أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

هل يقع لبنان في فراغيْن خطيريْن رئاسي وحكومي؟ (النهار 24 آب)

لا يزال الرئيس المكلّف تأليف الحكومة منذ بضعة أشهر يتعثّر في إنجاز مهمّته رغم الحاجة الى وجودها في مرحلة الانهيار الشامل الذي أصاب الدولة ومؤسساتها الدستورية والسياسية والاقتصادية والنقدية، والفقر المدقع والفقر المدقع الذي حل باللبنانيين من جرّاء انقساماتهم الطائفية والمذهبية، كما من جرّاء فساد منظوماتهم السياسية المتنوّعة التي كانت هي الأداة التنفيذية له، علماً بأن تعثره لم يُثر في البداية قلق أحد وغضب أحد ذلك أن اهتمام قادة الطوائف والمذاهب كان عدم التلهّي بتأليف حكومة ذات عمر قصير ينتهي بانتخاب رئيس جديد للجمهورية. وقد عبّروا عن ذلك أمام متابعيهم اللبنانيين. لكن الوعي حلّ عليهم دفعة واحدة عندما أدركوا الصعوبات الفائقة لتأليف حكومة تتولّى القيام بمهمات رئيس الجمهورية إذا ما تعذّر انتخاب بديل من الرئيس ميشال عون، كما عندما ازدادت شكوكهم في إمكان تلافي الفراغ الرئاسي في قصر بعبدا بعد عودة عون الى منزله في 31 تشرين الأول المقبل. لذا انطلق هؤلاء القادة في الضغط كلٌ في دائرة نفوذه من أجل تأليف حكومة تلافياً لفراغ مزدوج في القصر الرئاسي في بعبدا وفي السرايا الحكومية وسط العاصمة بيروت.

هل ينجح القادة المشار إليهم، بواسطة حكومة جديدة يوافق عليها رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف تأليفها وتنال ثقة مجلس النواب وإن خلال مدة قصيرة ورغم دخول البلاد المهلة الدستورية لانتخاب خلف لعون في قصر بعبدا مدّتها شهران بعد سبعة أيام. لا يزال عند بعض النافذين ولا سيما القانونيين منهم قرب رئيس الجمهورية بعض أمل في إزالة الخلافات بينه وبين الرئيس المكلّف. وهم يرجّحون ذلك باتصالات بين بعبدا والسرايا ويعطون كل الحجج للثاني كي يتجاوز الهجمات الحادة التي يستهدفه بها رئيس “التيار الوطني الحر” و”ولي عهد” الرئيس عون النائب جبران باسيل التي يرمي من ورائها الى ولادة حكومة له عملياً فيها وللرئيس نظرياً غالبية نوعية في الحقائب تجعله قادراً بواسطتها على ملء الفراغ الرئاسي والتصرّف كأنه الرئيس الفعلي، واستغلال ذلك للتربّع على سدة الرئاسة شخصياً وممارسة صلاحيتها إذا تعذّر ذلك عليه بواسطة رئيس يأخذ هو وبموافقته المواقع المسيحية الرئيسية في الدولة فيصبح الرئيس الفعلي للبلاد. لكن حركة هؤلاء الإيجابيين قرب عون، على قلّتهم، لن تسفر يوماً عن نتيجة إيجابية نهائية، إذ إن باسيل استطاع دائماً تعطيل الإيجابية الموسمية لعون على قلّة ممارستها في سرعة وقبل تحوّلها كرة ثلج يكبر حجمها بسرعة وتحقّق النتائج المرجوّة. لعل ما قاله الرئيس المكلّف قبل يومين مباشرة أو عبر مستشاره الإعلامي عن إرسال الرئيس الدكتور أنطوان شقير المسؤول الإداري الأول في قصر بعبدا إليه بعد 24 ساعة من اجتماع “واعد” بينهما لإبلاغه أن ما اتفقا عليه قبل يوم أو يومين ليس ماشياً، لعل ذلك يُثبت أن لا حلول ولا تسويات لأي خلاف داخل السلطات الدستورية وبينها ما دام باسيل الصهر ووليّ العهد قرب الرئيس عون.

في أي حال يقول قانونيون بارزون بعضهم لازم عون منذ تربّعه على سدّة الرئاسة ولا يزال، وبعضهم الآخر عتيق في القانون وخبير في مسالكه وغزير الثقافة القانونية هو النائب والوزير السابق حسن الرفاعي أطال الله عمره، إن على رئيس الدولة أن يغادر الرئاسة وقصرها فور انتهاء ولايته وذلك بحكم الدستور. يقولون أيضاً إن المتشدّقين بنظرية ضرورة استمرار المرفق العام عاملاً وتالياً بضرورة بقاء عون في قصر بعبدا يقودون البلاد الى الخراب النهائي، إذ يوقعونها في فراغين بالغي الخطورة هما عدم وجود رئيس وعدم وجود حكومة شرعية عاملة بثقة مجلس النواب. من شأن ذلك القضاء على الدولة نهائياً وفتح الباب أمام دويلات واقعية وأمام فوضى عارمة في ظل الفقر المسيطر وانعدام الأمن وغياب الإدارات على تنوّعها رغم استمرار المؤسسات العسكرية والأمنية. ذلك أن الأخيرة لا تستطيع أن تحل مكان الدولة لأنها بدورها موزّعة على الطوائف والمذاهب، ولأن أي مبادرة مستقلة منها لتصحيح الأوضاع لا بد أن تضرب وحدتها حتماً. بسبب وضع كهذا لا يعود ممكناً ترتيب وضع لبنان إلا بتدخل خارجي متنوّع إقليمي ودولي، علماً بأن أحداً لا يعرف لمصلحة من سيكون هذا الترتيب في ظل تعدّد شعوبه وتناقضها.

يرجّح بعض هؤلاء القانونيين لا بل يؤكدون أن عون لن يبقى دقيقة واحدة في قصر بعبدا بعد انتهاء الولاية. ويرجّح بعضهم الآخر المعادي له نجاح باسيل في إقناعه بالبقاء بذريعة ضرورة استمرار المرفق العام. والبقاء في رأي متابعين بدقة أوضاع لبنان وتدخلات الخارج فيه سيجعل من الرئيس عون “خارجاً عن القانون” ومستولياً على السلطة فيُبعد عنه غالبية السياسيين. والبقاء يعني أيضاً تعرّضه لعقوبات دولية وربما غير دولية مع عائلته. وهو في غنىً عن ذلك بعد اختبار الأثر السلبي الكبير لعقوبات كهذه فُرضت على صهره الأقرب إليه باسيل.

هل من وسيلة تجنّب لبنان الفراغ المخيف ولا سيما في حال سوء استخدام الدستور والقوانين؟ قانوني بارز مهم تهمّه مصلحة الرئيس عون وفي الوقت نفسه مصلحة لبنان بخلاف كثيرين من العاملين مع الأخير، يقول إن على الرئيس المكلّف ميقاتي أن يؤلّف حكومة في سرعة بالتفاهم مع الرئيس رغم صعوبة وضع الأخير وتأثير باسيل عليه، إن كان يريد تلافي الفراغ حرصاً على مصلحة الوطن. ذلك أن حكومته الحالية المستقيلة والمصرّفة للأعمال لا تستطيع أن تمارس صلاحيات الرئاسة الأولى في حال فراغ سدّتها، ولا تستطيع أن تصدر مراسيم ولا أن تمارس صلاحياتها، بينما حكومة رسمية جديدة حاصلة على ثقة مجلس النواب تستطيع القيام بهذه المهمة رغم الصعوبات الكثيرة التي لا بد أن تعترضها. وحكومة الرئيس تمام سلام التي مارست الصلاحيات الرئاسية بحكمة وجدارة لمدة سنتين ونصف بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان خير دليل على ذلك.

بواسطة
سركيس نعوم
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى