أخبار لبنانابرز الاخبارسياسة

عربصاليم تفرز نفاياتها… في الحرب أيضاً (الأخبار 6 تشرين الأول)

رغم العدوان الإسرائيلي، حافظت بلدة عربصاليم على عادة فرز النفايات من المصدر. حتى أثناء النزوح، كانت نساء من البلدة يحتفظن بالبلاستيك والزجاج وسائر المواد القابلة للتدوير جانباً، بدلاً من رميها مع النفايات الأخرى. وبعد العودة، وجدت نحو 60 سيدة يعملن مع جمعية «نداء الأرض» أنفسهن أمام مهمة مألوفة: ترميم مركز الفرز والتدوير، تعويض مستوعبات الفرز المفقودة، وإعادة تشغيل المركز الذي أصيب بأضرار، ثم استئناف العمل من حيث قطعته الحرب.

صمد المشروع البيئي الأبرز في البلدة والمنطقة أمام العدوان. خلال نحو ثلاثة عقود، تحوّل الفرز في عربصاليم إلى سلوك يومي تشارك فيه نحو 70% من عائلات البلدة، بحسب جمعية «نداء الأرض» التي تشغّل المركز بالتعاون مع البلدية. تجربة بدأت أصلاً جرّاء تراكم النفايات وغياب الدولة عن معالجتها، ثم بنتها نساء البلدة بيتاً بيتاً، إلى أن صار ما بدأ حلاً محلياً لأزمة عامة جزءاً من حياة القرية.

في التفاصيل، تبدأ عملية الفرز داخل المنازل، حيث تفصل العائلات المواد القابلة لإعادة التدوير عن النفايات العضوية، قبل أن تجمعها الجمعية وتنقلها إلى مركزها. هناك، تُفرم المواد البلاستيكية والخردة وتُكبس وتُجمع، ثم تُرسل إلى جهات متخصّصة بالتوضيب وإعادة التدوير خارج البلاد. الحكاية بدأت في عام 1995. يومها، كانت النفايات تتراكم عشوائياً في عدد قليل من المستوعبات، فيما كانت إدارة البلدية، بعد وفاة رئيسها، موكلةً إلى المحافظ. أمام هذا المشهد، جمعت زينب مقلد نور الدين، التي أصبحت لاحقاً رئيسة جمعية «نداء الأرض»، عدداً من سيدات البلدة في لقاءات متكررة للبحث عمّا يمكن فعله. خرجت الاجتماعات بفكرة بسيطة في ظاهرها: بدلاً من انتظار معالجة النفايات، لماذا لا تبدأ العملية داخل المنزل، أي أن تفصل كل عائلة ما تنتجه قبل أن يتحوّل كله إلى عبء واحد في المستوعب.

لم تكن إعادة الاستخدام غريبة عن نساء القرى. فـ«المرطبانات والقناني»، مثلاً، كانت تُنظّف وتُستعمل لحفظ المونة والتخزين، فيما كان رمي ما يمكن الاستفادة منه أقل شيوعاً مما هو عليه اليوم. لكن نحو عشر نساء نقلن هذه الممارسة من نطاق المنزل إلى عمل جماعي منظّم. بدأت الناشطات بما توافر لديهن، قبل أن يتحوّل «تجمع نساء عربصاليم» إلى جمعية «نداء الأرض» بعد الحصول على الترخيص في عام 1998. لاحقاً، أُنشئ المركز على قطعة أرض قدّمها المحافظ آنذاك، إلى جانب منحة من الأمم المتحدة. ولكن إنشاء المركز كان الجزء الأسهل نسبياً، والتحدّي الحقيقي كان تغيير علاقة الأهالي بنفاياتهم.

تبدأ عملية الفرز داخل المنازل حيث تفصل العائلات المواد القابلة لإعادة التدوير عن النفايات العضوية

بدأت الجمعية العمل «بيتاً بيتاً»: ندوات، حملات توعية، جولات على المنازل، إرشادات للنساء وحملات تنظيف للبلدة. المطلوب لم يكن فقط فصل المواد الصلبة عن العضوية، بل إخراج النفايات المفروزة من المنازل نظيفة ومُرتّبة ومن دون روائح. ومع كل توسع عمراني أو دخول جيل جديد، كانت المهمة تبدأ مجدداً: «مزيد من الشرح والتذكير والتوعية».

مشروع لا يموّل نفسه
تقول خديجة فرحات، إحدى مؤسِّسات الجمعية، إن «العمل لم يكن سهلاً في أي مرحلة. فالجمعية تجمع النفايات المفروزة من المنازل وتنقلها إلى المركز وتفرمها وتكبسها، وتتحمل في المقابل تكاليف المحروقات والتشغيل، فيما لا يكفي مردود بيع المواد المفروزة لتغطية هذه النفقات». ومع ذلك، استمر المشروع. فالفرز، بالنسبة إلى النساء اللواتي بدأنه، لم يعد نشاطاً له موعد بداية ونهاية، بل جزءاً من علاقتهن بالبلدة ومن سلوك يومي ترسّخ على مدى سنوات.

العدوان الإسرائيلي الأخير كشف رسوخ المشروع، إذ تضرّرت منازل كانت الجمعية قد وزّعت عليها مستوعبات للفرز، وفقدت عائلات مستوعباتها، كما تضرّر زجاج المركز نفسه. وبعد العودة، كان على الجمعية أن تؤمّن مستوعبات بديلة وتصلح المركز وتعيد مواكبة الأهالي. وزاد النزوح عدد سكان البلدة والأعباء المُلقاة على الجمعية، إلا أن الفرز نفسه لم يسقط من يوميات السكان. هنا، تقول فرحات إن «نساء من عربصاليم، حتى خلال الحرب والنزوح، واصلن الاحتفاظ بالنفايات المفروزة جانباً عوض رميها عشوائياً».

عادة أقوى من المشروع
بعد نحو ثلاثة عقود، تحوّل الفرز في عربصاليم من مجرد حملة بيئية إلى سلوك تنتقل ممارسته بين العائلات والأجيال، إلى حدّ أن التجربة باتت أكبر من الجمعية التي أطلقتها. وفي بلد تعود فيه أزمة النفايات إلى الواجهة كلما تعطّلت حلول الدولة أو انتهت التسويات المؤقتة، تكشف تجربة عربصاليم وجهاً آخر للمشكلة: مبادرة محلية وُلدت أساساً لسدّ فراغ، ثم اضطرت إلى الاستمرار داخله لعقود. من جهتها، تقول فرحات إنّ الإنجاز لم يكتمل بعد. فاستمرار العدوان الإسرائيلي يعني المزيد من الأضرار والنزوح الإضافي إلى البلدة والتوسّع، ما يحتّم ضرورة زيادة نشاط الجمعية.

 

بواسطة
نور محمود
المصدر
الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى