خاص – قراءة في كلمة نواف سلام الاقتصادية: معاناة اللبنانيين بين الإمكانات المتاحة والإجراءات المتخذة

في ظل تفاقم الأزمة المعيشية وارتفاع كلفة المحروقات والكهرباء والنقل، أثارت كلمة رئيس الحكومة نواف سلام، التي تناول فيها الواقع الاقتصادي والنقدي والمالي والإجراءات الاجتماعية المرتقبة، تساؤلات حول قدرة الحكومة على اتخاذ خطوات فورية للتخفيف من الأعباء عن المواطنين، ومدى توافر الإمكانات المالية اللازمة لذلك.
وفي هذا السياق، اعتبر الخبير الاقتصادي أنيس بو دياب، في حديث إلى موقعنا «Leb Economy»، أن رئيس الحكومة قدّم شرحًا مسهبًا للواقع الاقتصادي والمالي والنقدي في لبنان، إلا أن الظروف المعيشية الراهنة تستدعي أكثر من مصارحة اللبنانيين بحجم الأزمة، بل تتطلب اتخاذ إجراءات سريعة تحدّ من تفاقم الفقر وتدهور القدرة الشرائية.

وأشار بو دياب إلى أن سلام توقف عند النمو الاقتصادي الذي سجّله لبنان عام 2025، والبالغ 4.2% بحسب الأرقام التي استند إليها، في مقابل توقعات بانكماش اقتصادي خلال العام الحالي نتيجة تداعيات الحرب، تتراوح بين 5% و10% وفق التقديرات المتداولة، وآخر تصريحات وزير الاقتصاد.
وأوضح أن رئيس الحكومة عرض مجموعة من التقديمات الاجتماعية الملحوظة في موازنة عام 2027، أبرزها تخصيص نحو 70 مليون دولار لتوسيع برنامج «أمان»، إضافة إلى قروض للطاقة الشمسية عبر المؤسسة العامة للإسكان، فضلًا عن الإعلان عن إطلاق شبكة للنقل المشترك العام خلال الأسبوع المقبل.
ورأى أن هذه الإجراءات مهمة، لكنه تساءل عن مدى قدرتها على معالجة الأزمة المعيشية التي يواجهها اللبنانيون، في ظل معدلات تضخم تتراوح حاليًا بين 16.5% و17%، والضغوط الإضافية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط.
ولفت إلى أن الهيئات الاقتصادية والاتحاد العمالي العام عقدوا اجتماعين، بمشاركة رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي وعدد من الوزراء في الاجتماع الأخير، من دون أن تُتخذ، بحسب قوله، إجراءات ملموسة لتحسين الوضع المعيشي.
وتوقف بو دياب عند حديث سلام عن ارتفاع فواتير الكهرباء واشتراكات المولدات الخاصة، متسائلًا: «ما الحلول التي اتُّخذت؟ وهل جرى العمل على خفض سعر المازوت، أو تعليق الرسم الإضافي البالغ 300 ألف ليرة على البنزين حتى نهاية العام؟».
واعتبر أن هذه الخطوات يمكن أن تسهم في التخفيف من حدة الضغوط التضخمية، مشددًا على ضرورة الانتقال من توصيف المشكلات إلى اتخاذ قرارات عملية.
وفي ملف التعليم، تساءل عن إمكان تدخل رئيس الحكومة والتواصل مع المؤسسات التربوية الخاصة لحثّها على عدم زيادة الأقساط المدرسية، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تواجهها العائلات.
أما في ما يتعلق بالنقل، فأشار إلى أن الدولة خصصت دعمًا لسائقي السيارات العمومية بهدف عدم رفع تعرفة النقل، متسائلًا عن مدى انعكاس هذا الدعم على أرض الواقع، ولا سيما أن العثور على سيارة أجرة تلتزم بالتعرفة الرسمية داخل بيروت لا يزال أمرًا صعبًا.
وأكد أن هذه الوقائع تطرح تساؤلات حول مدى انعكاس الإجراءات الحكومية إيجابًا على حياة المواطنين، معتبرًا أن المواطن الذي يعاني لتأمين احتياجاته الأساسية يحتاج إلى خطوات سريعة تتجاوز شرح صعوبة الأوضاع.
وفي ما يتعلق بالقطاع العام، أشار بو دياب إلى إعلان سلام عن ستة رواتب إضافية لموظفي القطاع العام اعتبارًا من الأول من كانون الثاني 2027، متسائلًا عن قدرة الموظفين حاليًا على تحمّل كلفة الانتقال إلى أماكن عملهم ؟
وأوضح بو دياب أن «الزيادات المرتقبة، والتي تعادل ستة رواتب في موازنة عام 2027، تقع ضمن الإمكانات المالية المتاحة للدولة، إذ يتضمن مشروع الموازنة اعتمادًا في بند الاحتياط بقيمة 2.5 تريليون ليرة لبنانية، يمكن أن يغطي هذه الزيادات».
ولفت إلى أن «متابعة حركة الحساب رقم 39، العائد إلى الحكومة والمؤسسات العامة لدى مصرف لبنان، تُظهر ارتفاعًا منذ بداية العام وحتى اليوم، ما يعكس زيادة في الإيرادات الحكومية مقارنة بالتقديرات الواردة في موازنة عام 2026، بنحو مليار دولار».
واعتبر أن «هذه المعطيات تشير إلى امتلاك الحكومة القدرة المالية على إقرار الزيادات، إلا أن الأهم لا يقتصر على اتخاذ مثل هذه الإجراءات، بل يشمل تنفيذها والإسراع في تطبيق الإصلاحات المطلوبة، ولا سيما في القطاع العام وقطاع الكهرباء».
وشدد بو دياب على أن «تحسين الأوضاع المعيشية لا يتحقق بالضرورة من خلال زيادة الرواتب بصورة مستمرة، بل يتطلب أيضًا تحسين الأجر الاجتماعي وتعزيز القدرة الشرائية للمواطنين، عبر خفض كلفة المعيشة، ولا سيما النفقات المرتبطة بالتعليم والصحة والاستشفاء والمحروقات والكهرباء وغيرها من الخدمات الأساسية».
وأضاف أن «مشروع موازنة عام 2027 هو مشروع موازنة متوازنة، تتساوى فيه الإيرادات مع النفقات»، معربًا عن اعتقاده بأن «الحكومة قادرة على تحقيق الإيرادات المقدّرة في الموازنة، استنادًا إلى ما حققته من إيرادات خلال عام 2026».



