خصخصة مرافق الدولة وبيع أصولها: “سبق السيف العذل”!

كتبت سلوى بعلبكي في “النهار “:
يقبع لبنان منذ سنة تقريبا في مربّع عدم الاستقرار النقدي والاقتصادي. فالانهيار الذي اجتاح كل القطاعات بفعل تدهور سعر الليرة وخروج المصارف عن دورها، أعادا الى الواجهة بصورة ملحّة طرح بيع اصول الدولة واملاكها وخصخصة مرافقها. ولكن التوجه نحو الخصخصة كجزء من برنامج انقاذ الاقتصاد اللبناني وتطوير ادواته لا ينفي أن بعض المؤسسات الموضوعة على جدول التخصيص تعمل بذهنية القطاع الخاص، وحققت نجاحات لافتة منذ اعادة اطلاقها بعد الحرب، ورفدت ميزانية الدولة بمئات الملايين من الدولارات، وكان بعضها نموذجا ساهم في محو صورة ان الدولة مدير فاشل ولا تؤتمن ببيروقراطيتها ومحاصصاتها على ادارة الخدمات العامة.
مشروع الخصخصة ليس جديدا، لذلك كان إنشاء المجلس الاعلى للخصخصة الذي انجز دراسات وخططاً ذات صلة، لكنها قبعت في ادراج المسؤولين كالعادة بسبب المناكفات والمزايدات السياسية. اليوم استفاق بعض السلطة في بحثه عن وسائل للخروج من الانهيار، وبدأ البحث في الآليات المفترضة والجدوى والمردود الاقتصادي والقيمة المادية للمرافق المستهدفة بالتخصيص. لكن العالِمين بأسعار السوق والعارفين بأحوال البلد ومستقبله القاتم باتوا مقتنعين بأن الدولة تأخرت كثيرا في اتخاذ هذه الخطوة النوعية، إذ “سبق السيف العذل” وما عادت أحلام المردود المبتغى من مشاريع التخصيص ممكنة التحقق في بلد نسبة الاستثمار فيه حاليا تعادل الصفر، ومصارفه متوقفة، ناهيك بالفراغات المتتالية في الحكومة والرئاسة وغياب الاستقرار السياسي والنقدي وشبه مقاطعة عربية ودولية سياسية واقتصادية للبنان.
“الميدل إيست”: مليار دولار
على رغم ان “الميدل ايست” هي شركة تجارية خاصة وليست من املاك الدولة اللبنانية، وهي اصلا تدار من القطاع الخاص وفق ما يقول رئيس مجلس ادارتها محمد الحوت، إلا أن اي قرار للبيع سيتخذ في شأنها، سيكون عبر طرح اسهمها في البورصة أو ما يعرف بالـ IPO، معتبرا أن التقديرات التي تتحدث عن 740 مليون دولار كسعر للشركة، هي تقديرات غير واقعية ولا تنمّ عن دراسة معمقة لأن قيمة الموجودات الصافية للشركة بعد اقفال الالتزامات المتوجبة عليها، تقدر بنحو مليار دولار، مع الاخذ في الاعتبار ان “ارباح “الميدل ايست” كانت تقدَّر بما بين 85 و90 مليون دولار سنويا على مدى السنوات الخمس الماضية اي قبل تفشي “كورونا” والازمة الاقتصادية. ومع انها ليست المرة الاولى يثار موضوع بيع اسهم “الميدل ايست” أو خصخصتها، إلا ان الحوت نبه الى ان طرح بيع أصول الشركة يجب أن يترافق مع ظروف ملائمة في الاسواق، حتى لا يحصل كما حصل في الدول الشيوعية عندما بيعت ممتلكاتها بأبخس الاسعار!
أما في ما يتعلق بالاسعار التي ستنخفض وفق ما يشاع على اعتبار ان”الحماية التي تحظى بها الشركة ستزول”، يقول الحوت: “أصلاً “الميدل ايست” لا تتمتع بالحماية على الاطلاق، وتخضع للمنافسة مع نحو 30 شركة طيران تتعامل مع مطار بيروت وبينها اكبر الشركات العالمية”.
واذا كان بيع اسهم مصرف لبنان في الشركة بحاجة الى تغطية سياسية، إلا أن قرار عملية البيع يتخذه المجلس المركزي لمصرف لبنان، وتاليا يقول الحوت: “لسنا بحاجة الى قانون أو قرار من مجلس الوزراء لأن الشركة هي شركة خاصة”، إلا انه عاد وسأل: “هل الوقت مناسب حاليا لعملية البيع، فيما تقدَّر الفوائد عالميا بـ 1%؟”.
“الريجي”: الوقت ليس مناسباً
في معرض الكلام المتداول أخيرا حول خصخصة بعض القطاعات العائدة للدولة، وبعدما أُدرجت ادارة حصر التبغ كإحدى المؤسسات المطروحة في هذا السياق، يوضح رئيس مجلس ادارة حصر التبغ والتنباك “الريجي” ناصيف سقلاوي ان “ادارة حصر التبغ رفدت الخزينة بمليارات الدولارات خلال السنوات العشرين الأخيرة بعدما عملت جاهدة على زيادة انتاجها وترشيق ادارتها عبر اعادة الهيكلة وخفض الفريق العامل، وهي خطوات لم تحذُ حذوها القطاعات التي من المفترض ان تتوجه الأنظار الى خصخصتها بفعل العجز الذي تشكله على خزينة الدولة، او بفعل انخفاض مردوديتها نتيجة تعثّر ادائها وادارتها”.
من حيث المبدأ، يعتبر سقلاوي ان قرار خصخصة ادارة الحصر هو قرار سياسي بامتياز مرتبط بالحكومة ومجلس النواب، ولا يتعلق بقرار المؤسسة المعنية. وفي الحديث عن القيمة التقديرية لخصخصة ادارة الحصر كما وردت في دراسة الجامعة الأميركية، و”بالرغم من عدم ايداعنا نسخة عنها للاطلاع على تفاصيلها، الا انه وللتوضيح فان ادارة الحصر تعمل اليوم في ظروف غير طبيعية تمر بها البلاد، خصوصا حيال ما يتعلق بضبط الحدود والمساهمة في الحد من التهريب، وهي تشكل عائقا يمنع الادارة من تطبيق خططها الاستراتيجية حيال رفع اسعار السجائر التي هي الأرخص على مستوى المنطقة، وتاليا زيادة مردوديتها”.
أمام هذا الواقع، يرى سقلاوي أن “من المستحسن التحدث عن الخصخصة حين ترتكز ارقامها على ظروف مؤاتية لعمل المؤسسات في ظل بسط الدولة سيادتها على مرافقها كافة ومساهمتها الفعالة في مكافحة التهريب، والتي في ظلها ترتفع القيمة المالية لإدارة الحصر أضعاف الارقام التي تم تداولها استنادا الى دراسة الجامعة الاميركية”.
الكازينو: أين الدراسات لقطاع “الميسر”؟
لا يحبذ رئيس مجلس ادارة الكازينو رولان خوري الدخول في موضوع الخصخصة والجدوى منها بشكل عام من دون أن تكون ثمة دراسات معمقة بهذا الاطار… لكنه يورد ملاحظات عدة بجب أخذها في الاعتبار عند الحديث عن الكازينو أو خصخصته. أولاها أن الكازينو يملكه عدد من المساهمين بينهم “انترا وشركات ومصارف ومساهمون عاديون، وتاليا يمكن ان نعتبر ان الكازينو مخصخص نوعا ما ولديه امتياز من الدولة. ويسأل في حال تم خصخصة الكازينو بشكل كامل، هل يمكن أي جهة ان تدفع للدولة كما هي الحال اليوم، اي 50% من ايراداته؟ كما يسأل: هل وُضعت خطة لألعاب الميسر في لبنان، وهل من نية لفتح فروع لـلكازينو في كل المناطق؟ واستغرب الحديث عن خصخصة الكازينو “من دون أن يكلف احد نفسه الاتصال بالإدارة، علما اننا وضعنا خطة متكاملة عن كيفية ادارة ألعاب الميسر وكيفية استقطاب اللاعبين الكبار الى منطقة الكازينو”.
التحضير للخصخصة
لا يرى الامين العام السابق للمجلس الأعلى للخصخصة زياد حايك ان الوقت مناسب للخصخصة، خصوصا في هذه المرحلة تحديدا حيث لا قيمة مادية للمؤسسات التابعة للدولة. ويعتبر انه “ليس بهذه الطريقة يصار الى اطلاق الخصخصة، إذ يجب تحضير الملفات الخاصة بالخصخصة والشركات التي ستتم خصخصتها والدراسات اللازمة ومراقبة وضع الاسواق وتقييمها، ومن ثم اطلاق العملية في الوقت المناسب، أي على الاقل يحتاج التحضير لعملية الخصخصة الى سنة أو أكثر”.
ويقترح وضع اصول الدولة في صندوق ائتماني لمدة 10 سنوات، وعند الوقت المناسب تطرح للخصخصة، إذ يجب على الحكومة إصدار تشريع لإنشاء صندوق إئتماني (“الصندوق الإئتماني” أو Lebanon Asset Trust)، والذي سيحتوي على 25 مليار دولار من أصول الدولة الرئيسية (باستثناء النفط والغاز والذهب) وهي: اوجيرو وشبكات الخليوي، طيران الشرق الاوسط والشركات التابعة لها، نشاطات التوليد والتوزيع لدى مؤسسة كهرباء لبنان، كازينو لبنان، ريجي التبغ والتنباك، واصول عقارية.
الغرض من إنشاء هذا الصندوق هو منع خسائر النظام المصرفي التي من شأنها إفلاس البنوك في حال توجبت تغطيتها على الفور، علما ان المصارف لا تصبح مالكة لأصول الدولة ولا المودعين. وسيكون الملّاك النهائيون لأصول الدولة مستثمرين يشاركون في مزايدات الخصخصة، فيما لن يتمكن أي بنك أو مودع من امتلاك أكثر من 2٪ من أيّ من أصول الدولة لدى خصخصتها.
وسيتم تقييم قيمة الأصول التي ساهمت بها الدولة في LAT بشكل مبدئي من شركتين متخصصتين دوليتين كبيرتين، وستقوم LAT بإصدار شهادات الإئتمان (Trust Certificates or TCs) التي قد تكون قابلة للتحويل في ظل ظروف معينة لحاملي شهادات الايداع المصرفية لمدة 10 سنوات، ولكنها ليست قابلة للتداول ولا تتلقى أي أرباح لمدة 5 سنوات على الأقل.
سيتبادل مصرف لبنان 36 تريليون ليرة لبنانية من سندات الخزينة (ما يعادل 24 مليار دولار بسعر 1507.5 ليرات لبنانية/ دولار) مقابل 24 مليار دولار من شهادات الائتمان، ومليار دولار من أصوله (شركة طيران الشرق الأوسط، كازينو، عقارات،…) مقابل مليار دولار من شهادات إئتمان إضافية. يقوم مصرف لبنان بخفض دينه بالعملات الأجنبية بمقدار 25 مليار دولار من خلال تبادل شهادات الائتمان المكتسبة مقابل 23 مليار دولار من شهادات الايداع التي أصدرها للبنوك، اضافة إلى ملياري دولار من الأموال غير المقيدة المقدمة من البنوك. وبهذه الحالة تؤكد الدراسة أن الجميع سيكون رابحا، وستحافظ البنوك على ميزانياتها العمومية فيما يقلل مصرف لبنان انكشافه على الدولار، وتخفض الدولة ديونها بمقدار 24 مليار دولار.
مهمة الصندوق وطريقة عمله؟
يجب أن يكون القيّم على الصندوق مؤسسة إئتمانية مهنية دولية تحظى باحترام كبير، ومهمته إدارة جميع الأصول المؤتمن عليها بهدف تحسين قيمتها، وخصخصتها في غضون 10 سنوات.
وينبغي أن يشرف الصندوق على عملية إعادة هيكلة وخصخصة المؤسسات المملوكة للدولة، بما في ذلك اختيار المستشارين التقنيين والماليين والقانونيين والمستثمرين الاستراتيجيين، على ان تتم خصخصة الشركات المملوكة للدولة عن طريق الاكتتابات العامة الأولية في بورصة بيروت (وربما في الوقت عينه في بورصات اخرى).
وقبل الاكتتاب العام الأولي، يتم إجراء عملية شفافة ومناسبة لاختيار مستثمر استراتيجي يتمتع باحترام كبير من ذوي الخبرة والمعرفة الفنية والقدرات الإدارية لدفع الكيان المخصخص إلى تحقيق نجاح أكبر. وتحدد حصة الأسهم التي ستخصخص للشريك الاستراتيجي في وقت الاكتتاب العام الأولي، على ان لا تتجاوز 40%.



