى”.
ويُكمل طعمة:” منذ انتشار وباء كورونا، لم يعد هنالك مناقصات، بسبب مشاكل التّمويل ولأنّ القطاع الرّسمي لا يزال على الـ1500 ليرة لبنانيّة. هذه العام لم يوجد كتب لمدارس الدّولة لأنهم وضعوا دفتر شروط ومناقصات ما من أحدٍ قدّم عليه لأنه لا يريد أخذ مناقصة باللّبناني على سعر الدّولار المحلّق.
أما القطاع الخاص، نحنُ نعاني منذ سنواتٍ طويلةٍ وما من أحدٍ تجاوب معنا، سوى وزير الاقتصاد محمّد الصّفدي، الذي أخذ قرارا بمنع بيع الكتب في المدراس لأنّ المدرسة هي مؤسّسة تربويّة تُعنى بالتّعليم وليست مكان تجاري لبيع الكتب والقرطاسيّة. ولنتساوى في بلدٍ ديمقراطيّ في نظامٍ اقتصاديٍّ حرّ، على المدارس أن تخضع لقانون التّجارة وتسجّل مؤسّساتٍ تجاريّةٍ وترفع ميزانيّتها. بهذه الطّريقة نحن نرضى بالمُنافسة المشروعة، ولكن أن يجبروا الطّلاب على شراء الكتب من المدارس ويضعون دار النّشر تحت الإبتزاز هذا أمرٌ غير مسموح.
وبعد ترك الصّفدي وزارة الاقتصاد، بقي قراره سنةٍ واحدةٍ. ومن بعدها، عادت المدارس التّجارية وليس التّربوية لبيع الكتب والقرطاسيّة وباتت تنافس المكتبات بشكلٍ غير قانونيّ وغير شرعيّ وتحرم زبائنها من زيارتنا، لدرجة أنّها تحرم الطالب من اللّائحة. وهُنا طبعًا الأهالي يريدون رضى المدارس.
إذًا، نحنُ من دون جميلة التّطور الرّقمي، نعاني ونغرق والمكتبات قلّت عددها لاسيّما المكاتب الصّغيرة. مسجّل في النّقابة بحدود الـ400 مكتبة، تقريبًا أصبحنا اليوم 200، والبقية ليست فعالة . وهذا طبعًا باستطاعتنا معرفته من خلال تسديد اشتراكاتها، حضورهافي الجمعيّات العموميّة ونشاطات النّقابة..إلخ”.
وختم طعمة:” مع التّحوّل الرّقمي، كبرت المسؤوليّة على المكاتب وفُرض عليها مواكبة العصر. المكتبات التي كافحت وبقيت قويّة، لا تزال في السّوق. أما المشكلة بشكلٍ عامٍ، ومع خوضنا تجارب الرّقمنة لا أتوقّع من حدوث هذا التّحوّل بين ليلةٍ وضحاها. وفي هذا الوقت، ستواكبه المكتبة وتستبدل الكتب بأمور تواكب الحداثة والتّطوّر لتحافظ على عملها، لكن طبعًا سيتأثّر العمل كثيرًا. أمّا الكتاب ككتاب، لديّ
تحيّزًا لهُ لأنّه مميّز عن باقي الأساليب. مريح للنّظروالقراءة فيه عمليّة أكثر”.



