أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

فضيحة الجامعات المخالفة ووثائقها المصدّقة رسمياً… تشريع التزوير! (النهار 24 تشرين الثاني)

عشرات آلاف الشهادات مُنحت لغير مستحقيها بين لبنان والعراق

كتب إبراهيم حيدر في” النهار”:

فضيحة شهادات الماجستير والدكتوراه الممنوحة رسمياً من جامعات لبنانية لطلاب عراقيين لم تتحول قضية رأي عام في لبنان يضغط لمكافحة الفساد والمحاسبة واعادة النظر بنظام التعليم العالي الذي فرّخ الكثير من مؤسسات لا تستوفي المعايير الاكاديمية.

هذه الفضيحة التي يمكن وصفها بـ”الفلتان” في قطاع التعليم العالي وتحديداً في عدد من الجامعات المخالفة المستقوية بالترخيص الطائفي والتحاصص المذهبي، لم تحرّك المعنيين في لبنان، وإن كان وزير التربية والتعليم العالي عباس الحلبي قد شكل لجنة للتحقيق في ملابسات الفضيحة، وهي ليست مشكلة بيع أو تزوير مباشر للشهادات بل مخالفة المعايير والشروط التي تُمنح على أساسها، إلا أنها لا تتصدى للأزمة الأصل المتعلقة بالتراخيص الممنوحة لجامعات مرتكبة يحميها الحكام وتغطيها الطوائف مع النافذين والاحزاب.

كما في كل فضيحة يجري تغطية المرتكبين، ولا يُسلط الضوء على المشكلة الأساس والانطلاق منها. النظام اللبناني وسلطات الوصاية والمعنيين بالترخيص لملموا الفضيحة، لا بل تضاعفت الضغوط لحماية الجامعات التجارية وأيضاً الطفيلية التي نشأت بمحاصصة طائفية ومذهبية وتوازنات وتغطيات سياسية. هذا النظام الجامعي الذي تسلّق على حساب المعايير الاكاديمية والجودة وضد الجامعات التاريخية والعريقة، الذي منح عشرات آلاف الشهادات بصفة رسمية ومصدّق عليها، لكنه نظام يشرّع التزوير والفساد بطريقة رسمية.

ظهرت الفضيحة من العراق الذي اتخذ إجراءات من دون أن تصل إلى مستوى عدم الاعتراف بالجامعات أو سحب الشهادات، ذلك أن نظام الفساد مترابط ومتشابك بين مافيات في االبلدين، وفق مصادر متابعة للتعليم العالي، لكن لبنان الذي صدّر الشهادات لم يحرك ساكناً، وعلى مستوى الفضيحة، لا بمحاسبة الجامعات ولا بالمبادرة الى تصحيح الخلل الذي يحتاج إلى أكثر من إنذارات أو إقفال فرع جامعي هنا أو تغيير رئيس جامعة، بل بالتصدي لأصل المشكلة، بنظام التراخيص التي كانت تمنح كنسخة عن صورة المحاصصة والفساد في البلد، والذي أدى في نهاية المطاف إلى الانهيار.

اكتشفت وزارة التعليم العراقية الفضيحة، بسبب العدد الهائل للطلاب الذين نالوا شهادات دكتوراه وماجستير وأيضاً المتخرجين بدرجة الإجازة. جرى الحديث بداية عن نحو 18 الف طالب عراقي ثم ارتفع العدد بعد التدقيق إلى 24 الفاً، واستقر على 27 ألف شهادة. هؤلاء لم يحصلوا على شهاداتهم في سنة واحدة. جرى تسليط الضوء على ثلاث جامعات متورطة تعتبر الاكثر جذباً للطلاب العراقيين، هي الجامعة الإسلامية والجامعة الحديثة وجامعة الجنان، لكن الامر يتخطى ذلك. تقول مصادر تربوية لـ”النهار” أن أعداد العراقيين الذين منحوا شهادات هم أكثر بكثير من المتداول. تتحدث عن عشرات الآلاف من الذين تخرجوا عبر الأونلاين مع حضور متقطع، حيث تولى سماسرة تسجيل الطلاب عبر شبكات وترتيب مصادقة الشهادات، وحتى تأمين المنازل واستئجارها للذين يأتون الى لبنان لقاء مبالغ مالية مدفوعة بالدولار النقدي، وكذلك تسوية أوضاعهم لدى الجهات الامنية. ورغم ذلك المشكلة لا تقتصر على الجامعات الثلاث المعنية، إذ أن الفلتان والمخالفات والتزوير يرتبط بكثير من مؤسسات التعليم العالي التي نشأت عبر التحاصص السياسي والطائفي ولا يتعلق أيضاً بالطلاب العراقيين وحدهم، إنما بطلاب من حنسيات مختلفة ومن بينهم لبنانيون نالوا شهادات بالطريقة نفسها ووفّرتها جامعات لا تستوفي المعايير والشروط الاكاديمية اللازمة خصوصاً في مرحلتي الماستر والدكتوراه، وتتمتع بحماية سياسية وطائفية.

تمنح جامعة شهادات دكتوراه وماجستير وتخرج طلاباً بالمئات سنوياً، يحصلون على وثائقهم مصدّقة ومعترف بها في لبنان، لكنها في الحقيقة لا تستوفي الحد الادنى من المعايير والجودة، لنكتشف أنه كلما ارتفع السعر والدفع بالدولار النقدي يتمكن الطالب من الحصول على شهادته من دون حضور، وليتكرس الفساد في التعليم العالي ويضر بالقطاع وبموقع الجامعات التاريخية والعريقة التي علّمت وخرجّت على مدى التاريخ اللبناني عدداً كبيراً من الجامعيين في دول المنطقة تفوقوا وتسلموا مسؤوليات في بلدانهم.

المسألة وفق المصادرالتربوية لا ترتبط مباشرة بتزوير أو بيع شهادات جامعية، لكن هناك تلاعب بالسجلات عبر موظفين في الجامعات أو الشبكات الوسيطة. لكن الجامعة التي تمنح شهادة من هذا النوع حيث يتم مناقشة 1000 رسالة سنوياً فيها، كما يتبين في إحدى الجامعات الثلاث المتورطة هو خرق للمعايير، فكيف بعشرات الجامعات المخالفة و”المزورة شرعياً” بغطاء حزبي وطائفي، وهي خارج اي محاسبة. توضح المصادر أن وزارة التربية لم تقفل أي فرع جامعي واحد غير مرخص. مجلس التعليم العالي كان غائباً طوال السنوات الثلاث الماضية. تعطّل عمله فيما اللجان الفنية لم تقم بمهماتها في متابعة أعمال الجامعات. القرار الوحيد الذي اتخذه المجلس كان في جلسة عقدها في 12 تشرين الثاني عام 2020 وطرح فيه تسوية اوضاع الطلاب في الجامعات المخالفة. لكنه شمل كل الجامعات وساوى بين جامعات مخالفة ومرتكبة وجامعات تاريخية كانت تقدمت بالترخيص لاختصاصات منذ عام 2016، علماً أن المخالفات لا تقتصر على الفروع الجغرافية انما في جامعات مرخصة تغيب فيها المعايير وتخرج طلاباً بالجملة.

بالنسبة إلى المصادر، المخالفات هنا بمثابة تزوير. تسجل الجامعة أعداداً كبيرة من الطلاب في درجة الماستر والدكتوراه، والمصادفة كانت انهم من العراقيين أخيراً الذين يسددون أقساطهم بالدولار. يتبين أن كل أستاذ يدرّس في مادة واحدة أكثر من 150 طالباً. والامر نفسه ينسحب على طلاب الإجازة. يتخرج هؤلاء في النهاية ويحملون شهادة دكتوراه بلا تحصيل أكاديمي حقيقي، وهنا الكارثة الكبرى. جامعات أخرى اكتشف قبل سنوات أن بعض فروعها يزور شهادات ويبيعها، ولم تقفل جامعة واحدة بل استعادت نشاطها بقوة خلال السنتين الماضيتين. جامعات مخالفة أخرى مثلاً تمنح شهادات ليس باسمها كوسيط لمؤسسات في الخارج بلا تحصيل علمي فعلي. والحصيلة عشرات آلاف الشهادات بلا قيمة أكاديمية.

كانت لجنة الاعتراف بالدراسات ومعادلة الشهادات في وزارة التربية قد أصدرت تعميماً في 14 تشرين الثاني 2020 موجه للجامعات الخاصة، حددت فيه الشروط الواجب اعتمادها لمناقشة رسائل الدكتوراه والماجستير، ورفعته إلى وزير التربية السابق طارق المجذوب. لكن التعميم لم يؤخذ به، واستمرت مناقشة الرسائل عبر الأونلاين من دون موافقات مسبقة وتدقيق، ومنها رسائل كانت تُناقش في مطاعم وفنادق لغير الجامعات الثلاث التي جرى تسليط الضوء عليها.

رخّص نظام الفساد اللبناني بالجملة، جامعات للطوائف والمذاهب والحكام والنافذين. ولأن التغطية موجودة، تصرّفت هذه المؤسسات وكأنها خارج المحاسبة والتدقيق والمساءلة.
وعندما نعرف أن الفضيحة الاخيرة لا تعني فقط الجامعات التي سجلت آلاف الطلاب العراقيين، بل مؤسسات أخرى احترفت التحايل على القانون، سنكتشف أن هناك أكثر بكثير من 20 ألف شهادة أو 30 أو 50 ألفاً غير مستوفية الشروط، إن كان في نوع ومستوى حاملها في الاختصاص ومن اي جامعة تسلمها، فيما التزوير الفساد والمخالفات تظهر في جامعات كثيرة تؤدي وظائف غير أكاديمية وغير علمية في المقام الأخير.

يبدو أن الفضيحة ستقفل بضغط من نظام حماية المخالفات والفساد وستنتهي تداعياتها في لبنان، كما حدث في مراحل سابقة، كان التزوير فيها محدداً ببيع شهادات. هنا الامر مختلف، الشهادات تُمنح لغير مستحقيها ويصادق عليها رسمياً، وحتى الإجازة تُمنح من جامعات تجارية تستقوي بالتراخيص الممنوحة لها، بلا تدقيق، وعددها يتخطى بعشرات الآلاف، الماجستير والدكتوراه، قسم كبير منهم يحملون شهادات في اختصاصات لا يفقهون مضمونها.
صعوبة التصدي للمشكلة في لبنان تكمن في أن التراخيص لم تُمنح فقط لجامعات بل في تأسيس نظام جامعي للحكام والطوائف منذ سنوات ما بعد الحرب على هامش تلك التاريخية والعريقة. وها نحن نشهد بعد الانهيارات المتتالية، الانهيار الأكبر والحقيقي بسقوط النظام التربوي اللبناني.

بواسطة
إبراهيم حيدر
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى