خبراء “الصندوق” يعودون إلى بيروت والمفاوضات بطيئة… ترجيح ترحيل الموازنة (النهار 21 آذار)

كتب موريس متى في “النهار”:
في 10 شباط الفائت، أقرت الحكومة مشروع موازنة العام 2022 بعجز يصل إلى 7 آلاف مليار ليرة لبنانية ومجموع واردات يقارب 39 ألف مليار ونفقات تناهز الـ47 ألف مليار، وتمت إحالة المشروع على مجلس النواب لمناقشته في مسعى لإقرارها “المؤجل” حتى الساعة بانتظار الانتهاء من دراستها في اللجان.
كل المؤشرات تؤكد ان موازنة العام 2022 لن تُقر قبل الانتخابات النيابية، إذ ليس من مصلحة أحد من النواب الحاليين والمرشحين الى الإنتخابات ومن خلفهم أطراف وأحزاب سياسية التصويت على موازنة تحمّل المواطن المزيد من الاعباء المالية والضريبية، وزيادة الدولار الجمركي وتعديل سعر الصرف وتبعاته، اضافة الى الاجراءات الاجتماعية الخجولة وغيرها. طبعا، إقرار موازنة تقشفية بإجراءات إصلاحية تساهم في إعادة وضع المسار المالي على السكة الصحيحة، شرط اساسي يفرضه صندوق النقد الدولي للسير قدماً في المفاوضات مع السلطات اللبنانية حول برنامج تمويل “إنقاذي”. ويصل الى بيروت في الايام المقبلة وفد من خبراء الصندوق لاستئناف المحادثات الحضورية مع الجانب اللبناني، فيما يؤكد الصندوق إستمرار العمل على صوغ برنامج إصلاحي يمكن أن يتصدى للتحديات المالية والاقتصادية الشديدة التي يواجهها لبنان. كما يؤكد الصندوق أن المناقشات مع السلطات اللبنانية تتقدم بشكل جيد، ولكن هناك حاجة إلى عمل مكثف في الفترة المقبلة فيما تحديات لبنان عميقة ومعقدة وتتطلب وقتا والتزاما.
بالعودة الى مسار إقرار موازنة 2022، تستمر لجنة المال برئاسة النائب إبرهيم كنعان في درس مشروع قانون الموازنة العامة والموازنات الملحقة للعام 2022. وفي جلستها الاخيرة أنهت اللجنة مناقشة موازنات وزارات الإقتصاد والإتصالات والأشغال، وأصدرت توصيات وأحالت الثغرات في الإعتمادات الى جلسة ختامية تعقدها الأسبوع المقبل، ما يبشّر بقرب إنتهاء اللجنة من درس مشروع الموازنة.
معلوم أن موازنة الدولة تشمل عادةً كل نفقاتها ومداخيلها عن سنة مالية كاملة تبدأ من أول كانون الثاني وتنتهي في 31 كانون الأول من السنة نفسها. لذلك يتوجب على الحكومة وفقاً لأحكام الدستور، أن تقدم الى مجلس النواب، كل سنة في بدء عقد تشرين الأول، موازنة شاملة لنفقات الدولة ومداخيلها عن السنة المقبلة لدرسها وإقرارها بقانون، هذا من حيث المبدأ، أما من حيث الممارسة، فلم يتم لغاية اليوم إقرار موازنة 2022 رغم تخطي المهل الدستورية المحددة، كما لم يتم سابقاً إقرار موازنة 2021 لأن مجلس النواب فضّل إقرار القانون الرقم 2013 الذي أجاز خلافاً لأحكام الدستور الصرف على القاعدة الإثني عشرية.
وهنا تؤكد المحامية والأستاذة في القانون العام الدكتورة ماريا القاموع أن المادة 86 من الدستور أتت واضحة في هذا الشأن بإجازتها الصرف وفقاً للقاعدة المذكورة لشهرٍ واحد فقط، أي شهر كانون الثاني لا أكثر، وكل ذلك بحجة أنه ليس من صلاحية حكومة تصريف الأعمال حينذاك إقرار موازنة البلاد، غير أن هذا الرأي لا يتناسب مع اجتهادات مجلس شورى الدولة ومع مفهوم إستمرارية الدولة ومرافقها العامة! (مجلس شورى الدولة، قرار رقم 614 تاريخ 17/12/1969، مجلس شورى الدولة، قرار رقم 575 تاريخ31/5/2007). وتشير القاموع الى أن الحالة الراهنة “تعيدنا إلى تجارب مؤلمة سابقة، خصوصا تلك الممتدة من عام 2005 حتى عام 2017، والتي تميزت بعدم إقرار الموازنات والصرف على القاعدة الإثني عشرية خلافاً لأحكام الدستور، ناهيك عن إقرار ونشر موازنة 2017 من دون قطع حساب للأعوام السابقة.
واليوم تتكرر التجربة، ذلك لأن الموازنة الأخيرة أي موازنة 2020 اقرت ونشرت من دون قطع حساب خلافاً للمادة 87 من الدستور، بعدما دعيت الحكومة السابقة برئاسة حسان دياب إلى تبني مضمون موازنة 2020 المعدة والمرسلة من الحكومة السابقة برئاسة سعد الحريري وذلك قبل نيلها الثقة من المجلس النيابي.
كما أنها أعدّت على أساس سعر صرف للدولار يبلغ 1507.5 ليرات، من دون أن ننسى التحويلات إلى مؤسسة الكهرباء والتي كانت تُصرف من خارج النفقات النظامية في الموازنة. ولغاية اليوم لم يتّضح بعد رغم الإنهيار الإقتصادي الكامل، كيف ستتعامل وزارة المال مع أرقام الناتج المحلي الإجمالي ومع أرقام الدين العام وخدمته، وأي سعر صرف سيعتمد للأجور والرواتب في ظل غياب تام لسعر صرف موحد، وماذا عن الإيرادات، خصوصاً إيرادات الجمارك، والضرائب كالضريبة على القيمة المضافة. فلماذا يستمر التأجيل بإقرار موازنة 2022 التي يجب أن تتضمن ﺁلية إقتصادية واضحة لتوحيد سعر الصرف، اضافة إلى خطة تعافٍ إقتصادية تشمل رؤية مستقبلية هادفة؟ اليوم وفي ظل الأزمة الإقتصادية الراهنة، أصبح من الضروري إقرار موازنة تحد من الهدر والصرف العشوائي في وقتٍ يطالب المجتمع الدولي لبنان بإصلاحات ضرورية كشرط أساسي للمساعدات، وأول الإصلاحات، بحسب القاموع، يبدأ بشفافية الأرقام المالية، خصوصا تلك الواردة في موازنة الدولة، من دون اللجوء إلى فتح اعتمادات إضافية وإحداث نفقات جديدة كما درجت العادة. وهذه الممارسات، إلى كونها غير دستورية، تدل بشكلٍ واضح على استمرار التعاطي بخفة وبعدم مسؤولية بالقضايا اللبنانية الأساسية واستمرار هدر الأموال على حساب الخزينة العامة.



