صوّرنا جرائم العدو الإسرائيلي لكن أين الأدلة لمحاكمته؟ (الأخبار 9 تشرين الأول)

استشهد ابنك في غارة إسرائيلية؟ دُمّر منزلك؟ أُحرقت أرضك؟ خُطف والدك أو شقيقك واقتيد إلى سجون العدو الإسرائيلي؟
ربما صوّرت ما جرى بهاتفك. ربما شاهد العالم صور الضحايا والركام. ربما ظهر اسم بلدتك في نشرات الأخبار وصدر بيان يستنكر الجريمة وأُضيف عدد الضحايا إلى تقرير حقوقي ثم انتقل الجميع إلى خبر آخر. فبعد أن تنطفئ الكاميرات ويتوقف الحديث عن المجزرة نسأل هل لدينا ما يكفي من الأدلة لمحاكمة الذين ارتكبوا الجريمة أمام القضاء؟
قد تكون الإجابة صادمة: لدينا آلاف الصور والفيديوهات والشهادات والتقارير عن الجرائم التي ارتكبها جيش العدو الإسرائيلي في لبنان منذ تشرين الأول 2023 لكن ذلك لا يعني أن لدينا آلاف الملفات القضائية الجاهزة للتحقيق والملاحقة. وهنا تكمن المشكلة التي يفترض أن نتوقف عندها قبل أن يصبح الوقت عدواً للأدلة، بعدما كان العدو سبباً في وقوع الجرائم.
الصورة التي هزّت العالم قد لا تكفي لإدانة المجرم
منذ ثلاث سنوات، أُعلنت مبادرات كثيرة لتوثيق الجرائم الإسرائيلية في لبنان. ونُشرت إحصاءات عن الشهداء والجرحى والمنازل المدمرة والأراضي المحروقة والقرى التي تحولت إلى ركام. وبُذلت جهود مهمة من صحافيين ومصورين وباحثين ومؤسسات حقوقية وإنسانية. هذه الجهود ضرورية، لكنها ليست كافية. فهناك فرق كبير بين أن تُقنع الرأي العام بأن جريمة وقعت، وأن تثبت أمام هيئة قضائية مستقلة من ارتكبها، وكيف ارتكبها، ومن أصدر الأوامر أو ساهم في تنفيذها.
قد نشاهد صورة لطفل قُتل تحت أنقاض منزله فندرك حجم الألم لكن القاضي يحتاج إلى أكثر من ذلك: متى وقع القصف؟ ما طبيعة السلاح المستخدم؟ من كان داخل المنزل؟ هل كان هناك هدف عسكري؟ ماذا شاهد الناجون؟ ما الذي أثبته الطبيب الشرعي؟ وماذا يقول الخبير العسكري عن بقايا المقذوفات واتجاه الضربة؟ وهل يمكن تحديد الأشخاص المسؤولين عن الهجوم؟
لا يكفي أن نقول ان جيش العدو الإسرائيلي دمّر منزلاً، ينبغي أن نثبت بالوقائع والأدلة كيف وقع التدمير ومن كان داخل المنزل ومحيطه، ومن أصيب أو استشهد، وما هي الأضرار التي نتجت عنه. وهذا لا يتم بجمع الصور وحدها ولا بإجراء مقابلات صحافية مع الضحايا ولا بإصدار بيانات الإدانة مهما كانت صادقة ومؤثرة.
التوثيق يخبرنا بما جرى. أما التحقيق القضائي فيبحث عن الأدلة التي تسمح بإثبات ما جرى ومحاسبة المرتكبين.
ماذا لو سأل القاضي: أين الدليل؟
لنتخيّل عائلة نجت من قصف منزلها. بعد الاعتداء، حضر الصحافيون والمصورون، وانتشرت الصور عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وبعد أشهر، أُزيل الركام وأُعيد ترميم ما أمكن ترميمه. لكن لم يستمع أحد إلى الناجين بطريقة مهنية ولم تُحفظ التسجيلات الأصلية لكاميرات المراقبة ولم يُكشف على موقع الانفجار بواسطة خبير جنائي ولم تُنظّم خريطة هندسية للمبنى قبل تدميره وبعده. وبعد سنوات، تقرر العائلة التقدم بشكوى قضائية. أين الشهود؟ هل يتذكرون التفاصيل؟ أين تسجيلات الكاميرات؟ ماذا حلّ ببقايا المقذوفات؟ من يستطيع أن يثبت الموقع الدقيق للضحايا ساعة وقوع الاعتداء؟ وكيف يمكن التمييز بين الأضرار الناتجة عن الضربة والأضرار التي حصلت لاحقاً؟ يمكن التحقيق لكن المهمة ستكون أصعب بكثير. لهذا السبب، ينبغي جمع الأدلة في أقرب وقت ممكن من وقوع الجريمة بواسطة أشخاص مؤهلين وبطريقة تسمح بالتحقق من مصادر المعلومات وصحتها وسلامة حفظها.
الجهود التي بذلت لتوثيق الجرائم الاسرائيلية ضرورية لكنها ليست كافية فهناك فرق كبير بين أن تُقنع الرأي العام بأن جريمة وقعت وأن تثبت أمام هيئة قضائية مستقلة من ارتكبها
الملف القضائي الجدي يحتاج إلى إفادات شهود وضحايا مسجلة ومدونة وفق الأصول المهنية وتقارير طبية وشرعية وتحقيقات جنائية علمية وخبرات عسكرية وخرائط يضعها مهندسون محترفون وتقديرات موثقة للأضرار والخسائر. ويحتاج أيضاً إلى محامين ومحققين وخبراء في إدارة مسرح الجريمة واستثماره يعملون بصورة متكاملة بحيث لا تتحول المعلومات المتفرقة إلى مجموعة أوراق يصعب استخدامها أمام القضاء. والأهم أن يُجمع كل ذلك في ملف واضح يستطيع القاضي أن يتتبّع من خلاله مصدر كل دليل وملابساته وصلته بالجريمة.
لماذا ننتظر المحاكم الدولية وقضاؤنا موجود؟
هناك اعتقاد شائع بأن محاسبة المسؤولين الإسرائيليين عن الجرائم المرتكبة في لبنان لا يمكن أن تحصل إلا أمام محكمة دولية.
هذا غير صحيح. القضاء اللبناني هو المرجع الوطني الأول والطبيعي للتحقيق في الجرائم المرتكبة على الأراضي اللبنانية. فقواعد الاختصاص في قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني تتيح ملاحقة الجرائم الواقعة على الأراضي اللبنانية، وفق الشروط والإجراءات القانونية. كما يستطيع المتضررون بواسطة محامين سلوك طرق الادعاء التي يجيزها القانون من دون أن يكونوا مضطرين إلى انتظار قرار حكومي.
صحيح أن ملاحقة مسؤولين عسكريين أو سياسيين إسرائيليين قد تواجه عقبات كبيرة وأن تنفيذ مذكرات قضائية قد يكون متعذراً لكن هذا لا يمنع من بدء التحقيقات وجمع الأدلة والعمل على تحديد المسؤوليات. وكان يُفترض أن تتحرك الجهات القضائية المختصة منذ بداية العدوان وأن تكلف المحققين والخبراء إجراء الكشوفات والتحقيقات اللازمة وأن تستمع إلى الناجين وتجمع المستندات والأدلة. وكان يُفترض أيضاً أن تؤمّن السلطة السياسية الموارد اللازمة لهذه المهمة. غير أن ذلك لم يحصل.
الزمن لا يمحو جرائم الحرب… لكنه قد يمحو أدلتها
جرائم الحرب لا تسقط بمرور الزمن وفق القانون الدولي الإنساني العرفي. لكن هذا لا يعني أن جميع الدعاوى أمام القضاء اللبناني معفاة تلقائياً من المهل القانونية فالأمر يتوقف على التكييف القانوني للوقائع والنصوص الواجبة التطبيق. والأهم أن عدم تقادم الجريمة لا يعني أن الأدلة ستبقى إلى الأبد.
الشاهد الذي رأى الطائرة قد يفقد بعض التفاصيل من ذاكرته والجريح الذي خضع لعمليات جراحية قد لا يستطيع إثبات طبيعة إصاباته الأولى من دون ملفه الطبي والمنزل الذي دُمّر قد يُعاد بناؤه فتختفي آثار الانفجار وتسجيلات الكاميرات قد تُمحى والأجهزة قد تتلف والوثائق قد تضيع. أما بقايا المقذوفات وآثار المواد المتفجرة أو الملوثة فقد تزول أو تصبح خطرة أو يتعذر فحصها لاحقاً. لذلك، فإن الانتظار ليس خياراً. وكل يوم يمرّ من دون حفظ الأدلة قد يجعل إثبات تفاصيل الجريمة أصعب حتى لو بقي الحق في المحاسبة قائماً.
ماذا يستطيع الضحايا أن يفعلوا ابتداءً من اليوم؟
ليس مطلوباً من كل ضحية أن تصبح محققاً جنائياً أو خبيراً عسكرياً وليس مطلوباً من العائلات أن تتحمل وحدها تكاليف تحقيقات معقدة لكن بإمكان كل عائلة أن تبدأ بخطوات بسيطة تساعد لاحقاً المحامين والخبراء على إعداد ملف قضائي متكامل
أولاً: اكتبوا قصة ما حدث قبل أن تتلاشى التفاصيل
سجّلوا تاريخ الاعتداء وساعته ومكانه وما شاهدتموه وسمعتموه وأسماء الأشخاص الذين كانوا موجودين وما حصل قبل الاعتداء وبعده. لا تضيفوا معلومات لستم متأكدين منها وميّزوا بين ما شاهدتموه بأنفسكم وما نقله إليكم الآخرون.
ثانياً: لا تفقدوا الشهود
دوّنوا أسماء الأشخاص الذين شاهدوا الاعتداء أو آثاره مباشرة ووسائل التواصل معهم بعد موافقتهم. حاولوا توثيق شهاداتهم في أقرب وقت ويفضّل بواسطة محقق أو محامٍ مؤهل. يجب ألا يتعرض الشاهد لأي ضغط أو توجيه وأن تكون إفادته معبّرة عما يعرفه بالفعل.
ثالثاً: احفظوا الصور والتسجيلات الأصلية
لا تكتفوا بالفيديو الذي انتشر عبر واتساب أو وسائل التواصل الاجتماعي. احتفظوا بالملف الأصلي إن كان متوافراً وبالبيانات المرتبطة به وسجّلوا اسم الشخص الذي صوّره وزمان التصوير ومكانه. لا تُدخلوا تعديلات على النسخة الأصلية واحفظوا نسخاً احتياطية آمنة.
رابعاً: احتفظوا بكل ورقة طبية
إذا أُصيب أحد أفراد العائلة، فاحتفظوا بتقارير المستشفيات والفحوص والصور الشعاعية والفواتير وتقارير العمليات الجراحية والعلاجات اللاحقة.
أما ذوو الشهداء، فعليهم جمع شهادات الوفاة والتقارير الطبية والشرعية، إن وُجدت، والمستندات المتعلقة بنقل الجثمان والكشف عليه، والاستفسار بواسطة مختصين عما يمكن فعله إذا لم يُنظّم تقرير طبي شرعي.
خامساً: أثبتوا ما كان موجوداً قبل التدمير
إذا دُمّر منزلكم أو محلكم أو مؤسستكم اجمعوا سندات الملكية أو الإيجار والصور السابقة للاعتداء والمخططات الهندسية والفواتير والتقارير البلدية والرسمية. وصوّروا الأضرار من زوايا مختلفة عندما يكون الوصول إلى الموقع آمناً واطلبوا من مهندس مختص إعداد تقرير يحدد طبيعتها وحجمها إذا أمكن. ولا تتخلصوا من المستندات والفواتير المتعلقة بالإصلاح وإعادة البناء فهي قد تساعد على إثبات قيمة الخسائر.
سادساً: الأرض والأشجار ومصادر الرزق
إذا أُحرقت أرضكم الزراعية أو دُمّرت أشجاركم ومحاصيلكم فوثّقوا موقع الأرض ومساحتها وطبيعة زراعتها وحجم الضرر. واحتفظوا بمستندات الملكية أو الاستثمار وبما يثبت الإنتاج الزراعي والخسائر. وإذا اشتبهتم باستخدام الفوسفور الأبيض أو مواد ملوثة فاطلبوا فحصاً علمياً من الجهات المختصة. لا تلمسوا بقايا الذخائر ولا تجمعوا عينات خطرة بأنفسكم لأن تحديد نوع المواد وآثارها يحتاج إلى خبراء وتجهيزات خاصة.
سابعاً: وثّقوا حالات الخطف والاحتجاز
على عائلات المخطوفين والمفقودين تدوين تاريخ الاختفاء ومكانه وآخر اتصال مع الشخص وأسماء الشهود وكل المراسلات مع الجهات الرسمية والإنسانية. أما الذين أُفرج عنهم من السجون الإسرائيلية فينبغي أن تتاح لهم فرصة توثيق ظروف احتجازهم وما تعرضوا له من معاملة والحصول على الفحوص والتقارير الطبية والنفسية اللازمة مع احترام موافقتهم وخصوصيتهم.
ثامناً: اطلبوا المستندات الرسمية
قد تكون لدى البلديات والدفاع المدني والمستشفيات والأجهزة المختصة والهيئات الإسعافية تقارير أو سجلات تساعد على إثبات الوقائع. اطلبوا ما يحق لكم الحصول عليه بصورة رسمية واحتفظوا بنسخ عن الطلبات والإجابات.
تاسعاً: نظّموا ملفاً واحفظوه في مكان آمن
اجمعوا المستندات والصور والإفادات في ملف واضح يحمل اسم الضحية وتاريخ الاعتداء ومكانه. احتفظوا بالأصول عندما يكون ذلك ممكناً وبنسخ احتياطية محمية ولا تسلّموا أي دليل أصلي من دون توثيق عملية التسليم. واحموا خصوصية الشهود والجرحى والأطفال.
عاشراً: اذهبوا إلى محامٍ لا إلى وسائل الإعلام فقط
بعد جمع المعلومات الأولية، استشيروا محامياً مختصاً ليدرس كيفية استكمال الملف وتقديم الشكوى أمام المرجع القضائي المختص. ليس مطلوباً من الضحية أن تعرف اسم الطيار الذي قصف منزلها أو الضابط الذي أصدر الأوامر. هذه من المسائل التي يفترض بالتحقيقات الجنائية والقضائية العمل على كشفها. المهم ألا تضيع الوقائع والأدلة التي قد تساعد على ذلك.



