أخبار لبنانابرز الاخبارمقالات خاصة

خاص – اللبناني والتكيّف مع الأزمات!

 

* بقلم الأستاذة الدكتورة ليليان ديب دعيبس

عاصر الشعب اللبناني أزمات متلاحقة، خصوصاً في تاريخه الحديث. فمن ويلات الضربات الإسرائيلية (سنة 1972)، إلى ويلات الحرب الاهلية (1975-1990)، إلى الزلزال الذي ضرب لبنان أثر اغتيال رئيس الحكومة الأسبق الشهيد رفيق الحريري(2005) والتي ما تزال ارتداداته تعصف بلبنان حتى يومنا هذا؛ إلى الحرب على الإرهاب وأبرزها حرب نهر البارد (2007) وما استتبعها من مواجهات بين الجيش اللبناني والعصابات الارهابية هنا وهناك… هذا إذا ما أضفنا إليها المناكفات والمشاحنات السياسية التي ترافق كل حدث جلل والتي أضحت من الفلكلور اللبناني!

لن نتحدّث عن إنفجار قلب لبنان(2020) الذي هزّ العالم بأسره! لأن هذا الجرح ما زال ينزف!

أما آخر الأزمات المعاصرة، مواجهة اللبناني لأعتى عاصفة عرفها في حياته، والتي تضربه من كل حدب وصوب، متمثّلة بالأزمة الإقتصادية المصنّفة الأسوأ على الصعيد العالمي من قبل البنك الدولي.

إن إصرار اللبنانيين على مواجهة ذيول ومخلفات كل تلك الأزمات، يدفعنا إلى طرح الاسئلة التالية: كيف إستطاع اللبناني تحمّل كل تلك الأزمات؟ ما هي الإمكانات المتوفّرة لديه من أجل الصمود في وجه كل تلك العواصف؟

لتفكيك هذه المسألة سننطلق أولًا من تعريف الأزمة crisis، وهي المشكلة التي تطرأ على حياة الفرد أو الجماعة، بشكل مفاجئ، وعليه أن يواجهها بكل ما أوتيَ من قوّة من أجل ديمومة الحياة. وتكون نتائج المواجهة إما التخلّص من المشكلة وحلّها بشكل جذريّ، وإمّا السعي للحد من نتائجها السلبية عليه. وتكون الأزمة متعدّدة الأشكال والمصادر، فمنها ما هو إجتماعي وإقتصادي وصحي.

في قراءة تحليلية سريعة للواقع اللبناني، يتبيّن جليًا سُبُل مقوّمات العيش التي يعتمدها الشعب اللبناني والتي تساعده على الصمود في وجه الأزمات الاقتصادية الحادّة، حيث تتمثّل، بالدرجة الاولى، بالإدخار المالي والتموين الغذائي وغيرهما.

  • ثقافة الإدخار، اعتمدها اللبناني في ظل تخلّي المؤسسات العامّة عن دورها الحمائي للمواطنين العاديين، كما في ظل غياب أبسط التقديمات الرعائية الصحية أو الإجتماعية وغيرها… فهو يسعى دومّا الى إدخار جزء ولو بسيط من مدخوله المالي، عملًا بالقول القائل “خبّي قرشك الأبيض ليومك الأسود”، من أجل إستخدامه حيث تدعو الحاجة.
  • ثقافة التموين الغذائي، اعتمدها اللبناني منذ القدم وأورثها للأجيال اللاحقة، حيث تؤمن له الطعام في الأوقات العجاف. تجدر الإشارة هنا، إلى أن الشعب اللبناني إعتاد على إعداد المؤونة بكافة أصنافها حتى في خضم الأزمات نجد أن اللبناني ينهمك في إعداد ما تيسّر من مواد غذائية تدخل ضمن فئة “المؤونة الغذائية”. هذه المؤونة هي البُعد الاستراتيجي للأمن الغذائي الأسري.
  • ثقافة العونة، التي اتّصف بها المجتمع اللبناني بكافة تلاوينه، وتتمثّل بالتكافل والتضامن والمساعدة في مواجهة الصعاب والمشاكل والأزمات على اختلافها. “فالله عزّ وجلّ أوصى بسابع جار” كما يقال! لذلك نجد أن الشعب اللبناني يعكس صورة “العونة” بأبهى حللها وأرقاها. ونحن نستخدم هذا المفهوم هنا بصيغته المعاصرة والتي تتمثّل بالتكافل الاجتماعي والتضامن الإقتصادي والمساعدة المجتمعيّة التي تضمن توفير الخدمات لكافة السكان.
  • ثقافة التحويلات المالية، من سُبُل مواجهة الأزمات التي يستند إليها اللبناني، نذكر التحويلات المالية الخارجية والتي تأتيه بشكل متقطّع خلال السنة، وعادة ما تُرسل من الآباء أو الأبناء أو أشخاص مقرّبون من العائلة. ممّا لا شكّ فيه أن هذه التحويلات تساعد في حلّ جزء يسير من الأزمة المالية. ودأب المغتربون اللبنانيون على تحويل الأموال الى لبنان للمساعدة في مواجهة الأزمات، كما تحويل المساعدات العينيّة مثل الدواء والغذاء…

كل تلك الثقافات المتوارثة عبر الأجيال، جعلت من اللبنانيين مضرب المثل في المساندة وتضافر الجهود في تحمّل أعباء الكوارث بشكل جماعيّ، ودفعت بهم نحو لملمة جراحهم والاتجاه نحو الترميم والبناء والعودة إلى الحياة الطبيعية من جديد.

هذا على الصعيد الفردي، ولكن عندما تشتدّ الأزمة وتخرج عن السيطرة، لا بدّ وأن يكون هناك من مواجهة أقوى ومخطّط لها بشكل علمي دقيق، تساعد على الصمود والتصدّي للنتائج السلبية لتلك الأزمات. وهذا ما يطلق عليه “ادارة الازمة”، وما يفتقده حاليّا المجتمع اللبناني.

يبقى أن نشير إلى أن هناك أُسَر بدأت تعاني من ويلات تلك الأزمات، حيث نفد منها المال المُدّخر، ولم تعُد العونة والمعونة تكفي وتسدّ رمقها، وباتت الحاجة ملحّة لايجاد حلول جذريّة وسريعة لكل الأزمات المتراكمة.

الآن الشعب اللبناني في عين العاصفة، متروك لمصيره، يصارع بمفرده، يواجه مصيره المجهول، على أمل أن لا يعود خالي الوفاض! إنها معركة وجود!

بواسطة
* بقلم الأستاذة الدكتورة ليليان ديب دعيبس
المصدر
خاص Leb Economy

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى