أخبار لبنانابرز الاخبار

غلاف كغلاف الهدايا… والمضمون !!… من يُحاسب ؟

لتجول بين المدارس والحضانات في هذا البلد، عليك بثلاث طرق ولكل منها أجوبة متناقضة لأسئلتك، او واقع مغاير لسؤالك نفسه. فما يعرض على وسائل التواصل نتيجة اعتماد التسويق ليس هو الواقع الحقيقي الذي أخبرني عنه المعنيون الذين يشرحون لك الواقع المثالي بإسهاب، وسرعان ما ترتطم به في يوميات العمل المدرسي، فيعايش ابنك واقعا أقل بكثير من الشروحات المثالية الفضفاضة.

أجوبة الـ «ميديا»

ما ابهى الجولات على وسائل التواصل، فلقد لهجت في السنوات القليلة الأخيرة، معظم «الصروح» التربوية من مدارس وحضانات إلى استخدام الـ»ميديا» لتسويق نفسها في قالب يُسكب فيه من اللون ابهاه ومن المؤثرات الصوتية والمرئية أجملها، ومن الأنشطة أحلاها، ومن الحكم والتكنولوجيا والأطر… يضاف إليهم مضمون معد مسبقا لصفحاتها الإلكترونية web»» قد صاغه متخصص في التعليم، وضع في المضمون مثاليات الرؤية والمهمة بطريقة تتناسب مع الرؤى التعليمية وآخر صيحات الـ accreditation المعتمدة عالميا لتعطي صورة بهية من حيث المضمون التعليمي منهجا وسلوكا وعدة وعتادا وفريقا اداريا وتربويا ليخيل إليك أنك في إحدى بقاع الجنات التربوية.

أجوبة «غب الطلب»

من المعتاد ان يزور الأهل مدارس وحضانات أبنائهم، ليتحدثوا مع المسؤولين، ليتبينوا الأرض والواقع ومجرى الأمور سلوكيا وتربويا وتعليميا. الحقيقة المرة أن الصورة الأولية المقدمة حينما يزور الأهل المدرسة والحضانة قبل التسجيل، تكون شرحا لواقع بهي تقدم فيه التربية والتعليم والمتابعة والراحة النفسية في قالب مثالي سرعان ما يتهالك هذا القالب مع انطلاقة العام.

فالواقع الربحي للمؤسسات التربوية الذي نقلها من مضمار التربية إلى مضمار الربح وتحقيق المداخيل العالية، جعل من الواقع الحقيقي مغايرا لما يسوّق له:

– أعداد هائلة من التلاميذ في الصف الواحد.

– أعداد هائلة من التلاميذ لمسؤول واحد.

– معلمون مجازون وذوو خبرة، يستعاض عنهم بمعلمين خريجين جدد او حتى قبل تخرجهم ليستلموا صفوفا ومواد لا خبرة ولا تدرج لهم فيها لأسباب مادية بحتة.

– تهالك المباني.

– الضغط النفسي لدى معلمين كثر نتيجة عدم كفاية معاشاتهم، فيتصرفون تلقائيا بعدم مسؤولية وباهتمام أقل وعصبية أكبر.

– «سياسة التطنيش»، وهي التي يعتمدها المعلمون حاليا نتيجة وقوعهم بين سندان الواقع المتردي ومطرقة الادارة، فيطالعك بعضهم ليقول، «اربط الحمار مطرح ما بدو صاحبو» بلا مبالاة كبيرة، وباستخفاف وغياب اندفاع كبير.

– غياب المحاسبة للبعض، ومحاسبة جائرة من قبل الادارة للبعض الآخر، ما يضع الأمور في خانة التمييز الجائر الذي يؤدي إلى ردود فعل سلبية .

– المحسوبيات.

– القرارات العبثية الكيدية، وادارات كيدية غير مسؤولة وغير فاعلة.

– تسويق الصورة: على سبيل المثال، تلجا بعض المدارس إلى اعتماد التركيز على فعاليات انشطة ومحاضرات من اختصاصيين للتوجيه… والمفارقة أن اللب او الاستفادة والتطبيق أمر غير موجود البتة، إنما الهدف الاوحد من المحاضرة يكون الاعلان والاعلان فقط.

– مناهج المدارس نحو تحقيق النتائج الرسمية، بطرق غير تربوية، بحيث يتم التركيز على نوعية الاسئلة والتدريب عليها لضمان تحقيق نتائج تعلي سمعة المدرسة فيما تكون استفادة التلميذ من المنظار التربوي والتعليمي التنموي صفرا….

– سياسة «الشطارة» التي تنتقل عبر التسلسل الهرمي نزولا، فساد في الوزارة، فساد في الادارة، فساد لدى بعض المعلمين والموظفين، فساد لدى بعض الاهل والتلاميذ ما يجعل الاطار مزرعيا بامتياز، بحر مصلحي يأكل فيه السمك الكبير السمك الصغير و»الشاطر بشطارتو».

يطول الحديث عن هذا الشق بتفاصيل حياة يومية، حيث يتم تجرع الابناء سمّ التجار وسمّ غياب القانون وسمّ غياب الضمير على الصعيدين التربوي والنفسي، فمن يحاسب؟ لا أحد.

مثال عن الحضانات

ظهر في الاسابيع المنصرمة، مثل صارخ لغياب المهنية والمتابعة والمسؤولية في إحدى الحضانات، والتي تسببت بتعرض طفل على يد طفل آخر أكبر منه إلى الضرب المبرح لفترة غير قليلة، فيما غاب المسؤولون عن الاشراف والانتباه.

يمكن وضع هذا الحادث في خانة التعذيب الذي تعرض له طفل أعزل، فتأذى جسديا، وكاد أن يفقد عينه ربما، او ان الأقدار شاءت ألا يتعرض لنزيف حاد، او أن يتلقى ضربة قاتلة.

وعلى المقلب الآخر، فقد تعرض الطفل لحادث نفسي صعب، سيشكل له «تروما» حصرا لسنين لاحقة، لن يتبين للكل أثرها إلا حينما يكبر وتواجهه التجارب، فتظهر الردود التفاعلية النفسية لديه، إن لم يعالج بطريقة صحيحة، «هذا إن كان العلاج فاعلا بنسة عالية».

وأما الأهل، فهو الشعور بالغضب والمرارة، بحيث أن ثقتهم وأموالهم لم تفلح في الحفاظ على امان وسلامة ابنهم، فيلازمهم وجع القلب والضمير الذي وضعهم بين مشقة العمل لتأمين حاجات طفلهم ومشقة تعريض طفلهم لهذا الحادث الأليم المؤذي على أكثر من صعيد.

عمدت وزارة التربية إلى إقفال الحضانة واتخذت إجراءات… إنما السؤال اين القانون؟ اين المسؤولية الاستباقية؟ من يعوض هذا الطفل وأهله وضعهم النفسي؟ ما الذي كان يمر ويمر دون أن يترك كدمات لتفضح حدوث الاهمال؟ ماذا لو تسبب هذا الإهمال بنتائج كارثية أكبر؟ أي تعويض سينفع حينئذ؟

لا شك في ان وزارة الصحة ووزارة التربية مجتمعتين تتحملان مسؤولية الاتي: هل تتم مراقبة التراخيص؟ هل هناك مشرفون متابعون من قبلهما؟ هل يتم التأكد من عدد العاملين في الحضانات؟ هل يتم التأكد من كفاءاتهم النفسية والعصبية والعلمية؟ أم أن التراخيص تعطى لمرة واحدة، وتترك الامور لضمائر القيمين الذين يطيعون الواقع ليلائم الواقع الاقتصادي؟ أين الأمان الصحي، التعاملي، الغذاء ورقابته، سلامة المحيط، التدفئة، فريق العمل، العدد، كفاءة القيمين والرقابة المستمرة… في هذا الشق حدّث ولا حرج.

المدارس

في ظل الأعداد الهائلة في الصفوف والملاعب، هل هناك من يجيب؟ اين القانون الذي يحدد العدد الصحي والمنطقي للتلاميذ في الصفوف والملاعب؟ أين قانون السلامة التربوية والنفسية للتلاميذ؟ في صف يحتوي على ما يفوق الثلاثين من الطلاب؟ ما هي قدرة الاستاذ «الذي يعاني وضع قهري، او انعدام كفاءة أو حشو المناهج وضغط الادارات» … أن يتاكد من حصول كل طالب على حقه من المعلومة، بحيث يفهمها، ويسأل ويجرب و…؟

في صف يحتوي على ما يفوق الثلاثين من الطلاب، ما قدرة أستاذ أن يضمن سلامة الكل من التعرض للأذى من زميل، إن كان نفسيا او جسديا طفيفا؟ ما قدرة الناظر أن يتأكد من سلامة جموع ، من انضباط جموع كبيرة من أعمار مختلفة ودقيقة غابت عن التعليم الحضوري والانضباط سنتين متتاليتين وهو جيل يتعرض لكل أنواع الجرف التكنولوجي ووسائل التواصل والتمييز الاقتصادي والاجتماعي في واقع صعب؟

الحقيقة أن الطلاب، يتعرضون يوميا بغالبيتهم لهذه الأنواع من المضايقات، بحيث لا يجدون أنهم يعطون الوقت الكافي ليفهموا ويسألوا ويعرفوا… قبل ان يمتحنوا، فيما لا يجد البعض بيئة يحمي نفسه فيها من التنمر او المضايقة لخجل يمنعه من التعبير، ولنتائج ما بعد الشكوى التي تجعل من شكواه ندما يرى نتائجه في تفاقم عداء من آذاه من التلاميذ، أو لغياب الأذن الصاغية، أو لعدم جدية من يتابعون فيملون بسرعة وعليه بالتالي تخليص نفسه بنفسه، في واقع أقل ما يقال فيه انه مزرعي بامتياز، فاسد بجدارة نعلم كل العلم أن هذا الوطن ممتلىء بالكفاءات التي إن فعلت أنتجت.

الجميع يعلم أنه لا يمكن بناء وطن دون بناء أجياله، فلتكن الصرخة صرخة وعي يقوم بها الواعون من الجسم التعليمي أساتذة وموظفين وأهل وتلاميذ، توضع فيه الأمور في نصابها، ولتبدأ من الإضاءة على كل العوائق والهفوات والمشاكل، على درب جلجلة طبعا، ولكن لا سبيل من دونه لنقل الواقع من مزرعي إلى تربوي. وهذا يحدث بتظافر جهود الكل، الكل دون استثناء للإضاءة على المشاكل وتعرضها للضوء والمساءلة للوصول إلى الحل. فمن يجرؤ؟

بواسطة
ريان الينطاني
المصدر
الديار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى