أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

عروض عالمية لتأمين الكهرباء 24/24 والمطلوب واحد: معمل سلعاتا… أو العتمة الشاملة للبنانيين! (النهار 30 أيار)

بعد أكثر من 30 عاما على انتهاء الحرب الاهلية، لا تزال معضلة الكهرباء التي كان ينعم بها اللبنانيون على مدار الساعة عصيّة على الحل، وذلك على رغم العروض التي تقدمها الشركات العالمية لبناء معامل كهرباء وتأمين التيار 24/24. وما بات مؤكدا هو ان كل هذه المشاريع لن تمر ولن ينعم اللبنانيون بالكهرباء وسيستمر القطاع في استنزاف خزينة الدولة، ما لم تتم الموافقة على انشاء معمل سلعاتا الذي أُسقِط أخيرا من خطة الكهرباء التي وافقت عليها الحكومة في نيسان الماضي، بعدما كان قد طُرح في الحكومات التي ترأسها سعد الحريري ثم حسان دياب وصولاً إلى نجيب ميقاتي.

آخر هذه العروض تلك المقدمة من شركتَي “جنرال الكتريك” و”سيمنز” لتزويد معملَي دير عمار والزهراني ألف ميغاواط من الطاقة المولَّدة بواسطة الغاز الذي ستؤمّنه الشركتان، وبسعر مقبول مقارنة بالأسعار العالمية، بَيد ان وزير الطاقة في حكومة تصريف الاعمال وليد فياض سحب العرضين من جدول أعمال آخر جلسة للحكومة وذلك على رغم نفيه، مؤكدا أنه “طلب التريّث قبل وضع بندَي الطاقة على جدول أعمال مجلس الوزراء”.

وقد اتخذ السجال الاعلامي بين رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي و”التيار الوطني الحر” من خلال الوزير فياض بُعداً وصل الى حد الاتهامات المتبادلة. رئيس الحكومة يتهم “التيار العوني” بعرقلة خطة الكهرباء وسحب مشاريعها من جدول الاعمال، فيما يتهم الفريق العوني الرئيس ميقاتي بانه يريد التعاقد بالتراضي مع شركة محددة (تحالف “سيمنز” مع شركة صينية)، ويلمّح الى عمولات وسمسرات.

ولم تكن البيانات المتبادلة والتصريحات والحوارات التلفزيونية كافية لتظهير الصورة واضحة للرأي العام اللبناني، فلا فريق رئيس الحكومة أوضح للناس كيف يعطل “التيار العوني” المناقصات وخطط الكهرباء، ولا الوزير فياض اقنع الناس بأن “طبعه المتسرع” هو وراء عرض المشاريع ثم سحبها بعد ايام لمزيد من الدراسة والتأني.

مصدر مواكب لملف الكهرباء أوضح لـ”النهار” بالوقائع والمستندات ما سمّاه مجريات “تعطيل الفريق العوني” لخطط رئيس الحكومة في تسريع الحصول على طاقة مستدامة بأسرع وقت ممكن. ويشرح أن قرار مجلس الوزراء رقم 15 تاريخ 6/4/2022 الذي نصّ على تفويض وزير الطاقة التفاوض مباشرة مع شركات وصولاً الى اختيار العرض الأفضل وعرضه على مجلس الوزراء للموافقة عليه، تعرّض لحملة اعلامية قوية باعتباره يمنح الوزير من الصلاحيات ما ليس له ويجيز له التفاوض مع الشركات واختيار الافضل منها في أبشع صور الاتفاقات الرضائية، لا بل اعتبر القرار اجازة للوزير بمخالفة كل الاصول القانونية والهروب من ادارة المناقصات والتصرف على هواه.

إثر موجة الاعتراضات على القرار لتَعارضه مع قانون المحاسبة العمومية وقانون الشراء العام الذي يبدأ نفاذه في 29/7/2022، استدعى رئيس الحكومة كلاً من وزير الطاقة والمدير العام لإدارة المناقصات جان العليّة، واكد وجوب اجراء مناقصة عمومية مفتوحة تشترك فيها كل الشركات الراغبة في الاشتراك بالمناقصة ويربح مَن يقدّم العرض الأفضل أيا يكن. وحرص رئيس الحكومة على تعديل القرار الرقم 15 ليكون واضحا لهذه الجهة. وبالفعل صدر عن مجلس الوزراء بتاريخ 14/4/2022 القرار الرقم 30 الذي عدَّل القرار 15 معتبراً في المادة الاولى منه ان المحادثات التي يجريها وزير الطاقة مع كبار المصنّعين هي تمهيدية لاطلاق المناقصة العمومية عبر ادارة المناقصات وفقاً للاصول بناء على دفتر شروط تضعه وزارة الطاقة وتعرضه على ادارة المناقصات.

وبغية الاسراع في اجراء المناقصة تقدم وزير الطاقة من الامانة العامة لمجلس الوزراء بالكتاب الرقم 3244/و تاريخ 5/5/2022 عارضاً مشروع عقد اتفاق بالتراضي مع “مؤسسة كهرباء فرنسا” EDF لإعداد دفتر الشروط وملفات التلزيم لإنشاء معملين جديدين لانتاج الطاقة الكهربائية في الزهراني ودير عمار. يتضح جيدا في نص الكتاب (ص2/4 منه) أنه صيغ بهدوء وليس على عجل كما زعم الوزير فياض لاحقاً، وهو يتحدث عن محادثات مثمرة جرت بين “كهرباء فرنسا” ووزارة الطاقة اسفرت عن عرض معدّل معقول ومقبول هو مليون و650 ألف يورو تقريبا في مقابل إعداد دفاتر الشروط لمعملي دير عمار والزهراني. هنا يستغرب المصدر المتابع للملف ان يكون الفريق العوني الذي يمسك بزمام وزارة الطاقة منذ سنوات، ويتحدث عن خطط ومشاريع أعدها، لا يملك بين يديه ولو مسودة دفتر شروط لاجراء مناقصة بناء المعامل التي يتهم الآخرين بتفشيلها.

لكن المصدر عينه يعتبر أن “الوزير فياض الذي لم يتسرع في إعداد كتابه الاول الى الامانة العامة لمجلس الوزراء بتاريخ 5/5/2022، يبدو أنه تسرّع في ارساله من دون استشارة وزير الطاقة الاصيل، فعاد وبناء على رغبة الاخير وارسل الى الامانة العامة لمجلس الوزراء بتاريخ 17/5/2022 الكتاب الرقم 3571/و، وطلب بموجبه سحب مشروع التعاقد مع EDF لوضع دفتر شروط عن جدول الاعمال، مناقضا كليا مضمون كتابه السابق لناحية عدم عدالة عرض “مؤسسة كهرباء فرنسا”، متذرعا بالظروف الاقتصادية الراهنة، ما يعني، برأي المصدر، “ان الوزير فياض المكلف شؤون وزارة الطاقة تراجع عن اجراء المناقصة وعن مستلزمات قرار مجلس الوزراء رقم 30 تاريخ 14/4/”، فيما السبب الحقيقي هو ان النائب باسيل “يريد سلعاتا اولا ولا يريد مناقصات عند جان العلية، كما يقول، اي ضمن الاطر القانونية وفي ادارة المناقصات، ويصر على المناقصات في مكتب وزير الطاقة وان تجري تغطيتها بقرار من مجلس الوزراء كما كان يحصل سابقا، وخصوصا في صفقة بواخر العرض الوحيد 2012″.
ويضيف المصدر لـ”النهار” ان الامر عينه حصل في موضوع اطلاق مناقصة الغاز الطبيعي المسيّل لمعمل الزهراني (استخدام محطة عائمة لتغويز الغاز الطبيعي في الزهراني عملاً بموجبات الخطة الوطنية للنهوض المستدام في قطاع الكهرباء، والتي كان مجلس الوزراء قد اقرها بموجب قراره رقم 8 تاريخ 16-03-2022). فالوزير طلب عرضها على جدول الاعمال بموجب كتابه رقم 3571/و تاريخ 17/5/2022، مطالباً بسحبها من جدول الاعمال، متذرعاً بالحرب الاوكرانية والمستجدات المحلية والعالمية التي باتت تجعل ما كان ضروريا وملحّا في 4/5/2022 غير فعال وذي فائدة في 17/5/2022. اللافت ان الوزير تذرع في كتاب سحب موضوع المناقصة من جدول الاعمال بالاحداث الجيوسياسية التي ضربت اوروبا، وطلب التأجيل الى حين اجراء دراسة جدوى سريعة، كما ورد في كتابه.

ويختم المصدر بالقول: “هذه عيّنة من كيفية تعاطي التيار العوني بالشأن العام عموما وبمرفق الطاقة خصوصا، والذي يفشِّل دائما الخطط وهو ليس بحاجة ابدا الى مَن يفشله حتى باتت أقرب طريق الى تنفيذ خطط الكهرباء في لبنان هي إبعاد هذا التيار عن وزارة الطاقة”.

المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى