المحاذير الأمنية كبندٍ إضافيّ على مشارف الانتخابات (النهار 20 تشرين الثاني)

كتب مجد بو مجاهد في “النهار”:
في زحمة الأزمات السياسيّة والاقتصاديّة والبيئيّة التي تتخّذ منحى تصاعديّاً ومن دون مكابح، تطفو محاذير من التحاق المعطى الأمنيّ بسبحة الأوضاع المتردّية على سطح مداولات معبّر عنها في مجالس سياسيّة. وتختلط الهواجس من إمكان تصاعد توتّرات شعبيّة من طبيعة أمنيّة في المرحلة المقبلة، مع مخاوف يعبّر عنها البعض لناحية انعكاس مشهدية التصعيد الأمني عراقيّاً في لبنان، والتي شملت محاولة الاغتيال التي تعرّض لها رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي.
وتُرسم هذه التساؤلات على مسافة أشهر قليلة من موعد استحقاق الانتخابات النيابية، الذي يشهد هموداً غير مسبوق على مقلب أحزاب رئيسية عدّة، منها لم يباشر التحضيرات رسميّاً أو يعيّن المرشّحين حتى اللحظة. وتتضاعف الترجيحات التي تعبّر عنها مراجع سياسيّة لجهة احتماليّة التوصّل إلى تأجيل الانتخابات في نهاية المطاف. وثمّة من يستقرئ استمرار تدحرج الأزمات حتى الوصول إلى وجهة عقد مؤتمر تأسيسي جديد، في وقت يبقى حصول الاستحقاق الانتخابيّ بمثابة المفترق الفاصل نحو بداية انقشاع أفق الحلول، انطلاقاً من الرهان الذي يبديه المعوّلون بثقة على نتائج الانتخابات.
لا يبدو على الأقلّ أنّ ثمّة معطيات جدية مرتبطة بهواجس محذّرة من احتمالات اشتعال على مقلب توترات حزبية أو أهلية. وخلافاً لما تناقل عن “رسائل سياسية” قيل إنّ “حزب الله” أراد توجيهها إلى خصومه السياسيين على تخوم منطقة “عيون السيمان”، فإنّ المعطيات المؤكدة التي توفّرت لدى الأحزاب الخصمة لمحور “حزب الله”، دحضت هذه التصوّرات ونفت أن يكون قد توجّه بأيّ رسائل أو قام بأيّ استعراضات عسكرية في “عيون السيمان”. وأشارت المعلومات التي تأكّدت لدى خصوم “حزب الله” الذين صُوّروا بأنّهم معنيّون برسائل تصعيدية من قبله تجاههم، بأنّ الموضوع كان مرتبطاً بإجراءات أمنية روتينية اتخذها قبيل احتفالية تدشين بئر مياه في منطقة رأس بعلبك.
ولا علاقة للمناسبة بمنطقة “عيون السيمان”، لا من قريب أو بعيد. وبذلك، يؤكّد الخصوم السياسيون أنّ “الحزب” لم يقترب من منطقة “عيون السيمان”، خلافاً لما أشيع إعلاميّاً. ويرى معارضو “الحزب” أنّ الأخير يدرك أساساً بأنّ لغة الرسائل السياسية لا تنفع معهم وألّا حاجة إلى توجيهها.
وإذا كانت مؤشّرات التوترات السياسية المنسحبة على شوارع متقابلة مستبعدة في المرحلة المقبلة، بما يعني خفض احتمال الربط بين أيّ معطى غير ظاهر من هذا النوع والاستحقاق الانتخابي، فإنّ المعطى الذي يثير التساؤلات حول مصير الانتخابات، يكمن في غياب الحماسة أو التعامل مع الوقت وكأنّ البلاد على مشارف استحقاق من هذا النوع، لدى غالبية من الأحزاب المشكّلة للبرلمان النيابيّ الحاليّ. ويتمثل العامل الأبرز الذي يشير إلى التعامل مع الأوضاع وكأن الانتخابات غير مؤكّدة، في غياب اختيار أقطاب سياسيين عدّة للمرشحين الذين يرتقب أن يشكلوا اللوائح الانتخابية، والذين يفترض أن يباشروا اتصالاتهم وجولاتهم وتحضيراتهم. وبدأت التحذيرات من تأجيل الاستحقاق ترد بوضوح في مواقف أكثر من فريق سياسي يسعى إلى حصوله في موعده، علماً أن استطلاعات الرأي التي أجريت في الفترة الماضية من قبل أكثر من مركز أبحاث أشارت بوضوح بأنّ المتغيرات المرجّحة سترتبط خصوصاً بصناديق الاقتراع في المقلب المسيحي، من دون توقّع تغييرات مرتقبة بشكلٍ كبير على الصعيد الشيعي أو السني أو الدرزي.
ماذا عن الهواجس التي بدأت تظهر في تصاريح سياسية عدّة لجهة التخوّف من اغتيالات بمحاذاة موعد الانتخابات؟ تستقرئ مصادر متضلّعة من الشؤون الأمنية عبر “النهار” أنّ أيّ احتمال متعلق باغتيالات أو بتفجير أمني، في حال حصل، يمكن أن تكون الغاية منه خلط الأوراق وإضافة مزيد من الإرباك على الساحة اللبنانية.
وتنعكس هكذا مشهدية إذا طرأت على الاستحقاق الانتخابي الذي من الممكن عندئذٍ أن يؤجّل ربطاً بمعطى أمني. ولا تعتبر المصادر أن تحريك عامل الخضّة الأمنية صعب، إذا وجدت جهات سياسية أنّ وضعها لا يتلاءم مع إطلاق صافرة انطلاق مرحلة الانتخابات، لافتة إلى أنّ عدم الارتياح للاستحقاق المنتظر، لا يقتصر على فريق واحد بل يشمل أفرقاء سياسيين عدّة. وإذا كانت احتمالية إرجاء الانتخابات تبقى واردة لأكثر من سبب أو فرضيّة، فإن ترجمة هذا الاحتمال تعني الدخول في نفق الفراغ، بما يعيد التذكير بالمرحلة التي تولّت فيها حكومة الرئيس تمام سلام إدارة البلاد حتى الوصول إلى مرحلة التسوية الرئاسية.
وإذا كانت عبارة الاتجاه إلى “مؤتمر تأسيسي” في حال الانتقال إلى واقع الفراغ، واردة على لسان أكثر من فريق سياسي على تنوّع التوجهات السياسية، فإنّ ثمّة من يشكّك من بين المراقبين في القدرة على التوصّل إلى عقد مؤتمر بهذه البساطة، باعتبار أنّ التوقيت غير مناسب مقارنة مع الاهتمامات الدولية التي لا يبدو أنّها مندفعة باتجاه عناوين من هذا النوع في المرحلة الحالية. وهناك من يشير إلى أنّ الوضع اللبناني غير قابل للانتقال إلى مؤتمر تأسيسي وسط الأزمات الاقتصادية والمجتمعية والخلافات المتجذرة حول هوية البلاد وصيغتها، بما يجعل في رأيهم من هذه الفكرة بعيدة نوعاً ما عن الواقع الراهن وفي غير أوانها.



