أخبار لبنانابرز الاخبار

بري غير المقتنع «بالطبخة» : «شو منخترع» زعامات؟(الديار 3 حزيران)

كتب ابراهيم ناصرالدين في “الديار”:

حرب البيانات المستعرة بين طرفي تشكيل الحكومة يكشف حجم الهوة الكبيرة غير القابلة للردم بين تياري «المستقبل» «والوطني الحر»، طبعا مرحليا، فالطرفان يحتاجان الى شد العصب المذهبي والطائفي في معركة «مهزومين» اثنين، باسيل والحريري. الرجلان يحاولان ضمان مستقبلهما السياسي، ولا شيء آخر، وعندما يحصلان على مرادهما ستعود «المياه» الى «مجاريها» كما حصل سابقا، وبأسم الشعار الكاذب المسمّى المصلحة الوطنية العليا، سيعود الطرفان الى زواج المصلحة، ولن تكون خسائره اقل كارثية عما يتكبده اللبنانييون اليوم.

ووفقا لمصادر سياسية مطلعة، سئل رئيس مجلس النواب نبيه بري من قبل زواره عن رهاناته بعدما اعاد تشغيل محركاته الحكومية، وعما اذا كان مقتنعا بنجاح هذه «الطبخة» في ادارة البلاد بغياب «الكيمياء» بين عون والحريري، فكانت اجاباته معبّرة، حيث اكد انه يدرك جيدا «ان من جرب المجرب كان عقلوا مخرب» لكن ما العمل اذا ما في «بالميدان الا حديدان»، واضاف «شو منخترع زعامات، هيدا الموجود».. وعما اذا كان نادما على استعجاله في اسقاط حكومة دياب، وتعليقه الآمال على قدرة الحريري على التشكيل سريعا، اكتفى بالقول «في فمي ماء»..

هذا الكلام المنقول عن رئيس المجلس يعكس عمق الازمة الراهنة، وهو عندما يقول ان المشكلة داخلية، فهو يعبّر على نحو موارب عن حقيقة المشكلة، والتي تتمثل بمأزق مشترك لدى الحريري وباسيل اللذان يُشبهان غريقان في البحر يُحاولان النجاة، ويعتقد كل واحد منهما ان غرق الآخر قد يؤدي الى انقاذه..لكن لا يوجد احد اليوم داخليا اوخارجيا يمكن ان يمنحهما اي ضمانة حول مستقبلهما السياسي، ولهذا يظنان انهما يعيشان «ازمة» وجودية تتعلق بمستقبلهما السياسي، ويخوضان صراعا مفتوحا لا يتعلق بمصالح المسيحيين او السنة، وانما بكيفية البقاء على «قيد الحياة» سياسيا، وعندما يحصلان على تلك الضمانات يمكن جمع الطرفين في الحكم على طاولة واحدة، وستسقط حينها الخلافات على الحصص الوزارية وتفسير الدستور، والتعدي على الصلاحيات.

وفي محاولة لشرح مأزق كلا الرجلين، تلفت اوساط نيابية بارزة الى ان المشكلة لديهما شقين، الاول خارجي والثاني داخلي، فالحريري يعاني من حالة ضعف لا احد ينكرها في الشارع السني، بعدما اخفق في رهاناته على تسويات يرى فيها جمهوره بانها كانت خاسرة، سواء «المساكنة» مع حزب الله او الشراكة مع العهد، وهو يعاني من شح الاموال في مواجهة منافس من «داخل البيت»، فشقيقه بهاء اكمل عدته الاعلامية للمواجهة المرتقبة، كما تعمل مؤسساته على الارض على نحو فاعل و»تملأ فراغ» «المستقبل»، فيما خرج من تحت عباءته كلا من النائب نهاد المشنوق والمدير العام السابق لقوى الامن الداخلي اللواء اشرف ريفي، وثمة تكتلات سياسية تقضم من «شارعه»، ولهذا يعيش حالة من القلق المشروع، وهذا ما يضع التهويل باستقالة كتلته من البرلمان في اطار «النكتة السمجة»، كونه غير مستعد لهذه الخطوة التي ستصبح ممكنة مع تقدم الوقت بحيث تستخدم قبيل وقت معقول من موعد الاستحقاق..

اما خارجيا، فمعاناة الحريري اسوأ، حيث فقد الدعم الفرنسي، وكل دعم عربي وخليجي، العلاقة مع مصر لا يمكن صرفها، فالسعودية وحدها قادرة على تشكيل رافعة لحياته السياسية، لكن المفارقة ان الرياض تخلت عنه وهي تتودد اليوم «لعدوه» الرئيس السوري بشار الاسد، كما لايران، وهو بات مدركا انه خارج حساباتها ومعه كل القيادات السنية التي جُربت في «السلم» «والحرب» وسببت خيبة امل للمملكة..

وللمفارقة لا يملك الحريري اليوم الا دعم «الثنائي الشيعي» المهدد بخسارته، ولهذا ثمة حيرة كبيرة في «بيت الوسط» تجعل الحريري مربكا في خياراته، فهو اذا اعتذر لا ضمانة بعودته بعد الانتخابات، اذا حصلت، الى موقعه كمرشح «طبيعي» لرئاسة الحكومة، ويكون بذلك قد خرج فعليا من الحياة السياسية، خصوصا اذا كانت نتائجه هزيلة انتخابيا، اما اقدامه على تشكيل الحكومة، فتحمل مخاطر كبيرة لجهة «كرة النار» الاقتصادية التي ستنفجر في وجهه وستؤدي حكما الى خروجه من «الباب الصغير» شعبيا، لان الاجراءات القاسية المطلوبة لن تجد اي صدى ايجابي في كل «الشوارع»، ولهذا فهو يبحث عن ضمانات غير متاحة، ولهذا فان اي من خياراته ستكون «مغامرة» لكنه مضطر لحسم موقفه…

في المقابل، لا يبدو «مأزق» باسيل اقل وطأة، فهو متهم بالتسبب باضعاف العهد «وافلاسه»، بعدما ادت رهاناته وتحالفاته وحب «الانا» الى ضرب التيار الوطني الحر، اما سقوط التسوية مع الحريري، «والمناكفات» مع الرئيس بري، والنائب السابق وليد جنبلاط، «والانقلاب» على «اتفاق معراب»، فجعلته وحيدا دون اي دعم داخلي. اما افشال مهمة «الاصلاح والتغيير» التي وعد بها الرئيس ميشال عون، فتقع على عاتقه بعدما فرض اجندته على بعبدا تحت عنوان استعادة حقوق المسيحيين التي حوّلته الى «شريك» مضارب في تقاسم مغانم الدولة وفسادها، ويكفي الفشل في ملف الكهرباء دليلا على الاخفاق، وسواء كان مشاركا في صفقات البواخر والتلزيمات او كان «بريئا»، فهو متورط حتى يثبت العكس، وفي لبنان «الانطباع» يبقى اقوى من «الحقيقة»، وطالما لا توجد كهرباء سيبقى هذا «العار» يلاحقه الى آخر مسيرته السياسية..

اما الطامة الكبرى بالنسبة لباسيل فهي تبخر «الحلم» الرئاسي خارجيا، فهو فشل في «لعبة» التذاكي مع واشنطن، ودفع ثمن «التملق» اثر محاولته الجمع بين واشنطن وحزب الله في «منزل» واحد، فتعرض لعقوبات اميركية بتهمة الفساد، جعلته على قائمة المرشحين المستبعدين في اي تسوية ايرانية- اميركية، اما داخليا، فلم يعد لديه اي صديق يمكن الركون اليه بعدما نجح في استعداء الجميع دون استثناء، اما حزب الله فلم يمنحه وعدا بالرئاسة، كما حصل من قبل مع الرئيس عون، لاسباب كثيرة يبقى اهمها ان باسيل ليس الجنرال عون، وهذه نقطة جوهرية لها ابعادها السياسية والشخصية، وقد تعلمت قيادة الحزب من التجارب «المؤلمة» بان تترك الامور لمواقيتها، وعندها «يبنى على الشيء مقتضاه»..؟

طبعا هذه المعادلة تجعل باسيل «مذعورا» حيال مستقبله السياسي، وهو يعرف ان المنافسة مع «القوات اللبنانية» ستكون «قاسية» مسيحيا، ولهذا يعمد الى رفع سقف شروطه الحكومية للامساك بقرار السلطة التنفيذية، التي ربما تكون مسؤولة عن فراغ المؤسسات المحتمل اذا لم تحصل الاستحقاقات الانتخابية، يحتاج الى شد عصب جمهوره بمعركة مفتوحة مع الحريري، ولذلك فان الاستقالة من مجلس النواب تبقى خيارا لكن بتوقيت محسوب لكسب «الشارع» المأزوم..

وفي الخلاصة، الصراع المحتدم ليس على كيفية ادارة عملية انقاذ للوضع الاقتصادي المهترىء، وهو ليس خلافا على اختيار الاسمين المسيحيين في الحكومة ،انها معركة الحصول على ضمانات شخصية لرجلين «مأزومين» يبحثان عن مستقبلهما السياسي بعدما اخفقا، ولا يريدان ان يدفعا «الثمن»، اما «ولادة» الحكومة الموعودة من عدمه، فيتوقف على حساباتهما الشخصية، فعندما يصل اي منهما الى قناعة بان التشكيل هو الخيار الاقل سوءا، ستتبدد كل الشعارات وسنعود الى لعبة «المساكنة»، وفي حال العكس، لن تبصر الحكومة «النور»، وستكون البلاد امام صراع مفتوح، وانهيار محتوم، خدمة لمنازلة شخصية سيكون وقودها كل المواطنين بعضهم مغلوب على امره، اما غالبيتهم «الجائعة» فستكون شريكة في»لعبة» التعبئة الطائفية المقززة..!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى