الأسباب التراكمية للتصلّب السعودي حيال لبنان (النهار 6 تشرين الثاني)

كتبت رندة تقي الدين في ” النهار”:
يمضي الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في المثابرة والإصرار على محاولاته لاقناع القيادة السعودية بالمساعدة والتدخل لدعم لبنان. والواقع ان فرنسا تضطلع بهذا الدور منذ عهود الرؤساء السابقين، من الرئيس الراحل فرنسوا ميتران الى الرئيس الراحل جاك شيراك ثم الى الرئيس السابق فرنسوا هولاند والآن الرئيس ماكرون، جميعهم عملوا مع السعودية على الملف اللبناني.
واما التصلب السعودي الحالي فمرده الى ان القيادة السعودية ترى ان رئاسة لبنان الشرعية ورئيس الظل جبران باسيل صهر الرئيس ميشال عون هما جزء من منظومة “حزب الله” وايران. فكيف تدعم المملكة بلدا يدافع رئيسه في اطلالته الأولى على شبكة “اوربت” في بداية عهده عن سلاح “حزب الله”، وهو سلاح يُستخدم في اليمن لمساندة الحوثيين ودعمهم وتدريبهم لارسال الصواريخ التي تستهدف الأراضي السعودية؟ وكيف تساعد الرياض بلدا الرئيس الفعلي فيه جبران باسيل لا يعبّر عن تضامن لبنان مع السعودية عندما حصل هجوم على سفارتها في طهران، ووزير خارجية آخر ينعت السعوديين بـ”البدو”؟!
واقع الحال انه منذ العام 2014 وفي نهاية عهد الرئيس ميشال سليمان، كان هناك تحفظ سعودي عن اختيار عون رئيسا للبنان. ففي نهاية عهد الرئيس سليمان كانت الاستعدادات جارية لخلافته، وعقد رئيس الحكومة السابق سعد الحريري ومدير مكتبه نادر الحريري ومستشاره غطاس خوري اجتماعا في باريس مع العماد ميشال عون للمصالحة ولم يكن جبران باسيل حاضرا. ولم يحصل خلال هذا الاجتماع أي اتفاق على الرئاسة بل كان فقط بمثابة كسر للجليد الكثيف المتراكم من المرحلة السابقة. ولاحقا زار وزير الخارجية السعودي الراحل الأمير سعود الفيصل باريس في 2014 حيث حذر القيادات اللبنانية والفرنسية من اختيار ميشال عون الذي رفض اتفاق الطائف لرئاسة لبنان.
واجتمع الفيصل بالقيادات الحزبية اللبنانية في باريس، من وليد جنبلاط الى سمير جعجع الى الرئيس السابق امين الجميل وسعد الحريري وفؤاد السنيورة، للقول لهم ان السعودية لا تحبذ اختيار عون للرئاسة. وفي اليوم الأخير من ولاية ميشال سليمان قدم وزيرا خارجية فرنسا لوران فابيوس والسعودية الأمير سعود الفيصل طرحاً في رسالة وجهت الى عون ان يوافق على التمديد لسليمان سنة واحدة وبعدها يتولى الرئاسة بضمان البلدين.
رفض عون الاقتراح بالتمديد لسليمان، وبعد شهرين صدر “اعلان النوايا” بين عون و”القوات اللبنانية” خلال فترة الفراغ الرئاسي، وخلفية هذا الإعلان كانت الاتفاق على قانون الانتخاب عكس ما يقال انه قانون طالب به “حزب الله” في حين ان “القوات اللبنانية” كانت الأشد إصرارا عليه. في تموز 2015 التقى مستشار الحريري غطاس خوري النائب سليمان فرنجية في باريس في مناسبة تعزية بوفاة نجل جيلبير شاغوري. بعد اللقاء حمل خوري رسالة من فرنجية الى الحريري والى الرياض يؤكد فيها استعداده للاتفاق معه حول الرئاسة. لم يعط الحريري أي جواب الا بعد التشاور مع السعودية.
وفي تشرين الثاني جاء الجواب من الإدارة الاميركية انها وفرنسا والسعودية تدعم ترشيح سليمان فرنجية. بعد هذا الجواب تم الاتفاق بين سعد الحريري وفرنجية على ترشيح الأخير الى الرئاسة. اثر ذلك رفض جعجع الاتفاق الذي حصل على فرنجية وعقد “اتفاق معراب” مع عون وتبنى ترشيحه. وفي خريف 2016 تبلغ الحريري من الجانب السعودي ان لا مانع في تأييد عون. فالحريري لم يتخط أي منع سعودي والتزم انتخاب عون لان “حزب الله” كان رافضا ترشيح فرنجية والفراغ الرئاسي استمر اكثر من سنتين.
السعودية كانت مهتمة بلبنان وصرفت مبالغ طائلة لدعمه طوال سنوات، لكنها أُهدِرت وذهبت الى جيوب خاصة واسيء استخدامها، وهذا ما يردده المسؤولون السعوديون لمن يطالبهم بمساعدة لبنان. مفهوم ان السعودية مستاءة من تصرف قيادة لبنان الخاضعة لـ “حزب الله”، ولكن الدعم السعودي أساسي لاخراج البلد من قبضة “الحزب” الكاملة عليه في غياب أي تصدٍّ لذلك. والامل ان يستمر الحوار الفرنسي – السعودي إزاء الموضوع اللبناني لانه أساسي لإنقاذ البلد.



