مليارات الدولارات خارج القنوات المصرفية… فأين تذهب؟ (النهار 19 أيلول)

عاد النشاط السياحي مجددا الى لبنان بعد انقطاع دام أكثر من عامين ليشكل جرعة دعم معنوية ومادية للبلاد التي تمر بأسوأ أزمة في تاريخها، خصوصا أن الايرادات، إن صحّت التوقعات، قُدرت بنحو 4.5 مليارات دولار لموسم الصيف. وعلى رغم أن هذا الرقم لا يزال متواضعا اذا ما قورن بالإيرادات السنوية التي كانت تقدَّر بنحو 9 مليارات دولار قبل الأزمة، إلا انه يبقى أفضل الممكن بعد النكبة التي اصابت القطاع السياحي في العامين الماضيين على خلفية جائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت.
الارقام الواردة على لسان المعنيين بالقطاع ليست رسمية، وإن كانت صادرة عن وزير #السياحة وليد نصار، حتى أن البعض اعتبرها مضخمة على اساس أن الاموال لم تدخل الى القطاع المصرفي، وتاليا لا يمكن التأكد من صحتها أو حتى التعويل عليها.
فالوزير نصار قدَّر عدد السياح والوافدين بنحو 1.5 مليون، منهم 75% من اللبنانيين المغتربين و25% من العرب والأجانب، بإيرادات ناهزت الـ 4.5 مليارات دولار، فيما أكد الأمين العام لاتحاد النقابات السياحية جان بيروتي لـ”النهار” أنه “منذ منتصف أيار الماضي زار لبنان حتى اليوم أكثر من مليون و250 ألف سائح، 70% منهم مغتربون، و30% من جنسيات عربية وأجنبية مختلفة”، مشيرا في هذا الاطار الى “السائح الذهبي”، اي العراقي “الذي لم يترك لبنان في كل الظروف، اضافة الى الحضور المميز هذه السنة للمصريين والاردنيين، كما ساهمت حفلات الزفاف في جذب السائح الأجنبي وخصوصا من جنسيات اوروبية”. ونوّه بـ”الدور الايجابي لوسائل الاعلام اللبنانية بالإضاءة على الاماكن السياحية، وهو أمر يحدث للمرة الاولى في تاريخها بما شكل رافعة انقاذية للقطاع السياحي”. أما بالنسبة الى الايرادات فيلفت بيروتي الى أن “أرقام الايرادات المتداولة مضخمة نوعا ما، وهي لم تتجاوز بحدها الاقصى الـ 3.5 مليارات دولار (بين 3 مليارات و3.5 مليارات دولار)، آخذين في الاعتبار أن معدل إنفاق السائح هو ألفا دولار خلال فترة اقامته في لبنان”. ولكن في مقابل هذه الايرادات يشير بيروتي الى أن نحو 150 ألف لبناني سافروا الى تركيا للسياحة وانفقوا نحو مليار دولار.
بين الـ 3.5 مليارات دولار و4.5 مليارات، ثمة فارق بنحو مليار دولار، فلِمَ هذا التفاوت في الارقام؟ يعزو بيروتي هذا الامر الى أنه “من ضمن أرقام الوافدين، تم تسجيل اللبنانيين الذين غادروا للسياحة في تركيا، يضاف اليهم الذين يسافرون الى ارمينيا ومن ثم يعودون الى لبنان، وتاليا فقد تم احتساب انفاقهم كإيرادات سياحية، علما أن ما بين 30 الى 40% من الذين يدخلون عبر المطار هم من سوريا”.
كل المناطق اللبنانية كانت لها حصة من السياحة في موسم الصيف، و”لكن المناطق التي كانت لها حصة الاسد من الحركة السياحية هي المناطق البحرية”، وفق ما يؤكد بيروتي. كما شهدت الملاهي الليلية ومراكز السهر حركة ناشطة جدا وخصوصا في بعض مناطق بيروت، وتحديدا في الجميزة والروشة، فيما المناطق الاخرى في بيروت لم تشهد هذه الحركة، علما أن 4 فنادق كبرى لا تزال مقفلة بسبب انفجار مرفأ بيروت. ويشير في هذا السياق الى أن “شوارع بيروت ومناطق أخرى في لبنان مظلمة بسبب انقطاع الكهرباء، في حين أن المؤسسات السياحية بقيت مضاءة واستطاعت ان تسد عجز الدولة في هذا الموضوع تحديدا”.
ولكن بصرف النظر عن التفاوت بالارقام، يشدد بيروتي على أن “موسم الصيف كان جيدا، وادخلنا ارقاما مقبولة من العملة الصعبة. ولكن مع عدم وجود قطاع مصرفي، فإن السؤال هو: أين ذهبت هذه الاموال؟”، مرجحاً أنها بقيت خارج القطاع المصرفي، بما يعني أنها لم توظف في الاقتصاد، وتاليا فإنها أودعت في المنازل أو تم اخراجها من لبنان.
لكن بيروتي لا ينكر أن ثمة ايجابيات وهي “أن الاموال التي انفقت أفاد منها العاملون في القطاع السياحي على نحو مباشر أو غير مباشر، إذ اضافة الى زهاء 150 ألف موظف يعملون حاليا، ثمة 40 ألف موظف موسمي، وهؤلاء كان دخلهم جيدا (ما بين 15 و20 مليون ليرة شهريا)، اضافة الى قطاعات أخرى كالتاكسيات والقطاع الزراعي وغيرها من القطاعات التي تفيد من القطاع السياحي بشكل غير مباشر”.
وإذا كانت هذه العوامل الاساسية التي يجب ان يضاء عليها، ثمة سؤال عما بعد هذا الموسم؟ وما هي الخطط الاستراتيجية للمرحلة المقبلة؟ سؤال يؤرق بيروتي الذي يؤكد انه “من دون خطط للمستقبل سنخسر السياح والعاملين في القطاع الذين تم تدريبهم جيدا ليصبحوا برسم الهجرة كما غيرهم من الشباب”.
ايرادات توظَّف في الاستيراد والتهريب؟
يستند الأكاديمي والخبير الإقتصادي بيار خوري الى تقديرات العائدات السياحية لموسم الصيف الصادرة عن مرجعيات مهنية أو وزارية، ليؤكد أن “الارقام المتداولة بـ 4 مليارات دولار يمكن ان تكون واقعية كونها تتوافق مع متوسط انفاق المغتربين لكل فرد”.
هذا الرقم، برأيه، “ساهم في رفد التحويلات النمطية إلى لبنان والمتأتية من المصادر المختلفة وأخصها تحويلات المغتربين لعائلاتهم وأقاربهم والتي زادت أهميتها النسبية بعد انفجار الأزمة الإقتصادية خريف عام 2019، ويليها في الأهمية التحويلات ذات الطابع السياسي والتي ترفد نشاط القوى السياسية على اختلافها. وشكّل هذا الجزء من التحويلات أهمية استثنائية هذه السنة بفعل الإنتخابات النيابية التي جرت مطلع الصيف. ثم تأتي أموال المنظمات الدولية، وخصوصا الأموال المخصصة للنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين، وإن بقيمة هامشية، مقارنة باللاجئين السوريين. كما يمكن احتساب قيمة عوائد ميزان الخدمات الذي يتغذى من الوظائف “اونلاين” للشباب اللبناني، وهي ظاهرة نمت بشكل واسع بعد الأزمة وساهمت في تسريعها جائحة كورونا، يضاف الى كل هذه الارقام عائدات التصدير من التجارة الخارجية”.
ولكن خوري يأسف كون “معظم هذه العائدات لا يعود إلى لبنان بسبب تعطل النظام المصرفي، كما أن مصلحة المصدرين تكمن في المحافظة على جزء مهم من أموالهم في الخارج تحسباً لأي طارئ”.
هذه الارقام بمجملها يقدرها خوري بنحو 10 مليارات دولار، وهي قد تكون كافية برأيه “لتمويل مستوردات لبنان لولا تعطل النظام المصرفي والحاجة الى تخزين الدولارات في الخزنات والمنازل، بما يمنع أي زيادة في توافر العملات الأجنبية غير المرئية في احتياطات البنك المركزي”.
معضلة عدم دخول الاموال الوافدة الى لبنان بالقنوات المصرفية يشير اليها ايضا الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة، لكنه يشكك أولا بالارقام المتداولة عن ايرادات السياحة، مؤكدا أن هذا الرقم لم يتعدَّ الـ 3 مليارات دولار، مستندا الى تراجع القدرة الشرائية للسياح العراقيين والاردنيين عما كانت عليه سابقا نظرا الى الازمات التي يعيشها العالم ككل.
ويوضح ان الايرادات السياحية وغيرها من الايرادات لن تمر بالقطاع المصرفي بل بقنوات غير تقليدية (الاهل والاقارب الذين سيخبئونها في المنازل، وعبر التجار والصيارفة). وتاليا عندما تذهب الاموال الى التجار والصيارفة، فهذا يعني أنها تذهب الى تغذية التهريب الى الخارج، بدليل أنه خلال فترة الصيف زادت نسبة الاستيراد لتصل الى نحو 10 مليارات دولار منذ أول السنة حتى اليوم، وهو رقم مستغرب برأيه في بلاد تعاني من أزمة مالية حادة.
وفيما تغيب الارقام الرسمية عن حجم العملة الصعبة التي تدخل الى البلاد، يوضح عجاقة أن مصادر الدولارات هي من المغتربين (تحويلات أو سياحة)، المساعدات الدولية سواء من خلال الجمعيات الخيرية أو الدينية أو بواسطة أحزاب سياسية، اضافة الى المؤسسات التي تدفع لموظفيها بالدولار وإنْ كان حجم الاموال ليس كبيرا.



