السيرة الذاتية الاقتصادية ومعدّل مؤشراتها الرئاسية (النهار 3 آب)

يبرز “الخبير الاقتصادي” إلى جانب “المرشّح السياسي” و”الرجل الأمني” كاحتمالات في إطار مقترحات عامة منبثقة من نواب وأقطاب للمواصفات الملائمة للمرحلة الرئاسية. وقد بدأت المجالس تتداول في بعض الأسماء المترعرعة في حقل الاقتصاد والعاملة في مؤسّسات مالية، وضمّها إلى مراتب أمامية كنماذج منافسة للوصول إلى قصر بعبدا.
وفي المقابل، لا ترى تكتلات نيابية جدوى عملية في الانطلاق من معيار وظيفي في بناء معالم رئيس الجمهورية المقبل باعتبار أن الإشكالية سياسية في البلاد. وفي رأيها، ليس هناك ما يسمى بالرئيس السياسي أو الأمني أو الاقتصادي، بقدر ما ترتبط المسألة بأولوية المشروع السياسي الذي يشمل تحت عباءته الجوانب كافة على تنوّع انتماءات المرشحين المهنية. وإلى ذلك، يستند تقويم نواب للمشروع الذي يجب أن يتبناه أي رئيس، إلى مضمون مقاربة أعضاء مجلس الأمن الدولي تجاه خريطة الحلّ لبنانياً، التي تتضمن بنوداً سياسية – اقتصادية. وتشمل البنود التنفيذ العاجل للإصلاحات المحدّدة، اتخاذ الاجراءات المطلوبة للتوصل الى اتفاق سريع مع صندوق النقد الدولي، التأكيد على ضرورة الانتهاء من إجراء تحقيق مستقل ونزيه في انفجار مرفأ بيروت، ودعم استقرار لبنان وسيادته واستقلاله بما يتّفق مع القرارات الدولية.
لا يزال من المبكر حسم السباق الرئاسي بين “العَلم السياسي” و”البذّة العسكرية” و”الحاسوب الاقتصادي”. ويُعتبر رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد #جنبلاط من الذين يقرأون أن المرحلة الرئاسية تتطلب إسماً يعمل على معالجة الوضع الاقتصادي. ولا يخفى على مواكبين لمسوّدة المؤشرات الرئاسية التي ينطلق منها جنبلاط تحبيذه التركيز على المعطى الاقتصادي وامكان تبني احتمال التحضير لدعم وصول شخصية تتمتع بالكفاية الاقتصادية المطلوبة والخبرة المؤسّساتية للنهوض بالقطاعات. ويترجم ذلك في تحقيق الاصلاحات والاتفاق مع صندوق النقد. لكن، لا تعني مقاربته تركيز خياراته على خبراء اقتصاديين للرئاسة أو حصرها بها، بل الانطلاق من مواصفات تحترم الدستور اللبناني وتساهم في الانقاذ على تنوّع الاختصاص العلمي. ولا تتضمّن ورقة المسوّدة الجنبلاطية أسماء مقترحة للرئاسة الأولى حتى اللحظة بحسب معطيات “النهار”، بل تنطلق من تدوين مؤهلات متخذة في غالبيتها بعداً بخوذة ورشة اقتصادية. وهناك من يتوقف عند مقابلته التلفزيونية الحديثة، التي تخللها إجابات ذات طابع اقتصادي بمجملها. وينفي مقرّبون ما تداوله بعض الاعلام عن إطلاقه صافرة المعطى الرئاسي، وهو لم يحدد حتى الساعة نظرته التفصيلية لموضوع الرئاسة ويترقب البرامج والترشيحات في قابل الأسابيع.
وعن مؤشرات وصول رئيس بسيرة ذاتية اقتصادية، ترى مقاربة مصادر بارزة في “#القوات اللبنانية” أن المطلوب رئيس يطبق القوانين والاصلاحات المطلوبة والذهاب إلى مفاوضات جدية مع صندوق النقد، لكن هذه المعطيات جميعها ترتبط أساساً بالسياسة، لأن بيت القصيد يتمثل في تطبيق الخطة الاقتصادية وليس في وضعها. وتعاني البلاد اشكالية ذات طبيعة سياسية، في وقت يحول الوضع السياسي وغياب الاستقرار دون تطبيق المشروع الاقتصادي. ويبقى الأساس في حلّ الاشكاليات السياسية الوطنية الكبرى التي من شأنها أن تشكّل انطلاقة للحلّ الاقتصادي. وكانت بُنيت فلسفة اختيار وزراء اختصاصيين على عدم ارتباطها بقوى سياسية تديرها، لكن العكس حصل في غياب معيار الاستقلالية عن غالبيتهم على امتداد الحكومات الحديثة. ويبنى العنوان الرئاسي العريض في مقاربة “القوات” على أساس انتخاب رئيس خارج قوى 8 آذار ولا ينتمي إلى عقيدة مشروع “حزب الله”. وكذلك، المطلوب انتخاب رئيس لا يخضع للترهيب الممارس في ظلّ هيمنة السلاح. وتؤكد نظرة “القوات” أهمية وصول شخص يحكم من وحي الكتاب (الدستور) على تنوع خلفيته المهنية (سياسية أو اقتصادية أو أمنية). وتعرف المؤسسات اللبنانية نماذج يقتدى بتجربتها على تنوع القطاعات، كأمثلة (دون التلميح لترشيحها)، كطارق البيطار “القاضي” وجان العلية “الإداري” وجوزف عون “الأمني”.
تاريخياً، يتبادر تلقائياً إلى الأذهان إسم الرئيس الياس سركيس كإبن المؤسسات اللبنانية في الرجوع إلى الشخصيات الرئاسية الآتية من عالم الأرقام. وقد تركت ولايته أثراً طيباً بعدما استطاع منع تشتيت المؤسسات إلى حدّ كبير باعتباره التحدي الذي واجهه مع بداية الحرب. وكان لديه مشروعه السياسي. ولا يختلف معاصرو حقبته على إنجازٍ حققه أيضاً في حفاظه على سعر صرف الليرة. وبذل جهداً واضحاً للمساهمة في منع تفاقم الأزمة الاقتصادية. ولا يغيب جانب الصداقة مع العرب في مؤهلات الرئيس سركيس، الذي كان يؤمن بضرورة قوة العلاقة اللبنانية – العربية، للبنان البلد العربي والعضو في جامعة الدول العربية. ورئاسياً، لم يقبل التمديد منعاً لخلخلة الدستور، على الرغم من التشجيع الذي تلقاه في انتظار التوافق على مجيء رئيس بمؤهلات مطلوبة. ويختصر التوصيف الذي سرده الرئيس شفيق الوزان في إحدى مقابلاته شخص الرئيس سركيس، في قوله إنه “بذل كلّ ما استطاع، وعندما حان موعد تسليم المسؤوليات، لعلّه ارتاح أن ينزل الحمل عنه، ولكنه بقي كمواطن وكرجل يعمل في الشأن العام ويحمل همّ الوطن. ومن المؤسف أن يكون هذا العمل قد أثّر في نفسه وفي صحته التي تدهورت نتيجة ما تحمله. فهو من النوع الذي يكبت مشاعر الأسى ويتمتع بالقدرة على التحمل بصمت لا يتحمله آخرون. وإذا سألتم بأي مرض توفي الياس سركيس؟ لقد مات من تلف الاعصاب التي حملت فوق طاقتها”.


