أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

سلامة يطلب تشريع قانون يمكنه من استخدام الاحتياط للمضي بالدعم (النهار 17 آب)

مع اعلان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة رفع الدعم عن استيراد الوقود، ومع اصراره على موقفه ما لم يشرع البرلمان قانونا يسمح باستخدام الاحتياط الإلزامي الذي قدر قيمته بـ14 مليار دولار، بعد نضوب العملة الصعبة. ولكن السؤال هل إذا شرع مجلس النواب استخدام الاحتياطي سيكون بمنأى عن الطعن به؟

وفق التعريف القانوني للإحتياط الإلزامي، فهو “مال مخصص الأهداف وغير قابل لأي مس او تخصيص لغير غايته، لا سيما وانه التزام قانوني واقعٌ بحكم قانون النقد والتسليف على عاتق المصارف التجارية. وهو يعتبر ضمانة للمصرف لمواجهة لأي سحب مفاجئ من العملاء، وضمانة أخيرة لصاحب الوديعة من انهيار أو إفلاس المصرف التجاري الذي يتعامل معه. ومن ناحيةٍ أخرى، يمثّل إحدى أدوات المصارف المركزية لتحقيق سياستها النقدية الهادفة إلى تحفيز الاقتصاد ومجابهة التضخم، وتحقيق الإنسجام بين السيولة المصرفية وحجم التسليف لحماية سلامة النقد اللبناني والإستقرار الإقتصادي وأيّ مسّ به سيؤول إلى تكبيل يد المصرف المركزي وجعله غير قادر على ممارسته مهاماً أساسيّة مولج القيام بها، وتاليا فإنه يمثّل أهمية خاصة رباعية الأبعاد تشمل بمضمونها حماية للمودع والمصرف التجاري والمصرف المركزي والإقتصاد، والمثال الأحدث على أهمية هذا الإحتياط الإلزامي هو ما قام به عدد من المصارف المركزية العالمية لمواجهة الركود الذي تعرض له الإقتصاد من جراء تفشي وباء الكورونا، بحيث اتجهت إلى تخفيض نسبته على المصارف التجارية لتمكين هذه الأخيرة من مواجهة زيادة الطلب على السيولة المتوقعة، بغية الحفاظ على التناسب في معدل التضخم والإستقرار في الأسواق.

وفق المتخصص في الرقابة القضائية على المصارف المركزية وأجهزة الرقابة التابعة اليها المحامي الدكتور باسكال فؤاد ضاهر فإن “المصرف المركزي خاضع لأحكام قانون النقد والتسليف الذي لا يوليه الحق بتأمين أي دعم وهو ليس ملزماً القيام بمهمات الحكومة التي يبقى من واجبها تأمين الأمن الإنساني للمواطن بمفاهيمه كافة، لا سيما الغذائي، والطبي، والمعيشي، ولا دور للمركزي في ذلك.

وليس للمركزي ان يصرف من خزائن المودع لتحقيق سياسة الحكومة، وإلاّ يعتبر ذلك تعد واضح على الحقوق المشروعة، لا سيما وأن هذا الدعم ليس سوى إنفاق لا يحقق مكاسب له بل على العكس سيؤدي لا محال إلى استنزاف ما تبقى من نقد في ميزانيته.

وهذا لا يتوافق على الإطلاق مع المادة 13 من قانون النقد والتسليف التي منحت المركزي صفة التاجر في علاقته مع الغير، بما يشكل تناقضا وتعارضا جليا مع طبيعة هذا الدعم المجاني الذي يقدمه، وهذا في منتهاه يشكل تساؤلاً دستورياً أساسياً يتخطى حدود الدعم وطبيعته: هل جرى تعديل طبيعة النظام الذي أصبح أقرب إلى الإشتراكية منه إلى الليبرالية”.

هذا من ناحية وأما من ناحيةٍ أخرى، يفيد ضاهر بأن “الفقرة د من المادة الرقم /76/ من قانون النقد والتسليف ألزمت المصارف بتكوين مال إحتياطي (كنقد سائل)، والقسم الثاني من هذه الفقرة نص على إمكان اعتبار بعض توظيفات المصارف التجارية في السندات الحكومية أو المصدرة بكفالة حكومية بمثابة جزء من الإحتياط الإلزامي، وبالطبع فإن هذا الجزء لا يعني الكل بل نسبةً منخفضةً منه، إلاّ أن عددا من التعاميم أجاز للمصارف تمويل بعض القروض الخاصة من خلال تخفيض سقف التزامها بتكوين المال الإحتياطي السائل بنسبة مرتفعة، أي تخصيص المال المودع من قبل الشعب لمنفعة تمويل طالبي القروض الخاصة دون أي وجه حق، مما قد يشكل مخالفة لأحكام قانون النقد والتسليف والأهم قد لا يكون الإحتياطي الإلزامي برمته نقداً سائلاً”.

إنطلاقا مما تقدم، وبما ان اي مس بهذه الملكية الخاصة يشكل إعتداء مباشرا على احكام الدستور اللبناني الليبرالي الحر ومقدمته لا سيما المادة 15 منه التي قدست الملكية وحصنتها من اي إعتداء او تأميم او مصادرة، إضافة إلى عدد من الإتفاقات الدولية ذات الصلة، وبما أنه يشكل هتكا لمبدأ المساواة لانه بات المودع بمفرده من يمول الدولة والسلع الاستهلاكية، فهذا يعني وفق ضاهر “ان اي قانون ممكن ان يصدر عن المجلس النيابي سيكون معرضاً للإبطال امام المجلس الدستوري، لا سيما وان إجتهادات هذا المجلس قد أكدّت على حرمة الملكية الخاصة وعلى عدم جواز المساس بها، مذكرا بأنه “ومن خلال سابقة قضائية إستطعنا إلقاء الحجز الإحتياطي على الإحتياط الإلزامي بقوة قرار دائرة تنفيذ بيروت، وبذلك أصبح المركزي ملزم بعدم التصرف بتلك الأموال تحت طائلة إعتباره مسؤولاً عن مخالفة قرار قضائي”.

أما بالنسبة لوضعية المصرف المركزي، يشير ضاهر الى أنه “يعتبر سلطة عامة مالية مستقلة مع التشديد على ان سلطة تعني autorité وليس pouvoir، وثمة فارق جوهري بين السياسة المالية المسؤولة عنها الحكومة وبين السياسة النقدية المسؤول عنها المصرف المركزي المستقل بدوره بشكل كامل، إنما ضمن نطاق السياسة المالية. وبجميع الأحوال، فإن ذلك لا يعني إطلاقاً ان للسلطة أي حق من خلال سياستها المالية ان تمّد يدها بخلاف القوانين إلى مال ليس من حقها”.
منذ العام 1938 أرسى مجلس الدولة الفرنسي الأسس القانونية لمقاضاة الدولة عن الاضرار التي تسببها اعمالها التشريعية في قراره المبدئي La Fleurette، ومن منطلق هذا القرار ومفاعيله يقول ضاهر “سيكون أمامنا عدد من الخيارات القانونية المفتوحة منها مقاضاة الدولة – مجلس النواب للتعويض عن الضرر الذي سيلحق بفئة خاصة من الشعب، وفي المقابل من الممكن ان نتجه باتجاه محاكم الدول التي تتبنى النظام القضائي العالمي. كل ذلك بغية اعلاء صوت القانون. وذكر ضاهر بالاجتهادات الدولية التي اكدت: “ان القانون الدولي ينظر إلى الدولة كوحدة موحدة متكاملة متضامنة ولا ينظر اليها كنظرة القانون الداخلي”. أي بما معناه أن القانون الدولي لا ينظر إلى الحصانة المساقة بموجب القانون الداخلي كمعطى واجب التقيد به، هذا موضوع مهم جدا ويقتضي الإحاطة به والتبصر بأبعاه من قبل الجهة الحاكمة لان وقعه ليس بقليل،

ويعتبر ضاهر أن “السلطة بجميع مكوناتها ومعطياتها أرست حماية على كل من نهب المال العام وهتك حرمة دم الشعب وشرب من تعبه، لذلك واذا كانت السلطة صادقة بانها تريد حماية الشعب وتأمين قوته من خلال دعم السلع الإستهلاكهية فما عليها سوى إتباع أقصر الطرق وأنجحها، وهي السعي الجدي والفاعل لإعادة كل قرش جرى نهبه من رجالاتها الى الخزينة واتمام الدعم من تلك الاموال. وليس بأن تمد يدها إلى جيب الشعب مرة تلو الأخرى، علما ان التقارير الدولية ذات الصلة أكدت ان المبالغ المنهوبة هي طائلة وتفوق قيمة الاحتياط الالزامي، وتاليا فإنها تمكن الدولة ليس من اتمام الدعم وحسب بل اجراء نهضة اقتصادية بأبعادها كافة من زراعية وصناعية وتجارية ومعلوماتية”.

وضمن هذا الإطار المرتبط بموضوع الاحتياطي الالزامي يسأل ضاهر “من منع هذه السلطة منذ تاريخ 1990 لغاية اليوم من تأسيس اقتصاد منتج يقوم على الزراعة والصناعة الفاعلة والتجارة الحقة؟ ولماذا ولمصلحة من اقدمت على فعل ذلك؟

ثمة قاعدة جوهرية لبناء الدول وهي: “من يهدم لا يبني” لذا، وحين جواب السلطة على هذه الأسئلة ولن تفعل يقتضي تنبيهها الى ان الحصن الاخير لحماية كيان الدولة اللبنانية هو عدم هتك اسس العدالة بمفهومها المزدوج”.

المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى