خاص – التضخم المفرط .. رحلة لبنان نحو الصدارة العالمية بالأرقام!

لم يحمل إعلان وكالة بلومبيرغ تصدر لبنان لدول العالم في معدلات التضخم وتقدمه على فنزويلا وزمبابوي اي مفاجأة للبنانيين، فعلى مدى عامين شهد اللبنانيون قفزات مرعبة في أسعار السلع الإستهلاكية وسط حديث متواصل عن خوف حقيقي من مواصلة الليرة انهيارها امام الدولار في الأيام المقبلة، وارتفاع اضافي في الأسعار.
“التضخم” اللبناني .. تجارب على مر الزمن
يبدو ارتباط مسار التضخّم في لبنان بموجة تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية إزاء الدولار طبيعياً، اذ يعتمد لبنان بـ 80% من إستهلاكه على الاستيراد.
ويرتبط الواقع الذي يعيشه لبنان اليوم بما يُعرف بالتضخم النقدي، الذي يتحدّث عن زيادة العرض النقدي من قِبل البنك المركزي، الذي يُصدر الأوراق النقدية. وغالباً ما يُعتبر هذا النوع من التضخم مرتبطًا بسوء الإدارة من قِبل الدولة، والتي غالبًا ما تستخدم تقنية «المطبعة» لتقليل مقدار الدين العام القابل للسداد.
قبل عامي 2020 و 2021، شهد لبنان تجربة التضخم المفرط وتدهور قيمة العملة الوطنية في الثمانينات حيث سار تطور التضخم طوال سنوات الحرب في لبنان جنباً إلى جنب مع تطور الكتلة النقدية خاصة في بداية الثمانينيات مع زيادة عجز الميزانية السنوية ثم مع انهيار سعر صرف العملة الوطنية منذ عام 1984.
كما عاش لبنان قبل ظهور عجز الموازنة في نهاية السبعينيات وتطوره في سنوات الحرب، ارتفاع في متوسط معدل التضخم السنوي بنسبة 20%، ليتطور إلى تضخم مزمن طوال سنوات الحرب وحتى بداية سنوات ما بعد الحرب (حتى عام 1992) خلال فترة التضخم المرتفع في عام 1987 (بلغ معدل التضخم آنذاك 487%).
وتظهر ارقام الإحصاء المركزي إن قبل سنتي الإنهيار الإقتصادي، سجل عام 2018 اعلى نسبة تضخم منذ العام 2013 وبلغت 6.07%، في حين بلغ معدل التضخم في عام 2019 (العام الذي انطلقت فيه الازمة) 2.90%. لترتفع بعدها مستويات التضخم بشكل كبير مسجلة 84.9% في 2020 و 567.65% في 2021.

تعدّدت الأسباب والتضخم واحد
بحسب وكالة بلومبرج، فقد أصبحت نسبة التضخّم السنويّة في لبنان الأعلى في العالم، متخطّيةً بذلك نسب التضخّم في كلٍّ من زيمبابوي وفنزويلا.
وذكرت وكالة بلومبرج أنّ التضخّم في لبنان قد إرتفع بشكلٍ جنوني خلال العامين الماضيين في ظلّ تردّي الأزمة الماليّة والإقتصاديّة وغياب أيّ سياسات حكوميّة للتخفيف من وطئة الأزمة . كذلك ذكرت الوكالة أنّ الليرة اللبنانيّة قد فقدت حوالي 90% من قيمتها مقابل الدولار الأميركي، الأمر الذي أدّى إلى زيادة نسبة الفقر إلى 75% من عدد السكّان. ذكرت الوكالة أيضاً أنّ السلطات اللبنانيّة قد بدأت يالتخفيف من عدد السلع المدعومة خلال الأشهر القليلة المنصرمة، ورفع الدعم بالكامل عن سلع أخرى. أشارت بلومبرج أيضاً إلى أنّ المصرف المركزي يعاني من شحّ في السيولة بالعملة الأجنبيّة، ما يجعله غير قادر على الإستمرار في سياسة الدعم خلال الفترة المقبلة.
مارديني: قد نشهد مزيداً من إرتفاع الأسعار!

وفي حديث لـLeb Economy، اعتبر الخبير الاقتصادي باتريك مارديني أن السبب الأساسي وراء ارتفاع معدلات التضخم بشكل كبير في لبنان يعود إلى ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة، والذي نتج عن طباعة الليرة المستمرة لتلبية السحوبات المصرفية من الودائع بالدولار وسد عجز الموازنة.
وأشار مارديني إلى أن “إعلان بلومبرغ لا يحمل مؤشرات لمستقبل الاسعار، بل يوصّف بشكل واضح قساوة وصعوبة الأوضاع التي عاشها اللبنانيون على مر عامين”.
وشدّد مارديني على أن ارتفاع معدلات التضخم بهذا المستوى أدى الى انتشار الفقر، ما يسلّط الضوء على ضرورة ضبط ارتفاع الأسعار لحماية اللبنانيين.
وقال مارديني : “فعليا، مارست الدولة اللبنانية نظام تعويم سعر الصرف دون إعلان ذلك رسمياً، الأمر الذي أدى إلى انهيار سعر صرف الليرة مقابل الدولار. وفي حال جرى شرعنة نظام تعويم سعر الصرف ستواصل الليرة اللبنانية سقوطها، وسنشهد ارتفاعاً إضافياً للأسعار”.
واكد مارديني “أن على الحكومة ايلاء معالجة الازمة النقدية الأولوية القصوى، اذ ان إهمال الحكومة السابقة لهذه الازمة وتركيزها على الأزمة المصرفية ادى الى ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة، وارتفاع معدلات التضخم وتوسّع الفقر”.
ارتفاع الأسعار بالأرقام!
وفي سياق متصل، تأظهِرت آخر الإحصاءات الصادرة عن إدارة الإحصاء المركزي إرتفاعاً شهريّاً بنسبة 10.25% في مؤشِّر أسعار الإستهلاك في لبنان خلال شهر آب 2021، مقارنةً بإرتفاع بلغ 24.08% في الشهر الذي سبقه تزامناً مع رفع أو تخفيف الدعم عن عدّة سلع وخاصّة الفيول ما إنعكس زيادة كبيرة في الأسعار. كذلك على صعيدٍ سنويٍّ، فقد سَجَّلَ مؤشِّر تضخُّم الأسعار زيادةً نسبتها 137.75% إلى 567.65 في آب 2021، مقارنةً بمستوى بلغ 238.76 في الشهر نفسه من العام 2020. وقد بلغ متوسّط الزيادة في مؤشّر تضخّم الأسعار 133.01% خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق. ويأتي الإرتفاع السنويّ المذكور في مؤشّر تضخّم الأسعار نتيجة تسجيل جميع مكوّنات المؤشّر زيادة في أسعارها حيث إرتفعت أسعار الألبسة والأحذية بنسبة بلغت 205.53% (تثقيل بنسبة 5.2%)، رافقها تطوُّر في أسعار المواد الغذائيّة والمشروبات غير الروحيّة بنسبة 290.40% (تثقيل بنسبة 20.0%) وزيادة في أسعار النقل بنسبة 290.55% (تثقيل بنسبة 13.1%) وإرتفاع في أسعار الأثاث والتجهيزات المنزليّة والصيانة المنزليّة بنسبة 147.55% (تثقيل بنسبة 3.8%)، دون إستثناء الزيادة الغير مسبوقة في أسعار المطاعم والفنادق بنسبة 281.80% (تثقيل بنسبة 2.8%).

النبطية في الصدارة!
كما أظهرت أرقام الإحصاء المركزي تذبذب نسب ارتفاع الاسعار بين المناطق اللبنانية على رغم أن جميعها شهدت إرتفاعاً شهريّاً في مؤشِّر غلاء المعيشة، حيث أتت النبطيّة في الصدارة (12.84%)، تبعها الشمال (12.21%) والبقاع (11.78%) والجنوب (9.85%) وجبل لبنان (9.67%) وبيروت (7.17%).




