زيارة ماكرون مفصلية… إلى دولة تتهاوى وتنهار!

كتب رضوان عقيل في”النهار”:
يحضر الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الى بيروت قبيل عيد الميلاد في وقت تفاقم انقسام الافرقاء السياسيين حيال تشكيل الحكومة المنتظرة التي تعمل باريس جاهدة على ولادتها بعد تفجير مرفأ بيروت واستقالة الرئيس حسان دياب. وتشكل الزيارة الثالثة لماكرون محطة مفصلية إذ بات رصيده الخارجي على المحك، فضلاً عن نظرة بلاده ومواطنيه الى ما يحصل في لبنان، وانه من غير المنطقي لرئيس دولة في حجم فرنسا وواحدة من أهم بلدان اوروبا وعضو في مجلس الأمن وصاحبة محطات تاريخية كبيرة في لبنان، ان يكون رأس هرمها السياسي غير قادر على التدخل ولو باجبار الجهات المحلية المعنية بدءاً من الرئيس ميشال عون والرئيس المكلف سعد الحريري على تأليف الحكومة. وقد تراجعت شعبية ماكرون في فرنسا الى أقل من اربعين في المئة، ومن حسن حظه ان الحزب الاشتراكي وانصار اليمين ليسوا في وضع جيد. وكانت صدرت اشارات من المانيا تدعوه الى دراسة الوضع اكثر في لبنان، وان برلين في النهاية تشكل العصب المالي في اي مؤتمر او مشروع في الشرق الأوسط، وتشكل مع باريس أيضا ثنائياً ايجابياً.
وتكمن المفارقة في ان اكثر المراجع باتوا يعتقدون ان البلد لم يعد قادرا على الصمود امام كل هذه التحديات. ولا يتوانى مسؤول كبير عن القول والاعتراف بأن “الدولة خربت”. ولذلك لم يعد امام ماكرون الا استعمال “العصا الفرنسية الغليظة” للدفع في اتجاه تشكيل حكومة على رغم كل ما وصلت اليه حقيقة الامور بعد تراشق البيانات والردود المتبادلة بين رئاسة الجمهورية و”بيت الوسط”.
وبات السؤال الذي يقلق اللبنانيين هو: كيف يمكن ان يتعايش عون والحريري الى نهاية العهد حتى لو شُكلت الحكومة، اذا كانا يتعاطيان بعضهما مع بعض بهذا الحجم من التنافر والتباعد، ولو كان الموضوع يتعلق بمستقبل بلد يعيش أهله من دون حكومة فعلية رغم كل التهديدات التي تواجههم؟ وثمة من يعتقد هنا ان حضور ماكرون وتفقّده وحدة بلاده في الناقورة واستمرار المسؤولين في لعبة عدم التجاوب معه، لن يمر مرور الكرام هذه المرة، مع ترجيح ان يقدم الرئيس الفرنسي على نعي مبادرته ودفنها. فالرجل لم يعد في إمكانه تحمّل كل هذه “الاخفاقات” بعد دروسه المُرة في لبنان. وعلى رغم العوائق التي تعترضه ثمة من يرى ان امامه فرصة اخيرة تقضي بان يفرض على عون والحريري والمعنيين بالتأليف إصدار مراسيم الحكومة قبل عودته الى باريس. واذا سُدت أفق الحل في وجه ماكرون فان بلاده ستتولى مع بلدان صديقة مساعدة اللبنانيين واطعامهم لئلا يبقى اكثرهم رهائن في ايدي الزعماء.
من جهته، يبدو ان الحريري قد فك صيامه عن الكلام بعد الرسالة التي قرأها في “النهار” ووصلته من الوزير السابق سليم جريصاتي. وسيقارب “تيار المستقبل” الرد بالرد والحجة بالحجة ولن يتراجع عن مواجهته المفتوحة لسياسات “التيار الوطني الحر”. ولم يعد الانقسام حكراً على الطبقة السياسية والحزبية، بل انتقل الى الجسم القضائي حيال مقاربة المحقق العدلي القاضي فادي صوان الذي ادعى على دياب وثلاثة وزراء سابقين. وما يجري تناقله على “غروبات” للقضاة يعكس حقيقة ما وصلت اليه الامور، حيث ان ثمة مجموعات تؤيد ما اتخذه زميلهم صوان، لكن آخرين لا يشاطرونه الرأي بل يرون ان الاجراء القضائي الذي اتخذه لم يراع المعايير القانونية المطلوبة، وان ما يحصل سيساهم في تكبيل المؤسسات. ولم يكن غريباً هنا دخول مجلس النواب على الخط وطلبه من صوان عبر النيابة العامة التمييزية، تزويده المستندات للسير بالملف من خلال البرلمان، ولا سيما في ما يتعلق بالنواب.
ويدور في الحلقات السياسية الضيقة كلام خطير من نوع ان الاجهزة القضائية لا تتعاطى بسواسية مع جميع من كانت له علاقة بملف تفجير المرفأ ووجود نيترات الامونيوم كل هذه السنوات في العنبر الرقم 12، وان الادعاء كان من نصيب ثلاثة مسلمين هم الرئيس دياب والنائبان علي حسن خليل وغازي زعيتر، اضافة الى الوزير السابق الماروني يوسف فنيانوس الذي لم تثر ضده ضجة كبيرة. واذا كان في حكم المؤكد ان دياب لن يستقبل صوان يوم الجمعة المقبل، إلا انه لم تتوضح كيفية حضور المحقق العدلي الى السرايا، واذا حضر سيأتيه الجواب ان “دولة الرئيس” ليس على السمع وغير موجود، وسيقوم الامين العام لمجلس الوزراء محمود مكية باستقباله اذا اصر صوان على الدخول.
جملة من الفِخاخ تداخلت في ما بينها، من التأخير في تأليف الحكومة الى ملف التحقيقات بتفجير المرفأ، الى انهيار كل المؤسسات والقطاعات، ليتأكد للبنانيين انهم يعيشون على ارض دولة فاشلة ومتسولة.



