ناصر الدين: التغطية الاستشفائيّة قد تصل إلى 250 مليون $

افتتح وزير الصحة العامة ركان ناصر الدين المؤتمر الطبي الجراحي الثاني في المركز الطبي ريمون وعايدة نجار في مستشفى مار يوسف الجامعي لراهبات الصليب، في فعالية تعكس رسالة الرهبنة القائمة على أفضل رعاية للمريض والإلتزام بالمعرفة والتعليم والإطلاع على مستجدات الطب وتبادل الخبرات ومناقشة الممارسات.
حضر حفل الافتتاح الرئيسة العامة لراهبات الصليب الأم ماري مخلوف ومجلس المدبرات، رئيسة مستشفى مار يوسف الأخت جان دارك غطاس، المديرة العامة للمستشفى الأخت جيهان خرياطي، نقيب أصحاب المستشفيات الخاصة بيار يارد، عميد كلية الطب في جامعة القديس يوسف البروفسور إيلي نمر، المدير الطبي لمستشفى مار يوسف البروفسور جورج نوفل، مستشار وزير الصحة العامة الدكتور جوزف الحلو، مدير العناية الطبية في الوزارة الدكتور برنار البيطار غانم، الى جانب عدد من أعضاء المجالس البلدية وحشد من الراهبات وأفراد عائلة مستشفى مار يوسف.
ناصر الدين: لمست عمق المحبة والتفاني في الخدمة في دير بونا يعقوب
إستهل الوزير ناصر الدين كلمته بحديث وجداني إستعاد فيه انطباعه لدى زيارته دير الصليب ومستشفى السيدة، مشيراً إلى أنه لمس خلال زيارته المؤسستين اللتين أنشأهما أبونا يعقوب عمق المحبة والتفاني في الخدمة؛ وتوقف عند وصية أبونا يعقوب “إخدموا المرضى وأنتم راكعون”، مضيفا أنها تعيده إلى الآية القرآنية التالية: “ولتجدنّ أقربهم مودة للّذين آمنوا الذين قالوا إنّا نصارى، ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون”.
وأكد الوزير ناصر الدين أن التواضع والإنسانية هما اللغة التي يحتاج إليها لبنان، معتبراً أن المحبة التي زرعها الرهبان والقسيسون ستبقى أقوى من الحروب والمصائب والأزمات، وأن هذه البركة تشكل حافزاً لمواصلة المسيرة.
وانتقل الوزير ناصر الدين إلى الواقع الصحي، مشدداً على أن مسؤولية وزارة الصحة العامة كبيرة، نظراً إلى تماسها اليومي المباشر مع المواطنين وكون أن الصحة لا تحتمل التأجيل. وقال إن الإنسان قد يجد بدائل لبعض الخدمات الأساسية، لكن لا يمكن مطالبته بالانتظار عند باب الطوارئ أو عندما يحتاج إلى الدواء.
وفي هذا السياق، أعرب عن عتبه لعدم إقرار قانون التغطية الصحية الشاملة في مجلس النواب، رغم إقراره في لجنة الصحة النيابية، لافتاً إلى أن القانون كان من شأنه تأمين التمويل اللازم لتغطية اللبنانيين الذين لا يستفيدون من أي جهة ضامنة. وأكد أن الأولوية يجب أن تكون لتأمين التمويل اللازم للخدمات الصحية، بعيداً من الاعتبارات التي حالت دون إقرار القانون والتي قد تكون السياسة إحدى جوانبها.
وتناول وزير الصحة العامة بالأرقام توسع التغطية الإستشفائية، فأوضح أن مساهمة وزارة الصحة العامة في الاستشفاء كانت تبلغ نحو 38 مليون دولار عام 2024، قبل أن ترتفع إلى أكثر من 150 مليون دولار العام الماضي، نتيجة توسيع البروتوكولات العلاجية. وتوقع أن تصل التغطية إلى نحو 250 مليون دولار مع نهاية عام 2026، في ظل التوسع الإضافي في الخدمات والتغطيات الصحية.
وأشار إلى أن هذه الأرقام تعكس حجم الجهود المبذولة، لكنها لا تزال غير كافية في مواجهة ارتفاع كلفة الطاقة والمستلزمات الطبية، وإصرار الموردين على تقاضي مستحقاتهم نقداً، ما يشكل عبئاً إضافياً على القطاع الاستشفائي.
وأكد أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص تشكل مدخلاً أساسياً لتحسين الخدمات الصحية، مشيراً إلى أن الوزارة تعمل على تعزيز التعاون مع المستشفيات الخاصة، ولا سيما في العمليات الجراحية المعقدة والكبيرة، ومنها زراعة الأعضاء وجراحات الجنف (Scoliosis) وجراحات الأوعية الدموية، التي تتطلب إمكانات وخبرات متخصصة.
ولفت إلى أن المستشفيات الخاصة واصلت تعاونها مع الوزارة منذ عام 2019، رغم التحديات المتلاحقة التي شهدها لبنان، من الانهيار المالي وجائحة كورونا إلى انفجار مرفأ بيروت والحرب، فيما بقيت التعرفات الاستشفائية على حالها رغم الارتفاع الكبير في التكاليف.
وكشف أن الوزارة تجري، بالتعاون مع نقابة أصحاب المستشفيات الخاصة، دراسة لإعادة النظر في الفواتير الاستشفائية، بهدف التوصل إلى تعرفة أكثر واقعية تراعي الإمكانات المالية للوزارة من جهة، والارتفاع الفعلي في كلفة الاستشفاء من جهة أخرى.
وفي ما يتعلق بالأسقف المالية للمستشفيات، أشار الوزير إلى أن الوزارة خاضت معركة موازنة عام 2026، وتمكنت من رفع السقف المالي للاستشفاء إلى نحو 350 مليون دولار، مؤكداً التزامه في العام 2027 دعم مستشفى مار يوسف الجامعي وفق احتياجاته وتصوراته للعام المقبل، وكذلك دعم سائر المستشفيات بناءً على ما تضعه من تصوّر يعرض قدرتها على تقديم الخدمات.
وشدد على أن الوزارة تعتمد سياسة الشراكة لا الفرض، واضعة خدمة المريض في صلب أولوياتها، ومسترشدة برسالة أبونا يعقوب القائمة على تقديم الخدمة ركوعًا.
وختم ناصر الدين بالتأكيد أن توزيع الأسقف المالية سيتم بكل شفافية، بعيداً من الاعتبارات السياسية، قائلاً إن السياسة مكانها مجلس الوزراء ومجلس النواب، لا القطاع الصحي، هذا القطاع الذي يبقى مساحة لخدمة المواطنين بروح وطنية وإنسانية، وفاءً للبنان الذي أعطى أبناءه الكثير.
رئيس المؤتمر: نسعى إلى نقل المعرفة للأجيال الجديدة
وكان رئيس المؤتمر الدكتور هامبيك رفايل كوريه قد رحب بالحضور موضحًا أن مستشفى مار يوسف الجامعي ليس مجرد مؤسسة استشفائية، بل هو أيضاً مؤسسة جامعية وأكاديمية وتدريبية، بالتعاون مع جامعة القديس يوسف في بيروت، تسعى إلى نقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة وتوفير رعاية صحية عالية الجودة، تجمع بين الكفاءة العلمية والاهتمام بالإنسان.
وأشار إلى أن المؤتمر يجسد هذه الرسالة من خلال برنامج علمي غني ومتنوع يمتد على مدى يومين، ويتناول أحدث الابتكارات الطبية والتطورات في الجراحة ووسائل التشخيص والعلاج، ولا سيما في أمراض القلب والشرايين، إلى جانب المستجدات في مجال اللقاحات وعلاجات السمنة، وصولاً إلى علاجات السرطان وسبل الكشف المبكر عن الأورام.
وأعرب عن أمله في أن يتطور المؤتمر في دورته المقبلة ليصبح مؤتمراً إقليمياً ودولياً، يستقطب نخبة من الأطباء والخبراء من لبنان والعالم، بهدف تبادل الخبرات والاطلاع على أحدث المستجدات العلمية والطبية، بما يسهم في تطوير الممارسة الطبية والارتقاء بجودة الرعاية الصحية المقدمة للمريض اللبناني.
المدير الطبي: المحافظة على مستوى علمي رفيع مع مراعاة واقع المرضى
بدوره، أعلن المدير الطبي لمستشفى مار يوسف الجامعي الدكتور جورج نوفل أن المستشفى الجامعي يتحمل مسؤولية خاصة، فهو مكان مكان تتكامل فيه الرعاية والتعليم والبحث؛ تُنقل فيه الخبرة، وتُناقش فيه القرارات، ويتعلّم فيه الطبيب الشاب كيف يجمع بين المعرفة الدقيقة، وحسن التقدير، واحترام الإنسان. وقال: “إنّ ما نعلّمه للأجيال الجديدة يتجسّد في سلوكنا بقدر ما يتجسّد في محاضراتنا: في طريقة الإصغاء إلى المريض، وفي الاعتراف بحدود معرفتنا، وفي طلب رأي الزميل، وفي تحمّل مسؤولية القرار. تلك هي الثقافة التي نريد ترسيخها في مؤسستنا”. وتابع أن تنوّع الاختصاصات الحاضرة في هذا المؤتمر يعكس طبيعة الطب اليوم. فالمريض يأتي إلينا بحالة متكاملة، تتداخل فيها الجوانب التشخيصية والعلاجية والنفسية والاجتماعية. وكلّما تحسّن الحوار بين اختصاصاتنا، أصبحت قراراتنا أدقّ، ورعايتنا أكثر اتساقًا، ومسار المريض أكثر وضوحًا وأمانًا.
وتابع الدكتور نوفل مؤكدًا أن هذه المسؤولية تكتسب بُعدًا إضافيًا. فنحن مطالبون بالحفاظ على مستوى علمي رفيع، مع مراعاة واقع المرضى وقدرتهم على الوصول إلى العلاج. وهذا يستدعي اختيارًا حكيمًا للتقنيات، وحسن استخدام الموارد، وحرصًا دائمًا على أن تصل الرعاية المناسبة إلى من يحتاجها. ومن موقع الإدارة الطبية، نرى في هذا المؤتمر فرصة لتحويل ما نتعلّمه إلى خطوات عملية داخل المستشفى، وتعزيز التعاون بين أقسامنا، وتطوير التعليم المستمر، ومتابعة جودة النتائج.
الأخت خرياطي: المستشفى يحمل بصمة مؤسسه
وفي كلمتها، استشهدت المديرة العامة لمستشفى مار يوسف الجامعي الأخت جيهان خرياطي بما جاء في الرسالة الإنسانية لقداسة البابا لاون الرابع عشر حول أن العالم لا يحتاج إلى الذكاء الاصطناعي فحسب، بل إلى ذكاء بشري يستنير بالحكمة، وسلطة سياسية تسترشد بالضمير، وابتكار تكنولوجي توجّهه المحبة.
وقالت إنها وجدت في هذه الفكرة ما يلامس جوهر الرسالة التي يؤمن بها مستشفى مار يوسف الجامعي، مشيرةً إلى أن المستشفى يقف اليوم عند ملتقى العلم والرسالة الإنسانية، في ظل التسارع التكنولوجي والتقدم العلمي، ويسعى إلى مواكبة مسيرة الابتكار والبحث والتطور والانطلاق نحو آفاق أوسع.
وأكدت أن التطلع إلى المستقبل لا يعني نسيان الجذور، إذ تبقى التكنولوجيا، مهما بلغت من التطور، وسيلةً، فيما تظل الغاية الإنسان وكرامته وصحته وآلامه وآماله.
وأضافت أن المستشفى يحمل بصمة مؤسسه وإرث الراهبات اللواتي تولين إدارته، إلى جانب عطاء الأطباء والموظفين الذين بذلوا جهودهم ليصبح العلم والرحمة هويته، والجودة ثقافة راسخة في ممارساته.
ولفتت إلى أن أبونا يعقوب أراد للمستشفى، منذ بداياته، أن يكون بيتاً ومستشفى وعائلة، تتلاقى فيه الخدمة مع الروح الإنسانية، ويُسخّر فيه العلم والذكاء الطبي لخدمة الإنسان، ولا سيما أفقر الفقراء.
وأشارت إلى أن المستشفى يقف اليوم على مشارف محطة تاريخية تتمثل في يوبيله الخامس والسبعين، حاملاً الأمانة ذاتها، ولكن بأدوات جديدة وطموح متجدد ومسؤولية أكبر تجاه المستقبل.
وختمت بالتأكيد أن المسيرة ستتواصل من خلال العمل الدؤوب والسعي المستمر والجهد اليومي للحفاظ على أصالة المستشفى ورسالته، معربةً عن أملها في أن تصبح الأيام العلمية محطة سنوية متجددة لتطوير المعرفة وتبادل الخبرات وبناء العلاقات وإطلاق المبادرات.
عميد كلية الطب في جامعة القديس يوسف: ملتزمون دعم المستشفى في خدمة المجتمع
من جهته، أكد عميد كلية الطب في جامعة القديس يوسف البروفسور إيلي نمر أن مستشفى مار يوسف بدأ بيتاً أُنشئ لاستقبال المحتاجين، قبل أن تتوسع خدماته استجابةً للحاجات الصحية، ليصبح مستشفى متكاملاً. وقال إن المستشفى لا يردّ أي محتاج، بل يستقبله ويقدم له الرعاية، ونقل عن الأم أرزة الجميّل قولها: “لا يمكن أن نقول لا لأي مريض”.
وتوجه إلى الوزير ناصر الدين، مؤكداً أن كل مساعدة يمكن تقديمها للمستشفى ولسائر المؤسسات التابعة لدير الصليب تصب في إطار أداء مهمة وطنية، بهدف تعزيز قدرة هذه المؤسسات على مواصلة رسالتها الإنسانية.
وأعرب نمر عن اعتزازه بالشراكة بين كلية الطب في جامعة القديس يوسف ومستشفى مار يوسف، لافتاً إلى أن تحول المستشفى إلى مستشفى جامعي يرتب عليه مسؤوليات إضافية، من بينها تنظيم المؤتمرات الطبية وإعداد الدراسات والأبحاث العلمية.
وأضاف أن الانطلاقة مشجعة رغم التحديات، شاكرًا القيّمين على المؤتمر ومؤكداً أن كلية الطب في جامعة القديس يوسف ستقدم كل ما تستطيع من دعم لضمان استمراريته، انطلاقاً من إيمانها بأن ما يقوم به المستشفى يصب في خدمة المجتمع اللبناني.



