الإصلاحات التنظيمية ضرورة اقتصادية على المستوى الماكرو اقتصادي(الديار 21 أب)
سبيل الخروج من الأزمة يمرّ بهذه الإصلاحات وإليكم أهمّ الإصلاحات المنشودة

كتب جاسم عجاقة في “الديار”:
الإصلاحات هي من الشروط الأساسية التي يفرضها صندوق النقد الدولي في أي برنامج قد تطلبه دولة عضو من أعضائه، وهذا حال لبنان في المفاوضات القادمة والتي ستلي عملية تشكيل الحكومة. نهتم في هذا المقال بموضوع الإصلاحات التنظيمية (regulatory reform) التي أصدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تقريرًا حولها في تسعينات القرن الماضي وأظهرت من خلاله الأهمية الاقتصادية للإصلاحات التنظيمية.
هذا التقرير يُظهر التداعيات الإيجابية من خلال دراسة نتائج الإصلاحات على الاقتصاد في عددٍ من الدول مثل الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا اللتين كانتا من أوائل الدول التي اعتمدت الإصلاحات الشاملة، ومن ثم انتشرت هذه العدوى في بلدان أخرى مع مضمون أكثر حداثة على مثال أستراليا واليابان. وفي أوروبا، أدى إنشاء الإتحاد الأوروبي دورًا كبيرًا في تحفيز الإصلاح التنظيمي، مع عمليات تحرير للقطاعات كافة ونزع الاحتكارات العامة بكل أنواعها.
عملية الإصلاح التنظيمي أصبحت من أهم الممارسات التي تقوم بها الحكومات وأخذت أهمية في العالم أصبحت معها هذه الإصلاحات شرطًا أساسيًا لأي تعاون دولي بين الدول فيما بينها وبين المنظمات الدولية والدول.
يرى الاقتصاديون عملية الإصلاح التنظيمي كإجراء لمحو أو تخفيف الآثار المشوهة للأنظمة الاقتصادية. وغالبًا ما تكون إجراءات الإصلاحات إلزامية لمواجهة إخفاقات السوق سواء تحقّقت أو يُنظر إليها على هذا النحو. وتطرح عملية الإصلاح أسئلة جوهرية عن طبيعة هذه النواقص وقدرة الحكومات على معالجتها من خلال التنظيم (Regulations).
التطورات التكنولوجية التي شهدها عالمنا والخبرة التي اكتسبتها اقتصادات الدول، طرحت العديد من الأسئلة عن احتمال وجود احتكارات طبيعية في الماكينة. أضف إلى ذلك الاحتمال بأن تكون إخفاقات الحكومات هي بحد ذاتها مصدرًا لعدم الكفاءة (source of inefficiency) الاقتصادية.
من الأمور المسلم بها علمياً أن كلفة القوانين غير الملائمة كبيرة على الاقتصاد وتُظهر خللا في آليات عمل الأعمال التجارية والقطاعات وحتى الاقتصاد ككل. وبحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تأتي هذه الكلفة من أربعة مصادر رئيسية:
أولاً- قد يكون لدى الشركات حافز أقل لتوفير الموارد، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى زيادة الاستثمار في رأس المال، أو التوظيف الزائد أو تنظيم داخلي غير فعال للإنتاج. وهو ما يعرف في علم الإدارة بـ Accelerating of duties.
ثانيًا، يمكن للقوانين غير الملائمة أن تؤدي إلى فقدان المنافسة وخلق عائدات مفرطة على رأس المال أو العمل أو الاثنين معًا، بحيث تكون الأرباح و / أو الأجور أعلى مما ستكون عليه في ظل الظروف العادية.
ثالثًا، يمكن للقوانين غير الملائمة التي ترعى أنواع الخدمات والمنتجات أن تمنع الشركات من الاستفادة من اقتصاديات الحجم (economies of scale)، وخاصة الإطار الذي توفره المجموعات (groups) وغياب مفهوم وعملية الـ Synergy.
رابعًا، نظرًا لغياب المنافسة، فإن حافز دمج الابتكارات التكنولوجية في عملية الإنتاج أو لإنشاء سلع وخدمات جديدة يتضاءل أو قد ينعدم لدى الشركات، وبالتالي تصبح هذه الأخيرة أقل استعدادًا لتكييف الجودة وشمول السلع والخدمات المنتجة.
كل ذلك للتأكيد على أن للقوانين غير الملائمة تداعيات مباشرة على الاقتصاد وحياة المجتمعات من ارتفاع الكلفة والأسعار، وسوء تخصيص الموارد، ونقص ابتكار المنتجات ، وسوء جودة الخدمة.
وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار المرونة السعرية (Price-Elasticity) في كل قطاع من القطاعات الإقتصادية، نرى أن انخفاض الأسعار سوف يُترجم مباشرة زيادة في الإنتاج. وبالتالي فإن التداعيات الناتجة من زيادة إنتاجية العمل والزيادة في الإنتاج – بسبب ارتفاع الطلب – تسمح لواضعي السياسات الاقتصادية بتقدير التطورات في سوق العمل والناتجة من الإصلاح التنظيمي. وقد أظهرت تجارب العديد من الدول أنه في بعض القطاعات خصوصًا في قطاع الإتصالات، يمكن للإصلاح التنظيمي أن يؤدي إلى مكاسب ابتكارية وإبداعية كبيرة على شكل منتجات وخدمات جديدة تُقدم إلى السوق.
بالطبع تقديرات المكاسب الناتجة من الابتكار تتسم بالغموض نظرًا إلى حداثة المنتج وبالتالي يتم تقييمها من خلال مقارنتها بتجارب البلدان الأخرى. لكن المُلفت أن هذه المكاسب تكون عادة أكبر من المكاسب الناتجة من الزيادة في الإنتاج التي يسببها الطلب بسبب تغيرات الأسعار بحكم أنها تتعلق بمنتجات جديدة غير مدرجة في سلة السلع القديمة. وبالتالي ، فإن المكاسب المحتملة نتيجة الابتكار تؤدي إلى زيادة أخرى في الإنتاج وهو ما يؤدي إلى تعديل التوقعات المقدرة في فرص العمل.
الإصلاحات التتظيمية المنشودة
من أهم القطاعات التي يهتم بها واضعو السياسات الاقتصادية، الإصلاحات في قطاع الكهرباء، وفي قطاع النقل الجوي، وفي قطاع النقل البري، وفي قطاع التجزئة، وفي قطاع الاتصالات.
هذه القطاعات تُشكّل نسبة تتراوح بين الـ ١٥ إلى ٢٥٪ من الناتج المحلي الإجمالي للدول وتُعتبر من الـ Enablers الأساسية للنشاطات الاقتصادية. وبالتالي تُعنى الإصلاحات التنظيمية بتحرير هذه القطاعات وتنظيمها نظرًا إلى الفوائد العالية الناتجة من هذا التحرير وعلى رأسها خفض الأسعار وزيادة التوظيف، وزيادة الاستثمارات.
التداعيات الاقتصادية للإصلاحات التنظيمية
التداعيات الاقتصادية في الدول التي قامت بإصلاحات تنظيمية تُشير إلى نتائج إيجابية على المتغيّرات الماكرو- اقتصادية. فالإنتاجية في العمل ارتفعت بشكل كبير كذلك الأمر في إنتاجية رأس المال وزيادة التنافسية مما أدّى إلى انخفاض ملحوظ في الأسعار، وارتفاع في الوظائف تحديدًا في الدول ذات الاقتصادات الليبيرالية.
ولقد أدّت هذه الإصلاحات أيضاً إلى تصحيح آليات عمل السوق وهو ما قلّل بشكل ملحوظ احتمالات فشل السوق إلى جانب رفع الناتج المحلّي الإجمالي كما تُظهره النماذج الإقتصادية (على مثال INTERLINK التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي).
وتمّت أيضاً ملاحظة التطابق بين منحنى الإنتاج والعرض للشركات مما يدعو إلى الاستنتاج أن هذه الإصلاحات سمحت للشركات بتقليص فشلها في الأسواق عبر تخفيف الكلفة عليها على المدى البعيد. كما يُمكن القول إن الأجور قد ارتفعت جراء ذلك بشكل ملحوظ وانخفضت هيكلية الأسعار على المدى الطويل.
ويبقى العنصر الأساسي في ما يخص الإنماء المستدام حيث سمحت الحرية للمواطن باختيار المنتجات والخدمات بأسعار مقبولة وعلى نطاق واسع، وبتطوير المجتمعات التي اعتمدت الإصلاحات التنظيمة خصوصًا أنها ترافقت مع خطط اقتصادية لدعم محركات الاقتصاد أي الصناعة والزراعة والخدمات.
الإصلاحات التنظيمية في لبنان
لقد بينا من خلال هذا العرض السريع للسياسات الاقتصادية العالمية ولمنهجيات التطور المعيشي وسبل تحسين حياة الفرد والمجتمع لنؤكد ضرورة تبني هذه الخطوات في المجتمع الاقتصادي اللبناني إذا ما أراد الخروج من أتون المستنقع الذي نعيشه في أيامنا الراهنة.
وعلى جميع أصحاب القرار الاستفادة من التجارب السابقة للأزمات والتعلم من الإجراءات والمعايير العالمية في هذا المجال، لا تناسي ما ثبت صوابيته ونجحت طرقه العلمية العملية. لذا، وعلى الصعيد المحلي، من المتوقّع أن تلي خطوة تشكيل الحكومة، مفاوضات مع صندوق النقد الدولي الذي ومن دون أدنى شكّ سيعمد إلى طلب إصلاحات تنظيمية سيكون لها تداعيات جوهرية على الاقتصاد اللبناني سيستفيد منها المواطن آخر المطاف، سواء على صعيد السلع والخدمات أو على صعيد الوظائف أو على صعيد المدخول. من هنا نرى الأهمّية العملية التنظمية للقطاعات الاقتصادية في عملية إعادة إنعاش الاقتصاد وتحفيز النمو وزيادة اليد العاملة ومحو الفقر الذي أصبح يُشكل أزمة كيانية في لبنان.



