أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

50 دولاراً شهرياً لكل مواطن… اقتراح بطاقة تمويلية بهدف ترشيد الدعم

كتب موريس متى في “النهار”:

خرج رئيس الاتحاد العمّالي العام الدكتور بشارة الأسمر مطلع الأسبوع، معلناً تعليق الإضراب العام الشامل الذي كان مقرراً الأربعاء، احتجاجاً على مجمل الوضع المعيشي والاقتصادي وطرق معالجة الحكومة المستقيلة ووزرائها له، والتعثر المتزايد في تشكيل حكومة جديدة، ليؤكد الأسمر متابعة ملاحقة كل القضايا المعيشية والاقتصادية مع المراجع المتخصصة من وزراء معنيين وكتل نيابية ومسؤولين، واتخاذ القرارات المناسبة.

قرار الأسمر أتى بعد تلقيه اتصالاً من رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب، وتأكيده حرص الحكومة على إيجاد الحلول المناسبة لملفّ رفع الدعم، على أن لا تمسّ هذه الآلية الطبقات الفقيرة والمتوسطة، مع تعديل في الآليات بحيث يصل الدعم إلى مستحقّيه. يرفض الاتحاد العمالي العامّ رفع الدعم عن الطحين والقمح، وكذلك عدم تصنيف الطحين بين ما هو مخصّص لصناعة الرغيف أو للمناقيش وسواهما من المشتقات، مع ضرورة عدم المسّ بدعم الدواء والأولويات. أما وزير الاقتصاد والتجارة في حكومة تصريف الأعمال راؤول نعمة، وبعد أسابيع من العمل، خرج بمشروع متكامل مع فريق عمل الوزارة، يهدف إلى استبدال الدعم بتعويضات نقدية للعدد الأكبر من المواطنين اللبنانيين. ينطلق نعمة في مقاربته مما آلت إليه الأمور بشأن الأزمة الاقتصادية والمعيشية، توازياً مع استحالة الاستمرار بتطبيق سياسة الدعم الحالية، إذ يستنزف دعم مصرف لبنان بالعملات الأجنبية أي للواردات والموادّ الأساسية والحاجات الحكومية، نحو 550 مليون دولار شهرياً من احتياطي مصرف لبنان من العملات الأجنبية، ما يراكم خسائر اقتصادية بقيمة نحو 400 مليون دولار.

بالرغم من أنّ سياسة الدعم الحالية ساعدت بالحدّ من الارتفاع الكبير في أسعار المنتجات المدعومة ودعمت القدرة الشرائية للمواطنين، فسلبيات هذه السياسة كثيرة بحسب مقاربة نعمة، لناحية استنزاف وهدر المال العام توازياً مع انخفاض احتياطي مصرف لبنان وارتفاع حجم التهريب، فيما يستفيد من هذا النوع من الدعم جزء كبير من الميسورين والتجّار، بدل توجيه الدعم للفقراء بشكل محدد.

تشير أرقام الدراسة التي وضعتها وزارة الاقتصاد والتجارة إلى أنّ 6% فقط من دعم البنزين يحصل عليه الربع الأفقر من السكّان، فيما يحصل الميسورون على 55% من إجمالي الدعم. كما أنّ التحكم في أسعار الموادّ المدعومة غير فعّال كلياً، فيما يستفيد من هذا الدعم أيضاً الأجانب المقيمون في لبنان، بالإضافة إلى موظفين في المنظمات الدولية والسفارات.

أما التأثير على الاقتصاد ككلّ، فتشير الخطّة إلى أنه إذا توقف أو خفض مصرف لبنان ضخّ العملات الأجنبية لتمويل الدعم لوقف نزف الاحتياطي وعدم المسّ بالاحتياطي الإلزامي، يسهم هذا الأمر في رفع الطلب على الدولار في الأسواق ما يؤدي إلى خفض أو تدهور سعر صرف الليرة أكثر، توازياً مع ارتفاع الأسعار وما ينتج عنه من كارثة اجتماعية.

ونتيجةً لذلك، يرى نعمة في خطّته أن لا خيار سوى أن يستمر مصرف لبنان بتقديم الدولارات لحين تشكيل حكومة جديدة، توقّع على برنامج تمويلي مع صندوق النقد الدولي لتعزيز الاحتياطات الأجنبية لدى المركزي.

تؤكد الخطة استحالة الاستمرار باعتماد سياسة الدعم الحالية، لكونها غير منصفة وغير موجهة لمساعدة الأكثر حاجة، ما يحتّم أيضاً اعتماد برنامج بديل من دعم السلع مباشرة، يقوم على تعويضات نقدية تقدم بناءً على معايير دولية وتغطية واسعة.

يتطلّب البرنامج الذي يجري العمل على وضعه مع البنك الدولي، من كل مواطن لبناني مقيم في لبنان تقديم طلب للاستفادة من الدعم، لتُستثنى الفئات الميسورة أي 20% إلى 30% من الأسر اللبنانية، على أن يصل الدعم النقدي لما ما بين 70% إلى 80% من الأسر اللبنانية، ومنهم 50% حالياً تحت خط الفقر. بهذه الطريقة، سينخفض عدد الأفراد المستفيدين من الدعم حالياً فوراً من 6 ملايين إلى 3 ملايين مواطن لبناني، ما يخفض فاتورة الدعم بشكل قياسي. ومع الوقت وفي حال تنفيذ الإصلاحات وبدء التعافي الاقتصادي وتحسن القدرة الشرائية توازياً مع تحسين داتا قاعدة البيانات، يمكن خفض التغطية تدريجاً إلى 30% على مدى 5 سنوات متقاربة مع برنامج شبكة الأمان الاجتماعي الطبيعي.

ومن هنا، سيتم التعويض على الأسر اللبنانية بمبلغ من الدولارات ضمن معايير مدروسة، لرفع قدرتهم الشرائية ولتغطية كافة الحاجات الأساسية للعائلات الأكثر فقراً، وبإمكان كلّ أسرة أن تستخدم مبلغ التحويل النقدي بطريقة غير مشروطة لشراء أيّ نوع من السلع التي ترغب بها.

أما مبلغ الاستحقاق الشهري والتغطية المقترحة، وضمن الخطة المقترحة، فيحصل اللبنانيون الذين يتخطى عمرهم 23 عاماً على 50 دولاراً شهرياً في السنة الأولى من برنامج التعويضات، و40 دولاراً في السنتين الثانية والثالثة، و 30 دولاراً في العامين الرابع والخامس، فيما يحصل المواطنون الذين تقلّ أعمارهم عن 23 عاماً على نصف هذه المبالغ، لتنخفض التغطية تدريجاً من 80% في السنة الأولى إلى 70% فـ 60% فـ 45% فـ 30% للسنوات الأربع القادمة على التوالي.

أما نصيب الأسرة من الاستحقاقات كنسبة مئوية من الإنفاق، فيغطي مبلغ الدعم خلال السنة الأولى 101% من الحاجات الأساسية لـ 25% الأكثر فقراً من الأسر و41% من الربع الثالث، أي الطبقة المتوسطة سابقاً، حماية لقدرتهم الشرائية، لتنخفض هذه التغطية مع تحسّن الأوضاع الاقتصادية وتحسّن جودة قاعدة البيانات وزيادة الاستبعادات.

ما هي الخطوات؟

• الخطوة الأولى: استبدال الدعم الحالي لجميع الموادّ الغذائية الأساسية والخبز والمحروقات، ببرنامج التعويض النقدي مباشرة إلى المواطنين اللبنانيين، ليبقى الدعم لفيول كهرباء لبنان والأدوية.

• الخطوة الثانية: تعدّ الكهرباء ضرورية للشركات والمستهلكين، ومن هنا وحتى تنفيذ برنامج إصلاح مؤسسة كهرباء لبنان وتعديل التعرفة، يجب على مصرف لبنان مواصلة دعم شراء الفيول والمحروقات للمؤسسة.

• الخطوة الثالثة: استمرار دعم الأدوية والمستلزمات الطبّية، لأنّ أيّ برنامج جيّد طويل الأجل يتطلب إصلاحاً كاملاً للقطاع الطبي والاستشفائي، وفي هذا الوقت يجب مراجعة هذا الدعم وترشيده وتكييفه مع المعايير الدولية.

على سبيل المثال، ضرورة دعم 100% من الموادّ الخام لصناعة الأدوية والإمدادات للصناعة المحلية، والعمل على وضع آلية مراقبة خاصّة لضبط الأدوية واللوازم الطبّية المرتفعة القيمة لتجنّب التهريب وسوء الاستخدام. وكذلك يجب مراعاة المعايير الدولية لدعم الأدوية من حيث تغطية المضادّات الحيوية، وأدوية الأمراض المزمنة والمُستعصية بوصفة طبّية فقط. وكذلك إبقاء دعم سعر الجينيريك الأرخص للأدوية، ووقف العمل بالقانون الذي يسمح للأطباء بإجبار الصيدلية على بيع الأدوية غير الجينيريك.

نتائج اعتماد هذه الخطة

يسهم اعتماد هذا البرنامج، بحسب الخطّة الموضوعة من وزارة الاقتصاد في:

• وقف نزف الاحتياطات الأجنبية لدى مصرف لبنان
• خفض كلفة الدعم
• توفير كبير للاقتصاد
• خطوة إضافية نحو تنفيذ برنامج محتمل مع صندوق النقد الدولي، الذي لطالما نادى بتعديل آلية الدعم في لبنان.

مصادر تمويل هذا البرنامج

حالياً هي قروض شبكة الأمان الاجتماعي الطارئة من البنك الدولي، والمنح المقدمة من الاتحاد الأوروبي وألمانيا.

(300 مليون دولار) تغطي جزئياً 240 ألف أسرة، أي نحو 1.3 مليون لبناني يمثلون 32% من السكان. وبناءً على هذا البرنامج، يبقى من الضروري العمل على:

• استدراج مانحين آخرين.

• مصادقة مجلس النواب على الموازنة المُكّمِلة لتغطية الرصيد لاستكمال القروض والمنح من المجتمع الدولي لـ 240 ألف أسرة الأكثر فقراً، ولتغطية الأسر الأخرى بالكامل.

• توفير مصرف لبنان الدولار بالقيمة المصدّق عليها من مجلس النواب، وعلى سعر صرف 1507.5 ليرات للدولار.

فهذا البرنامج يخدم 700 ألف أسرة، بتكلفة تصل قيمتها إلى ما يقارب 1.5 مليار دولار في السنة الأولى، وبمتوسط تكلفة 800 مليون دولار سنوياً على مدار 5 سنوات. مع ملاحظة أن البرنامج المقدم إلى صندوق النقد الدولي، كان قد توقّع متوسط قيمة موازنة شبكة الأمان الاجتماعي عند 750 مليون دولار سنوياً.

وآلية دعم الأفراد تلحظ منح المبلغ الذي سيقدمه المجتمع الدولي بالعملة الأجنبية، ومنح المبلغ المقدم من خلال الموازنة التي سيعمل المجلس النيابي على إقرارها، ومن ثم يُقدَّم الدعم لربّ الأسرة بالدولار الأميركي من خلال بطاقة إلكترونية أو تطبيق على الهاتف، أو حساب مصرفي مخصّص لهذا البرنامج.

تشير خطة وزارة الاقتصاد إلى أن نتيجة اعتماد هذا البرنامج ستنعكس بنحو إيجابي على الاقتصاد، فالدولارات التي يقدمها مصرف لبنان ستعود بالضرورة إلى المركزي ما يوفر مجدداً عملة صعبة لتغطية الاستيراد. كما تؤكد الخطة، توازياً مع العمل بها، ضرورة تشكيل حكومة جديدة بأسرع وقت، والاتفاق مع صندوق النقد الدولي على برنامج تمويلي إنقاذي، والشروع فوراً بتنفيذ الإصلاحات المطلوبة، والأهم إقرار قانون الكابيتال كونترول لوقف نزف الدولارات الباقية إلى الخارج.

بواسطة
موريس متى
المصدر
النهار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى