قراة واقعية لفادي قانصو حول موازنة الضرائب وتقويض القدرة المعيشية: هي موازنة الضرائب والرسوم وتفتقر الى الاصلاحات وتحيد القطاع المصرفي (الديار 12 أيلول)

دعا رئيس مجلس النواب نبيه بري الى عقد جلسة عامة في تمام الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر يومي الاربعاء والخميس الواقعين في 14 و15 ايلول الجاري 2022 وكذلك مساء اليومين المذكورين وبعض ظهر يوم الجمعة الواقع في 16 ايلول الساعة الثالثه من بعد الظهر لدرس وإقرار مشروع الموازنة لعام 2022.
وبات معلوماً ما يواجه هذه الموازنة واقرارها من صعوبات وتحديات وعوائق ان كان لناحية اعتماد سعر الصرف او لناحية توازن النفقات مع الايرادات والدولار الجمركي وغيرها من الامور الاساسية التي تطال اللبنانيين في حياتهم اليومية كفرض ضرائب و رسوم إضافية تزيد الأعباء على كاهل المواطنين المُنهكين أصلاً بعد تراجع قدرتهم الشرائية إلى حد كبير جداً من جراء الارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار الذي لامس الـ ٣٦ الف ليرة مما انعكس على ارتفاع اسعار السلع كافةً سيما أسعار المحروقات.
وفي تعليقه على هذه الموازنة:
اعتبر الأمين العام المساعد ومدير الأبحاث في اتحاد أسواق المال العربية الدكتور فادي قانصو في حديث للديار أن إعداد مشروع موازنة يشكّل في حدّ ذاته تطوراً جيداً، ومطلباً اقتصادياً، وإلا فسنعود إلى الإنفاق على قاعدة الاثني عشرية التي أوجدت فوضى مالية ملحوظة منذ العام 2006، حين كان يُدار البلد بدون موازنة عامة.
ورأى في قراءة أولية لمشروع الموازنة العامة التي أقرتها الحكومة ورفعتها إلى مجلس النواب أنها موازنة بعيدة كل البعد، من حيث الشكل والمضمون، عن موازنة بلد على شفير الإفلاس، وكأن من صاغ المشروع تناسى تماماً حدّة الأزمة الاقتصادية وتداعياتها على الواقع المعيشي المؤلم، لا بل تتضمّن هذه الموازنة عددا كبيرا من البنود الضريبية التي من شأنها أن ترفع أسعار السلع والخدمات الأساسية وبالتالي المزيد من إفقار الناس في ظلّ حرمانهم من أي شبكة أمان اجتماعي ومن دون الاهتمام بتأمين الاحتياجات الرئيسية اللازمة لأبسط مقومات المعيشة.
وقدم قانصو شرحاً مفصلاً عما تتضمنه هذه الموازنة من شوائب وقال :
– أولاً، إن موازنة 2022 هي موازنة الضرائب والرسوم بامتياز، قد لا تتضمّن هذه الموازنة الكثير من الضرائب الجديدة ولكن تعديلها عبر رفع سعر الدولار الجمركي إلى ما بين 15 و20 يشكل بحدّ ذاته جريمة اقتصادية في وقت يعاني الاقتصاد من انكماش حادّ، ما يعني المزيد من التضخم المفرط في أسعار السلع والخدمات والمزيد من التآكل في القدرة الشرائية، وكأن المواطنين لا يكفيهم نسب تضخم تجاوزت الـ500% خلال العامين المنصرمين، وفق أرقام الإحصاء المركزي، ما جعل لبنان يحتل المرتبة الثالثة عالمياً بعد فنزويلا وزيمبابوي. ناهيك عن أن رفع الضرائب في خضمّ ركود اقتصادي حادّ وقبل تفعيل العجلة الإنتاجية، يعبتر غير مجد على صعيد عملية التحصيل، فكثرة الضرائب تقتل الضرائب.
– ثانياً، تفتقر هذه الموازنة بشكل تامّ إلى الإصلاحات الهيكلية التي تهدف إلى ترسيخ مناعة الاقتصاد الوطني وقطاعاته المالية على المدى المتوسط والطويل، والتي لا طالما طولبت الحكومات المتعاقبة بضرورة القيام بالإصلاحات البنيوية المرجوة من أجل خفض نسب العجز والمديونية العامة إلى مستويات قابلة للاستمرار خصوصاً في ظل بروز مسائل إختلالات المالية العامة على رأس قائمة أولويات مجتمع الأعمال والاستثمار في مختلف أنحاء العالم.
– ثالثاً، لا تلحظ الموازنة العامة نفقات استثمارية وهي اكتفت فقط بتحديد نفقات متدنيّة في قطاعي الزراعة والصناعة بقيمة 2,200 مليار ليرة من أصل 49,416 كنفقات اجمالية ما يتعارض مع إمكانية وضع خطة تعافٍ اقتصادي مبنية على تعزيز الاستثمار في المجال الانتاجي، لاسيما وأن التحدي المحوري في سبيل تحفيز النمو الخاص يكمن في تحفيز الاستثمارات الخاصة المرتبط بتحسن بيئة الأعمال من خلال تخفيض التكاليف التشغيلية وتحسين سهولة مزاولة الأعمال، والانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج.
– رابعاً، تشكّل هذه الموزانة صفعة لأجراء القطاع العام في محاولة واضحة لإقفارهم، فاتحة المجال أمام الاستقالات من القطاع العام، وهو ما تجلّى من خلال منع العسكريين من الجمع بين رواتبهم التقاعدية ومخصصات أخرى، وتعديل ملاك السلك العسكري وتعديل شروط الترقية، وتقليص اعتمادات الجامعة اللبنانية. أضف إلى ذلك، عدم منح موظفي القطاع العام تصحيحاً للأجور بل الاكتفاء بمنحهم مساعدة اجتماعية هزيلة تساوي راتب شهر لمدة سنة، كما منحت الفئات الأكثر حاجة، أي المتقاعدين، مساعدة أقل بقيمة 50% من الراتب التقاعدي، ناهيك عن خفض التقديمات التقاعدية لورثة المتقاعد وتصعيب شروط الاستفادة.
– خامساً، تفتقر هذه الموازنة إلى الإنقاق الاجتماعي أو الصحي مع تقليص اعتمادات وزارة الصحة. ويأتي ذلك في وقت يتداعى فيه نظام الرعاية الصحية اللبناني وسط أزمة اقتصادية طاحنة أدت لنزوح جماعي لآلاف الأطباء والممرضين وإجبار مستشفيات خاصة على إغلاق بعض أقسامها بما شكل مزيداً من الضغوط على القطاع الصحي الحكومي الذي يتعرّض بالفعل لما يفوق طاقته.
– سادساً، رصدت موازنة 2022 مبلغاً قدره 5,250 مليار ليرة لتمويل مؤسسة كهرباء لبنان، أي ما يعادل 230 مليون دولار على أساس سعر صرف السوق. إلا أنه وفي حين يصحّ القول أن التكلفة السنوية لمؤسسة كهرباء لبنان تبلغ حوالي مليار دولار لاستيراد الفيول، فإن فاتورة الاستيراد تلك تعادل 23,000 مليار ليرة لبنانية إذا تم احتسابها بشكل صحيح. وبالتالي فإن الفارق بين مبلغ 5,250 مليار ليرة و23,000 مليار سيتحمّله حُكماً مصرف لبنان بالكامل. ما يعني بأننا أمام استمرار لسياسة الاستنزاف في دعم قطاع الكهرباء طوال ثلاثة عقود، بدلاً من إصلاح هذا القطاع المفلس عبر بناء محطات الطاقة اللازمة وتشغيلها على الغاز بدلاً من الفيول وبالتالي تقليص الخسائر التقنية وغير التقنية.
– سابعاً، من الواضح بأن هذه الموازنة تحاول تحييد القطاع المصرفي عن تحمّل أي تبعات للخسائر الناتجة عن الأزمة، وتسمح بالاقتطاع المقنّع على الودائع مما سيضيّع حقوق المودعين بشكل تام. على سبيل المثال، تنصّ المادة 132 على إلزام المصارف في تسديد الودائع الجديدة فقط بالعملة المودعة فيها دون ذكر الودائع القديمة مما يشرّع للمصارف ومصرف لبنان الاستمرار بعملية الاقتطاع على الودائع الدولارية ما قبل 17 تشرين، وبالتالي يمهّد الطريق أمام تحويل نسبة منها من دولار إلى ليرة لبنانية. كما تفرض الموازنة على موظفي القطاع العام والمؤسسات العامة والإدارات إلزامهم بتوطين الرواتب لدى مصرف، أي لا خيار أمامهم سوى القيود وسقوف السحب التي تحدّدها لهم المصارف.
– ثامناً، إن موازنة 2022 تحمي رؤوس الأموال على حساب المواطن، إذ استثنت عملياً أي زيادات ضريبية استهدافية كالتي طرحها الوزير السابق غازي وزني، أي ضريبة التضامن الوطني التي فرضت ضريبة على الثروة ضمن شطور محدّدة ولمرّة واحدة فقط. كما كان لافتاً أن تكون الزيادات الضريبية محصورة بالضرائب غير المباشرة واستثناء الضرائب على الأرباح ورؤوس الأموال من زيادات كبيرة كالتي لحقت بفئات الشعب كافةً، مع الانخراط بقوّة في منح الإعفاءات لرجال الأعمال وكبريات الشركات والمستثمرين، أي كل كبار المكلفين بالضريبة، وإعفاءات من نوع التسويات الضريبية، وإعفاءات من ضرائب الدخل لبعض الفئات مثل الشركات الناشئة، وإعفاءات على الودائع الجديدة بالعملات الأجنبية لمدة خمس سنوات، كذلك أعفيت الشركات الدامجة من ضريبة الدخل لعدد من السنوات. وبدلاً من أن تدفع الشركات ضريبة أرباح بمعدل 17% على فروقات إعادة تقييم أصولها التي تحتسبها ضمن أرباحها، أتيح لها في مشروع موازنة 2022 تسديد ضريبة 5% فقط.
وختم قانصو حديثه مشدداً على أن إقرار الموازنة العامة حاجة ملّحة لانتظام المالية العامة في لبنان، ويحمل في طيّاته بلا أدنى شك إشارات مؤاتية للأسواق والمستثمرين ويساهم في تعزيز عامل ثقة العالم الخارجي بالاقتصاد الوطني.مشيراً إلى أن الموازنة العامة في المطلق ليست فقط وسيلة لحصر احتياجات الحكومة وإيراداتها، بل لها وظائف جوهرية أخرى وبالأخص استخدامها كوسيلة لضبط السياسة المالية للبلاد ولتحقيق أهداف الدولة وتنفيذ سياستها الاقتصادية. كما تكمن أهمية الموازنة العامة في دورها كأداة رئيسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويشكل إعدادها رافداً أساسياً في الجهد التنموي وفي تلمّس احتياجات الدولة ومواطنيها.
وفي هذا السياق،رأى أن إقرار الموازنة العامة بحدّ ذاته ليس كافٍيا إذ يجب أن يترافق مع تقدّم مرجو على مسار الاصلاحات الهيكلية التي طال انتظارها من الاصلاحات الاقتصادية إلى المالية والإدارية منها، والتي من شأنها أن تعزّز النمو الاقتصادي وتحفّز كل من الإنتاجية والعجلة الاقتصادية وتحدّ بالتالي من الاختلالات القائمة على صعيد القطاع الخارجي والمالية العامة.



