أخبار لبنانابرز الاخبار

صناعة الأدوية المحلية أثبتت جدارتها في أزمة “كوفيد 19″…

كتبت سلوى بعلبكي في “النهار”:

أمام الازمات التي تجتاح لبنان دفعة واحدة، ومع اشتداد حدّة جشع المهربين والمحتكرين الذين ساهموا بشكل أساسي في معاناة اللبنانيين، كان لصناعة الادوية المحلية دور محوري في ضخ الحياة في شرايين سوق الادوية بعدما توقفت عجلة الاستيراد بفعل شحّ العملة الصعبة. 11 مصنعا استمرت في متابعة مهمتها من دون ان تقنّن في مدّ الاسواق بما تحتاج اليه من الادوية بإنتاج تواصل ليلا نهارا، بدليل أن مبيعاتها من الادوية التي تُستخدم لمواجهة وباء “كورونا” ارتفعت خلال 2020/2021 ما بين 100% و150%.

والى دورها الحالي في التخفيف من حدة أزمة الادوية، تبرز أهمية الدواء المصنّع محليا من خلال مساهمته في خفض الفاتورة الدوائية التي تقدَّر بما بين مليار ومليار و200 ألف دولار، إذ بينت الدراسة التي أجرتها شركة IQVIA في نيسان 2019 أن معدل أسعار الأدوية المصنعة محليا (حصتها من حجم السوق 23%) أدنى بنسبة 48% من مثيلاتها المستوردة من نحو 40 دولة بينها 5 دول عربية.

 

وفي حين تغرق الاسواق اللبنانية بالادوية المستوردة، تواجه الصناعة المحلية معوقات في التصدير بسبب الشروط التي تضعها بعض الدول في وجه صناعتنا لحماية صناعاتها الدوائية، بما يرفع قيمة فاتورة الدواء، وإنْ كان مرده في جانب منه الى أن الـ 80% الموجودة في السوق اللبنانية هي أدوية “براند”، أي لا تزال الشركة المصنّعة تمتلك حصرية إنتاجها، في مقابل 20% من الأدوية “الجينيريك”، أي التي انتهت حصرية إنتاجها من الشركة الأمّ.

 

يدرك وزير الصناعة في حكومة تصريف الاعمال عماد حب الله أن انتاج مصانع الادوية تضاعف حاليا، ولكنه يسأل: هل في امكان هذه المصانع أن تزيد انتاجها الى درجة تكون قادرة على تلبية حاجات السوق؟ يبدو حب الله مقتنعا بأن قسما كبيرا من مصانع الادوية في امكانه زيادة انتاجه، “ولكن علينا الانتظار نحو 3 سنوات على الاقل لنلبّي حاجات السوق بنسبة ما بين 40 و45%، هذا في حال كان ثمة دعم للصناعة وليس كما هو حاصل حاليا”. ورأى أنه “بدل دعم الاستيراد بنسبة 90%، كان يجب دعم الانتاج المحلي بمواده الأولية وغيرها لتخفيف الكلفة عليه”، لافتا الى أن وزارة الصناعة رخصت أخيرا لـ 7 مصانع جديدة بينها اثنان بدءا بالخطوات اللازمة لتشييد المعامل.

 

ينتج لبنان الأدوية والأمصال والحقن والمستحضرات الطبية، عبر شركات ومصانع ومختبرات لبنانية. ويشير حب الله الى أن ثمة 3 أنواع من المنتج الدوائي عموما: الاول حبوب، والآخر سائل، والثالث يمكن ان يكون لقاحات أو ابراً. ثمة مصانع تنتجها جميعا واخرى تخطط لإنتاجها. اضافة الى هذه الانواع ثمة ما يسمى التصنيع الابتدائي الذي يقتصر على تعبئة الادوية المستوردة، والنوع الثاني يشمل استيراد المواد الاولية لتصنيع الادوية، أما النوع الثالث فيشمل كل المراحل، أي من ناحية التركيب وتصنيع المواد الاولية والتعليب. كل هذه الانواع موجودة في لبنان وكذلك جميع انواع الادوية.

 

بالاستناد إلى الأرقام الصادرة عن إدارة الجمارك، يشير تقرير لوكالة “فيتش” الى أن لبنان استورد منتجات صيدلانية وأدوية بقيمة 1.33 مليار دولار في العام 2018، أما المبيعات فبلغت نحو 1.93 مليار دولار.

نقيبة مصانع الأدوية في لبنان الدكتورة كارول أبي كرم تشرح لـ “النهار” واقع قطاع الادوية في لبنان فتشير الى “أن حجم الفاتورة الدوائية هي في حدود المليار و200 الف دولار، وثمة أكثر من 5 آلاف دواء مرخصة ومسجلة لدى وزارة الصحة، بينها 15% مصنّع محليا و85% مستورد، ولكن “المسوَّق” منها اي الموجود في السوق نحو 3 آلاف دواء”.

 

وانضم أخيرا معمل جديد الى عائلة المصانع اللبنانية ليصبح عددها 12 معملا: 3 لصناعة الأمصال، و9 للأدوية عموما. ثمة 1600 نوع دواء، حصتها في السوق نحو 23%. وتؤكد ابي كرم ان هذه المصانع لديها طاقة على تغطية 51% من حاجة السوق بكلفة أقل، ولكنها تحتاج الى البيئة الحاضنة والدعم المطلوب.
خلال مواجهة لبنان لأزمة “كورونا” كانت المصانع اللبنانية وحدها قادرة على تأمين كل الادوية بنسبة 100% داخل المستشفيات وخارجها، حيث باتت المصانع تعمل بكل قدراتها ليلا نهارا لكي تؤمّن حاجة السوق. وتقارن ابي كرم بين العام الماضي وهذه السنة حتى حزيران الماضي، حيث ضخت المصانع اللبنانية علب أدوية في السوق بزيادة نسبتها 63% مقارنة مع الفترة عينها من العام الماضي، بما يعني أن صناعة الدواء اللبناني هي التي تلبي السوق في وقت الدواء المستورَد متوقف.

 

ما المطلوب للاستمرار بالضخ في السوق؟ تشدد ابي كرم على “ضرورة التعجيل في الافراج عن فواتير استيراد المواد الاولية لصناعة الادوية من مصرف لبنان”، كما تطالب باستمرار دعم استيراد المواد الاولية، وأكثر … “نطالب بمساواتنا مع الادوية المستوردة التي تحظى بدعم كلي لكلفة فواتيرها”. وتشير الى أن “ثمة مشروع قانون مقدَّما في مجلس النواب يقضي بوقف الدعم عن كل دواء مستورد يُصنع مثيله في لبنان… هذا المشروع إن أقر يكون لبنان قد بدأ على السكة الصحيحة لدعم صناعة الدواء، وهذا اضعف الايمان، إذ ان كل الدول التي تشجع صناعتها تمنع ادخال أدوية مستوردة يُصنع مثيلها محليا”.

 

لا تشكك ابي كرم في قدرة المصانع على تصنيع أدوية سرطانية وتغطية السوق… ولكن “اذا تم الإفراج عن فواتيرنا في مصرف لبنان… كما لا يمكننا تأمين الدواء في حال بقي الاستيراد مفتوحا على مصراعيه”. عدا عن ذلك تشير الى معضلة تعوق استمرار المصانع بتأدية مهماتها وتتعلق بالمازوت، “يفترض ان يؤمنوا للمصانع المازوت المدعوم الذي نؤمنه كل يوم بيومه، علما ان الشركات المستوردة أبلغتنا أنها لن تسلمنا المازوت على السعر المدعوم من الآن وصاعدا، إذ ان الاولوية للمستشفيات فيما لا يمكننا زيادة الاسعار لمواكبة أسعار المازوت، من دون الرجوع الى وزارة الصحة التي تقوم بالمهمة”.

 

ماذا عن دور وزارتي الصناعة والصحة في دعم الصناعة المحلية؟ تقول ابي كرم: “وزيرا الصناعة والصحة يغدقان علينا الوعود، ولكن في الواقع صناعة الدواء لا تعطى حقوقها… كل ما نطلبه حاليا مساعدتنا لدى مصرف لبنان حتى يزيد نسبة الدعم، وتأمين المازوت المدعوم لكي لا تزيد كلفتنا بشكل كبير”.

شعبوية الدعم
يتباهى السيد جاك صراف وهو مالك احد أكبر مصانع الادوية في لبنان بصناعة الادوية اللبنانية وما استطاعت تحقيقه خلال أزمة “كوفيد” …”لو لم تكن هناك صناعة أدوية محلية واستطاعت التفاعل مع كورونا لكنّا وقعنا في مشكلة أكبر من التي نعانيها”. ويقول: “المضحك المبكي أن صناعة الادوية انتعشت بسبب “كوفيد” وليس بسبب الدعم”، لافتا الى ان “مبيعات أدوية كورونا ارتفعت خلال 2020/2021 ما بين 100% و150%. مثلا دواء Aspicot سجل مبيعات بنحو 800 ألف عبوة في العام 2019، وارتفعت مبيعاته في العام 2020 الى مليون و200 ألف عبوة. وفي أول 6 أشهر من 2021 سجل مبيعات بنحو مليون و350 الف عبوة”.

ويشكو صراف من عدم وجود الدعم الكافي لصناعة الادوية، كذلك عدم السماح بتصدير الأدوية المصنعة محليا. وإذا كان للقرار الاخير مبرراته نظرا الى حاجة السوق اليها في هذه الفترة، إلا انه “يغلق امام الصناعة بابا لاستقدام الدولارات الطازجة التي تحتاج اليها لتسديد ثمن المواد الاولية التي تستوردها من الخارج، خصوصا ان الشركات لا تقبل إلا أن ندفع لها سلفا قبل شحن البضائع، علما أنه لو تُفتح أبواب التصدير لكانت كلفة صناعتنا خفّت لأنه عندما نشتري مواد اولية بكميات اكبر فالاسعار حتما ستكون مخفّضة أكثر”.

يستند صراف الى بعض الدراسات التي تؤكد أن “صناعة الادوية المحلية تؤمن نحو 58% من الادوية التي يستهلكها اللبناني، ولكن المشكلة هي في أدوية الامراض السرطانية التي لا يمكننا تصنيعها كونها تحتاج الى بحوث دائمة ومستمرة، وهو ما لا تستطيع مختبراتنا ومصانعنا مواكبته. أما بقية الادوية فتنتج في مصانعنا”. ويعيب على المسؤولين “الشعبوية التي يمارسونها، وخصوصا حيال مسألة سياسة الدعم التي لا تهدف الى المساعدة للإبقاء على استمرارية الدواء، بل الى صناعة الشعبوية الشخصية”، لافتا الى السياسة المعتمدة حيال صناعة الدواء، إذ إن “لبنان يفتح أبوابه لكل الدول التي لا تعاملنا بالمثل، مثلا ثمة 427 دواء مصريا مسجلا في وزارة الصحة، ولكن في المقابل لا يُسمح للدواء اللبناني بان يسجل في مصر، وكذلك الحال بالنسبة الى غالبية الدول العربية”.

على رغم عدم توافر الدعم للصناعة يقول صراف: “صناعة الدواء في لبنان هي من الصناعات الناجحة والرائدة… وسنصمد ونستمر… فعمالنا من حاملي شهادات وليسوا عمالا عاديين، إذ عليهم المحافظة على اعلى صدقية، خصوصا ان بعض المصانع تتعامل مع مختبرات دولية”.

ويختم بالقول: “الـ 11 مصنعا هي برهان البقاء في لبنان. كنا نؤمن 20% من حاجة السوق، واليوم أصبحنا نؤمن 40% من الاستهلاك، ويمكن أن نصل الى 60%، فليتركونا نعمل بسلام”.

بواسطة
سلوى بعلبكي
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى