كتاب نهوض لبنان (15): السياسة الصحية وتفعيل ادائها

في ظل الضياع الذي يسود البلاد جراء الاختلاف على خطة الانقاذ المالي، والانتقادات التي وجهت اليها من قبل الكثير من القوى السياسية والجهات الاقتصادية لتضمنها الكثير من الاجراءات والافكار التي تتعارض مع الدستور وتضرب النظام الاقتصادي الحر، فضلاً عن عدم تضمنها برنامجاً واضحاً للنهوض بالاقتصاد الوطني،
تبرز الحاجة الملحة الى الكتاب الذي عمل على وضعه واعداده رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي السابق روجيه نسناس، حين كان لا يزال يشغل هذا المنصب في العام 2016، تحت عنوان: نهوض لبنان، نحو دولة الانماء، لكونه يقدم حلولاً عملية وعلمية لمشكلات لبنان الاقتصادية ولكونه يقدم سلسلة متكاملة من الاقتراحات والسياسات والتدابير التي تسمح بإعادة وضع الاقتصاد الوطني في مسار التعافي والنهوض وحماية قوته البشرية.
إنطلاقاً من هذه الاعتبارات فإن موقع leb economy files سيقوم بنشر محاور الكتاب التي يتضمنها بشكل متلاحق،
في حلقة اليوم (15) ننشر الفصل الخامس عشر تحت عنوان “السياسة الصحية وتفعيل ادائها”
ترتكز منهجية البحث في السياسة الصحية على بلورة الحاجات الاجتماعية والامكانات الاقتصادية، عبر تسلسل تحليل عقلاني يحيط بالواقع، والمبادئ التي نعتمدها لتطوير هذا القطاع ضمن الامكانات المتوفرة. وهذا يؤدي الى وضع استراتيجية عملية تجسدها اهداف معقولة ومخاطر مقبولة؛ ينبثق عنها برنامج تنفيذ عملي بالوسائل والامكانات المتاحة. لا مجال هنا لوصف المشاكل الصحية من الناحية الطبية، فهذا شأن علمي يبقى خارج نطاق التحليل الاقتصادي، ويعتبر من المعطيات التي يجب اعتمادها كما هي، بشموليتها، ومعالجتها اقتصاديا واداريا واجتماعيا، وتجنب التفاصيل الطبية منعا لاي التباس.
تشكل العناية الطبية في لبنان الهاجس الاول لدى المواطنين، ومع تقدم وتطور الخدمات الصحية بات المواطن يخصص جزءا كبيرا من دخله لمواجهة ارتفاع كلفة الخدمات الصحية والاستشفاء. وهذا التقدم والاهتمام الكبير بالخدمات الصحية وأحدث تقنياتها حث العديد من الاطباء المتخصصين واللامعين في الخارج للعودة وممارسة المهنة في لبنان؛ فضلا عن خريجي الجامعات المحلية المرتبطة باهم المراكز الطبية في العالم، والمشهود لمستواها العلمي. ويتميز لبنان بمركز طبي رفيع المستوى يقصده العديد من دول الجوار وسائر الدول العربية. ولم يوفر الاستثمار العام والخاص انشاء المستشفيات واستيراد احدث المعدات؛ واصبح عدد الاسِرَّة و/او معدات الماسح الضوئي “scanner” والتصوير بالرنين المغنطيسي “IRM” ، بالنسبة لعدد السكان، من اعلى النسب في العالم.
وينحصر الانتقاد في المجال الطبي بشؤون تتعلق بالادارة. ويبدو من احصاءات وزارة الصحة ان الأكلاف الادارية لا تزال معقولة مقارنة بمستوى الخدمات الصحية، وهي لا تتجاوز 8% من اجمالي الناتج المحلي (جدول رقم 1).
| جدول رقم 1- حصة الانفاق على الصحة من اجمالي الناتج المحلي | |||
| 2012 | تقدير/2014 | ||
| مليار ل.ل. | مليار ل.ل. | ||
| 1 | وزارة الصحة | 647.22 | 720.37 |
| 2 | الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي | 687.74 | 765.47 |
| 3 | تعاونية الموظفين | 283.11 | 315.11 |
| 4 | الجيش | 240.99 | 268.23 |
| 5 | قوى الامن الداخلي | 97.87 | 108.93 |
| 6 | امن الدولة | 9.49 | 10.56 |
| 7 | الجمارك | 7.35 | 8.18 |
| 8 | الامن العام | 18.45 | 20.54 |
| 9 | التأمين الخاص | 739.38 | 822.95 |
| 10 | صناديق التعاضد | 159.01 | 176.98 |
| 11 | المؤسسات الدولية | 21.79 | 24.25 |
| 12 | الاسر | 1,735.23 | 1,931.35 |
| مجموع الانفاق على الصحة | 4,647.63 | 5,172.92 | |
| اجمالي الناتج المحلي | 64,800.00 | 67,600.00 | |
| حصة الانفاق على الصحة | 7.17% | 7.65% | |
| المصدر: محتسب استنادا الى الموقع الالكتروني لوزارة الصحة العامة | |||
بلغ متوسط التضخم في الانفاق على العلاج الطبي معدل 5.5 % في السنوات الاخيرة، منذ عام 2007، وبالتالي يمكن تقدير الزيادة الطارئة منذ عام 2012 ، لمختلف الفئات، كما ورد بالجدول رقم1 اعلاه لسنة 2014. الا ان هذا التضخم اسمي ولن يتخطى الارتفاع الحقيقي عن زيادة عدد السكان بشيئ يذكر. وحصلت بعض الوفورات في الاثني عشر شهر الاخيرة التي عوضت عن ارتفاع بعض عناصر كلفة العناية الصحية. على سبيل المثال تراجعت فاتورة العناية الطبية داخل المستشفى بنسبة 19.89% بالوتيرة السنوية، اي من آب 2013 الى آب 2014 [1].كما يتناول الجدول رقم1 النفقات التي يتكبدها السكان والدولة.
ويأتي الى لبنان عدد كبير من الاخوان العرب بحثا عن الخدمات الطبية؛ وقد يشكل ذلك مداخيل اضافية للقطاع الطبي، من الصعب تقديرها كونها لا تدخل في موازنة الخزينة او الأُسرة. كما يبدو ان وتيرة الخدمات الطبية للاجانب هي على ارتفاع مطرد، وبالتالي الناتج القطاعي، وهذا يؤكد المستوى الرفيع للطب في لبنان. والجدير بالذكر ان عدداً من المستشفيات قد عقد اتفاقات مع اهم المراجع الصحية في الولايات المتحدة، كما ان عدداً من الاطباء يمارس المهنة في لبنان والولايات المتحدة الاميركية.
انما هذا لا يمنع ان يرزح جزء كبير من الشعب تحت وطأة الغلاء وبالتالي لا يحصل على الخدمة الطبية الشافية ان لم يكن من الميسورين او المستفيدين من الصناديق الضامنة المتوفرة لفئات محدودة من المواطنين. وهذا يطرح مشكلة المستشفيات الحكومية المغلقة، والتي يحتوي بعضها على احسن المعدات، الا انه لا يستطيع ان يستقطب الطاقة البشرية اللازمة منذ سنوات. ولا يعود ذلك الى قلة الامكانات او ضعف الجهاز الطبي، بل الى تقهقر الجهاز الاداري، لسبب او آخر، رغم وجود الكفاءات العالية في صفوفه.
1 – الجهات الرئيسية الفاعلة في قطاع الصحة في لبنان
تنحصر مشكلة الصحة في لبنان في القصور الاداري بشؤون الصحة، وهذا يعود لاسباب معروفة، ليس لها علاقة بالكفاءات المهنية للجسم الطبي و/او الاكلاف التي يواجهها المواطن والدولة. ويشارك بإدارة القطاع ثلاث هيئات اساسية هي: وزارة الصحة العامة، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والصناديق المستقلة للعناية الصحية. وتضطر الجهات الفاعلة الاخرى، على اهميتها، كالمستشفيات وشركات التأمين والجهاز الطبي، ان تتكيف مع قرارات تلك الهيئات الاساسية لتمارس عملها بانتظام. فهي بالنتيجة تدير اكثر من ثمانين بالمئة من الاموال المخصصة للصحة، وبالتالي تسيطر كليا على الطلب.
1.1– وزارة الصحة
يقع كافة المواطنين الذين لا ينتمون الى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي او لإحدى صناديق العناية الصحية و/او لا يستفيدون من تأمين طبي لدى إحدى شركات التأمين، على عاتق الدولة لاسيما وزارة الصحة العامة، أي ما يزيد عن 30 بالمئة من المواطنين. وتقوم وزارة الصحة، تنفيذا لهذا الدور، بإدارة دخول جميع المرضى، الذين يقعون على عاتق الدولة، الى المستشفيات وبمتابعة علاجهم وتسديد الموجبات عنهم، فضلا عن تسليم أدوية الأمراض المستعصية والتي تتحملها الدولة ايضا بدلا من المواطنين. ويصل الموضوع الى المدير العام واحيانا الى الوزير عند حصول اي طلب مبالغ فيه، او اي احتكاك مع المسؤول، وكثيرا ما يتكرر ذلك نظرا للعقلية السائدة، والتي ترتكز على الامتيازات بدلا من الحقوق الطبيعية التي يحق للمواطن الحصول عليها تلقائيا. وامام ضخامة العبء الناتج عن ممارسة هذا الدور، نادرا ما يتبقى متسع من الوقت لمواجهة البحث والتخطيط والرقابة والتطوير التي تحتاجها إدارة قطاع الصحة في لبنان.
واستنادا الى ما تقدم يُطرح السؤال، من هي الجهة التي يمكن ان تتولج دخول المستشفيات وتوزيع الأدوية ؟ بالتأكيد ليست الوزارة، وهي تضطلع بدور ريادي لا يمكن ان يحل مكانها احد في تنفيذه؛ وهذا الدور يفترض:
أ– رؤية مستقبلية توضح معالم التطور المرتقب بناء على المعطيات المتوفرة لدى الوزارة، والتغيير الحاصل في البلاد، والتقدم الذي حققه الطب في العالم؛ كما عليه ان يراعي الاولوية التي يليها المواطن العادي للعناية الصحية في لبنان، ويحقق امنيته بالتحويلات الاجتماعية والتضامن الوطني؛
ب- اقتراح على مجلس الوزراء السياسات الفاعلة والموازنة التي تفي بحاجات المواطن، وكيفية استعمالها لتحقيق اعلى نسبة ممكنة من الانتاجية؛ وان توفر للمواطن مستوى العناية الصحية التي يبررها متوسط الدخل الفردي في لبنان، والتي هي حق لكل مواطن؛
ج– تحديد واعتماد الاستراتيجيات التي تحقق تلك الرؤية ضمن الامكانات المتاحة وتؤمن العناية الطبية والاستشفائية الى كافة المناطق، وخاصة الاكثر حرمانا في الاطراف، وتحمي كافة شرائح المواطنين، ولاسيما اضعفهم من اولاد ومسنين؛
د– اعداد وتنفيذ برامج طموحة لتوسيع شبكة العناية الصحية لكافة المناطق، والاشراف على التدريب المهني لكافة المساعدين الطبيين، ورفع مستوى الموارد البشرية باستمرار، واستقطاب العناصر الكفوءة والواعدة الى المهنة؛
ه– ابتكار هندسة مالية تأخذ بالاعتبار الاولويات وتؤمن النفقات بالتدرج، بحيث يوفر كل انفاق يصرف اليوم انفاقا متوقع غدا؛ وهذا يوضح دور الوقاية؛ كما تعبر الموازنة غير الكافية، معظم الاحيان، عن ضعف في تنظيم الانفاق؛
و– تفعيل الشراكة مع القطاع الخاص لحسن استخدام الطاقة الطبية المتوفرة؛ ومراقبة كافة موردي الخدمات الطبية والاستشفائية والمحافظة على النوعية وضبط الكلفة، والتأكد من مطابقة التنفيذ مع البرامج المعدة لتوفير الخدمات الصحية للمواطنين؛
س– التنبه للمخاطر الناجمة عن الاوبئة المنتشرة او المستوردة، واتخاذ كافة الاحتياطات في الوقت المناسب، ودرء المخاطر عن المواطنين؛ وقد جعل التواصل بين الدول وتنقل الاشخاص بكثافة، خطر العدوى يهدد العالم باجمعه كلما انتشر وباء في مكان ما؛
ح- ايلاء سلامة الغذاء، الماء والهواء، الاهمية القسوى، اولا لتأمين صحة المواطنين وثانيا لنشر الصورة الحضارية لبلد يرتكز بصورة اساسية على السياحة. ومن اجل ذلك يجب رسم خطة واضحة تتضمن تحديد المواصفات ومراقبة تطبيقها وردع المخالفة وتحديد الجهات المولجة تنفيذها ومتابعة عملها؛
ط– على المدى القريب، تحرير الوزارة من القيام مباشرة بتأمين دخول المواطنين الى المستشفى ومتابعة علاجهم، لا سيما بانشاء او تكليف شركة ادارة طرف ثالث TPA القيام بهذا الدور؛ كما ينبغي تحرير الوزارة من دور استيراد وتوزيع مباشرة الدواء الذي تتحمله الدولة عن المواطنين، وتكليف مؤسسة عامة او خاصة تنفيذ هذا الدور؛
ي– على المدى المتوسط والبعيد، اعتماد استراتيجيات مرنة تتفاعل مع الواقع لخلق شبكة عناية صحية متكاملة على كافة مساحة الاراضي اللبنانية، مستخدمة احسن الوسائل الطبية والادارية، وترشيدها من خلال تنظيم المنافسة بين موردي القطاع الخاص، ومع القطاع العام؛
ك– انشاء الهيكل الفني والاداري القادر على الاضطلاع بهذا الدور، ومراقبة تنفيذه مراقبة دقيقة لتوفير له اعلى درجة ممكنة من النجاح، وبذلك تتحقق امنية المواطنين بالنسبة لاولوية الصحة التي يتوافق عليها الجميع.
1.2- الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي
يشكل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي احدى المؤسسات التي وضع اساسها العهد الشهابي، وربما اهمها نظرا لدورها المباشر في استقرار المجتمع اللبناني. رأى الصندوق النور في منتصف الستينات وتناول ثلاثة فروع: المرض والامومة، التعويضات العائلية، وتعويض نهاية الخدمة. ولاشك في ان الصندوق الاساسي والذي كان منذ البدء مرشحا للاستمرار هو صندوق المرض.
لقد ذكر قانون انشاء الصندوق ان فرع نهاية الخدمة هو مؤقت لحين انشاء نظام التقاعد – وكان ذلك مرتقبا بفترة سنتين. وقبل انشاء الصندوق كان يتقاضى الاجير 20 شهرا عندما يبلغ سن التقاعد، 64 سنة للرجال و60 سنة للنساء، اويكون قد أمضى عشرين عاما متتالية في المؤسسة الواحدة. واذا انتقل من مؤسسة الى اخرى بإرادته الذاتية قبل هذا الاستحقاق فقد تعويضه. اما اذا صرفه صاحب العمل فيتوجب للاجير تعويضا بمعدل شهر واحد عن كل سنة عمل في المؤسسة. وجاء الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يضمن تعويض الاجير حيثما وجد، حتى لو ترك صاحب العمل الاول بملء اختياره ودون مبرر، وغالبا للحصول على راتب اعلى. واصبح ذلك مشروعا ودون عواقب سلبية على الاجير بفضل انتسابه الى فرع نهاية الخدمة في الصندوق، والعكس هو الصحيح.
وخسر الصندوق جزءا كبيرا من امواله واموال اصحاب تعويض نهاية الخدمة مع انهيار الليرة اللبنانية في الثمانينات نتيجة الحوادث التي طرأت على البلاد وقلة خبرة الادارة وجهاز توظيف الاموال لديها، فضلا عن القانون الذي يحدّ من امكانات المحافظة على قيمة الموجودات. فاضطر الصندوق، استثناء لقانون انشائه ومبرر وجوده، الى ربط صرف التعويض بتسوية الاشتراكات. كما اضطر الى اجراء التسوية مع كل صاحب عمل، عمِل عنده الاجير طوال تلك المدة، على حده وللفترة التي عمِل فيها. انما ما حدث فعليا هو ان الاجير تحمل العبء شبه الكامل عن السنوات التي سبقت انهيار النقد وخاصة عندما اضمحلت المؤسسة، التي كان يعمل فيها، ضحية الظروف الامنية والاقتصادية السائدة، ولم تتجسد التسوية.
ويطرح فرع التعويضات العائلية اشكالية اساسية: هل يستحق فقط الاجراء الذين ينتمون الى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي تعويضات تساعدهم على تربية اولادهم؟ وما هو وضع العاطلين عن العمل، وقد يشكلون اليوم عشرين بالمئة من القوى العاملة؟ والعاجزين عن العمل بسبب طارئ عمل او امني او اعاقة؟ وصغار الحرفيين؟ واصحاب المؤسسات المكروية؟ وهنا يظهر ان السبب الوحيد لتكليف الصندوق بالتعويضات العائلية هو تحميل العبء الى صاحب العمل. ويتعارض ذلك مع التضامن المجتمعي في الوطن الواحد لصالح تضامن فئوي؛ وغالبا ما يبقى هذا التعويض نظريا حيث يأخذ معظم اصحاب العمل بعين الاعتبار، سلفا، كلفة التعويض العائلي التي يدفعونها عن الزوجة والاولاد ويحسمونها من الراتب عند الاستخدام.
ويشكل فرع المرض والامومة الفرع الاساسي الذي انشئ من اجله الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والذي يجب تنميته والمحافظة عليه لحين تستطيع الدولة اللجوء الى نظام اشمل يضمن كافة المواطنين. ويشكو الصندوق بشكل عام، وفرع الضمان الصحي بشكل خاص، من عدة تشوهات نذكرها من منطلق المحافظة عليه بصفته حاجة اجتماعية بالغة:
اولا- المعاملات الادارية:
يحتاج اجراء الفحوصات الطبية والدخول الى المستشفى واسترداد قيمة الادوية، وسائر الخدمات الطبية التي تجري خارج المستشفى، الى موافقة مسبقة من ادارة الصندوق وساعات انتظار طويلة على شباك المؤسسة واسابيع انتظار ان لم يكن اشهراً للاسترداد؛ بالوقت الذي يجري المؤمّن بالقطاع الخاص كافة معاملات الدخول على باب المستشفى او المختبر ولا يستغرق ذلك سوى بضع دقائق. وهذا يثبت المقولة في بداية هذا الفصل ان المشكلة الاساسية في العناية الصحية في القطاع العام هي ضعف التنظيم والادارة.
ثانيا- الفئات العمرية المسجلة بالصندوق:
لا تزال الفئات التي تنتمي الى فرع الضمان الصحي شابة (جدول رقم 2) وهذا يعني ان كلفة العناية الطبية لا تزال متدنية، وان كل مشروع يفيد المتقاعدين “الجدد”، اي كل مشروع يستـثـني المتقاعدين قبل صدوره قد لا يواجه صعوبة بالتمويل و/او خطر العجز، نظرا الى نسبة عدد المتقاعدين مقارنة بالعاملين في السنوات الاولى القادمة. وترتفع النسبة بشكل ملحوظ عندما تتقاعد شريحة 41/51 سنة، اي بعد متوسط عشرين سنة. وبالطبع يتفاقم الوضع في السنوات العشر التالية؛ مما يستدعي ادارة دقيقة جدا لملف الصحة.
| جدول رقم 2- المضمونين اللبنانيين حسب العمرفي نهاية 2012 | |||
| الفئة العمرية | ذكور | إناث | المجموع |
| دون 20 | 5,626 | 6,430 | 12,056 |
| من 20 إلى 30 | 82,526 | 80,288 | 162,814 |
| من 31 إلى 40 | 83,015 | 45,102 | 128,117 |
| من 41 إلى 50 | 86,370 | 38,793 | 125,163 |
| من 51 إلى 60 | 63,381 | 22,065 | 85,446 |
| من 61 إلى 64 | 13,889 | 3,272 | 17,161 |
| فوق 64 | 25,933 | 3,549 | 29,482 |
| المجموع | 360,740 | 199,499 | 560,239 |
المصدر: الموقع الالكتروني للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي
ثالثا- المنتسبون الى فرع المرض والامومة:
يضم فرع المرض والامومة حوالي 594 الف مضمون (جدول رقم 3)، منهم 560 الفاً من اللبنانيين و34 الفاً من الاجانب. ويبلغ العدد الاجمالي للمستفيدين، اي المضمونين ومن هم على عاتقهم حوالي مليون وثلاثماية واثنان وعشرون الف مستفيد.
| جدول رقم 3- عدد المضمونين حسب نوع العمل نهاية 2012 | |||
| نوع العمل | ذكور | إناث | المجموع |
| اجير عادي | 302,660 | 137,087 | 439,747 |
| اختياري | 11,171 | 1,611 | 12,782 |
| افران | 708 | 373 | 1,081 |
| بائع صحف | 46 | 0 | 46 |
| سائق أجير | 4,443 | 10 | 4,453 |
| سائق مالك | 36,141 | 85 | 36,226 |
| طالب | 23,127 | 33,665 | 56,792 |
| طبيب | 5,708 | 1,308 | 7,016 |
| قطاع البحر | 91 | 0 | 91 |
| مختار | 2,064 | 30 | 2,094 |
| مدرس | 6,061 | 27,416 | 33,477 |
| المجموع | 392,220 | 201,585 | 593,805 |
المصدر: الموقع الالكتروني للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي
رابعا- المؤسسات المسجلة بالصندوق:
يبلغ عدد المؤسسات التي تخضع لصاحب عمل حوالي 47 الف مؤسسة (جدول رقم 4)؛ منها 39 الف مؤسسة مكروية، 5 آلاف مؤسسة صغيرة، الفا مؤسسة متوسطة، وبضعة مئات مؤسسات كبيرة[2]. وتضم تلك المؤسسات حوالي 440 الف مضمون يستفيدون وعائلاتهم من عطاءات الصندوق.
ومن الشائع ان المؤسسات المذكورة اعلاه تسدد الاشتراكات عن حوالي 300 الف مضمون فقط من اصل 440 الفاً مسجلا بالصندوق وتابعا الى مؤسسات مسجلة وفقا للاصول، مما يعني ان ما يوازي ثلث هذا العدد اي حوالي 140 الفا لا يسدد الاشتراكات المتوجبة عليه ما يطرح العديد من التساؤلات.
فنحن اذ ذاك امام مشكلة مزدوجة:
- يقدر عدد المؤسسات التي تخضع لقانون التجارة حوالي 180 الف مؤسسة، مسجل منها فقط 47 الفاً في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (جدول رقم 4) ؛
- وتصرح تلك المؤسسات عن 440 الف اجير الى الصندوق وتدفع اشتراكات عن 300 الف اجير فقط.
| جدول رقم 4- عدد المؤسسات المستمرة المسجلة بحسب عدد الاجراء بتاريخ 31-12-2013 |
||
| عدد المؤسسات | عدد الاجراء | |
| 39,380 | من أجير واحد إلى 10 أجراء | |
| 3,472 | من 10 إلى 20 | |
| 1183 | من 21 إلى 30 | |
| 660 | من 31 إلى 40 | |
| 353 | من 41 إلى 50 | |
| 258 | من 51 إلى 60 | |
| 192 | من 61 إلى 70 | |
| 149 | من 71 إلى 80 | |
| 143 | من 81 إلى 90 | |
| 98 | من 91 إلى 100 | |
| 871 | أكثر من 100 أجير | |
| 46,759 | المجموع | |
المصدر: الموقع الالكتروني للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي
خامسا- الضمان الاختياري:
يضم قسم الضمان الصحي الاختياري المسنين الذين ابدوا رغبة بالاستفادة مقابل تسديد اشتراك، وعددهم 12782 (جدول 3). و قد لحظ القانون ان الصندوق غير ملزم بتسديد الموجبات، خلافا لفرع الضمان الصحي للعاملين، اذا حصل عجز بهذا القسم. وقد حصل منذ زمن وباشر الصندوق بتأخير المدفوعات، الى ان بات الانتظار سنوات. علما انه يتوجب على المضمون تسديد الاشتراكات. فامام هذا الاجحاف، عرضت إدارة الصندوق على الراغبين تسديد مبلغ مليون ليرة لبنانية مقابل شطب المتأخرات والانسحاب من الصندوق.
سادسا- عجز صندوق المرض والامومة وفرع التعويضات العائلية:
يعاني الصندوق من عجز متراكم منذ بضع سنوات بلغ حتى نهاية 2011 في فرعي المرض والامومة والتعويضات العائلية حوالي 818 مليار ليرة لبنانية؛ ونأمل ان لا يكون الحل بزيادة الاشتراكات (جدول رقم 5). وبلغت خسارة فرع المرض والامومة عام 2011 حوالي 51 مليار ل.ل. ومن المفروض ان يكون قد تحقق التوازن بعد رفع السقف من مليون ونصف مليون ل.ل. الى مليونين ونصف مليون ل.ل. وموّل الصندوق العجز المتراكم من فائض فرع تعويضات نهاية الخدمة. بالمبدأ يملك اصحاب الحسابات الشخصية رصيد هذا الفرع، الا انه من الشائع ايضا ان عددا من اصحاب التعويضات تركوا العمل المأجور و/او تركوا البلد قبل استحقاق التعويض وخسروا جزئا منه. فمن المقدر ان تصل قيمة الاموال التي لا تعود الى حسابات شخصية قادرة على المطالبة بها الى اكثر من المبلغ الذي استعمله الصندوق لسد عجز فرعي المرض والتعويضات العائلية.
| جدول رقم 5- الوضع المالي للفروع الثلاثة وفقاً لقطع حساب العام 2011 (الأرقام بملايين الليرات) |
| الفرع | الإيرادات | النفقات | النتائج | |||
| فرع ضمان المرض والأمومة |
اشتراكات | فوائد (عجز) | مدفوعات الدولة | تقديمات | نفقات إدارية |
50,976 – |
| 495,838 | (29,761) | 80,699 | 554,753 | 42,999 | ||
| 546,776 | 597,752 | |||||
| إجمالي العجز فرع ضمان المرض والأمومة المتراكم بتاريخ 31/12/2011 | 438,802 – | |||||
| فرع التقديمات العائلية |
اشتراكات | فوائد (عجز) | تقديمات | نفقات إدارية |
39,217 – |
|
| 288,636 | (25,933) | 271,894 | 30,026 | |||
| 262,703 | 301,920 | |||||
| إجمالي العجزالمتراكم فرع التقديمات العائلية بتاريخ 31/12/2011 | 379,748 – | |||||
| فرع تعويض نهاية الخدمة |
اشتراكات | مبالغ تسوية | فوائد | تقديمات | نفقات إدارية |
824,966 |
| 561,457 | 67,729 | 486,064 | 257,534 | 32,750 | ||
| 1,115,250 | 290,284 | |||||
| الأموال المتراكمة فرع تعويض نهاية الخدمة بتاريخ 31/12/2011 | 7,893,611 | |||||
| إجمالي العجزالمتراكم لغاية 31/12/2011 في فرعي ضمان المرض والأمومة والتقديمات العائلية | 818,540 – | |||||
المصدر: الموقع الالكتروني للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي
سابعا- يعاني الصندوق من ارتفاع في النفقات الادارية:
- فرع ضمان المرض والامومة: فمن اصل اشتراكات بلغت عام 2011 حوالي 496 مليار ل.ل. بلغت النفقات الادارية حوالي 43 مليار ل.ل. بمعدل 8.66% ؛
- فرع التقديمات العائلية: بلغت في السنة عينها الاشتراكات 263 مليار ل.ل. والنفقات الادارية حوالي 33 مليار ل.ل. اي بمعدل 12.5%؛
- فرع تعويض نهاية الخدمة: يختلف حساب هذا الفرع من حيث حُدد الاشتراك ب 8.5% منها 8% تسجل بالحسابات الشخصية و0.5% تخصص للنفقات الادارية. وقد بلغت تلك النسبة الاخيرة 33 مليار ل.ل. مقابل النفقات الادارية التي حددت بمبلغ 32.750 مليار ل.ل. ويبدو ان الصندوق اقتطع للنفقات الادارية فقط النسبة التي حددها القانون؛
وبالتالي يبلغ متوسط النفقات الادارية حولي 10 % ويستخدم الصندوق حاليا 1100 موظف بالوقت الذي يحدد له الملاك 2050 موظفا؛
- الى اين ترتفع النفقات الادارية اذا اراد الصندوق ملء الفراغ بالملاك ؟
- وهل بامكانه اجراء الاصلاحات اللازمة بعدد الموظفين الحالي ؟
1.3- الصناديق المستقلة
يعزو الاخصائيون في مجال الصحة ارتفاع كلفة العناية الطبية الى تعدد الصناديق. فمن جهة تفتقر بعض الصناديق الى اقتصاد الحجم، ومن جهة ثانية يؤدي تفاوت الخدمات الى مطالبة متزايدة من قبل الذين لا يتمتعون بنفس الحقوق، لا سيما الدرجة الثانية في المستشفيات او حتى الدرجة الاولى، بالوقت الذي يؤمّن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي درجة موحدة للجميع.
لقد بينت حسابات الصحة الوطنية ان الارقام المتداول بها في لبنان مبالغة وان المشكلة الاساسية التي تعطل الخدمة الطبية، هي ضعف الادارة التي تتسبب بالمشاكل البارزة على الارض: كثافة الخدمة الطبية والاستشفائية في بعض المناطق وفقدانها في غيرها، افتقار المستشفيات الحكومية المجهزة كليا للموارد البشرية، نقص في عدد الممرضات والممرضين، غياب الادوية generics الموثوقة. لا تتأثر تلك الامور بحجم الصندوق خاصة عندما يضم عشرات آلاف المضمونين واحيانا مئات الآلاف. وجعل تطور تقنيات المعلوماتية والاتصالات الوحدات التي تستفيد من اقتصاد الحجم وتبلغ طاقتها الانتاجية الفضلى اصغر بكثير من قبل عقدين اوثلاثة، وبالتالي اصبحت الصناديق الصغيرة نسبيا قادرة على المنافسة والاستمرار (جدول رقم 6).
وتتوزع الصناديق الصغيرة بين التعاونيات التابعة للقطاع العام، وتضم مجموعة اكثر من 14% من المواطنين، وصناديق التعاضد وتضم حوالي 3.5%؛ وتنشأ بإرادة المضمونين وغالبا بإدارتهم، وتساهم الدولة بمعظم الاحيان بتمويلها. وادت الاستقلالية التي تتمتع بها تلك الصناديق الى تباين كبير بالعبارات الطبية والاجراءات الادارية والاستفادة.
نقاط القوة لتعدد الصناديق:
- يؤدي تجانس المضمونين الى احتياجات مماثلة تحسن النوعية وتضبط الكلفة؛
- كما ينمي الشعور بالانتماء وبالمسؤولية تجاه الصندوق؛
- يمكن مراعاة مستوى المعيشة وتقديم الخدمات المطلوبة؛
- وتتميز البيئة الواحدة بسرعة القرار والتنفيذ؛
- وتسهل رقابة الصناديق الصغيرة، ويمكن وضع ضوابط لها اكثر بكلفة معقولة.
نقاط الضعف لتعدد الصناديق:
- لا يجوز تقديم خدمات مميزة للبعض، ولو باشتراك اعلى، عندما تسهم الدولة بالتكلفة؛
- تؤدي الخدمات المتفاوتة الى عدم رضى اولئك الذين هم غير المستفيدين من الدرجات العالية؛ والى المطالبة بخدمات مماثلة للجميع؛
- يعيق تشرزم الصناديق تحسين الخدمات الطبية بسبب اختلاف تسمية المرض، وتسمية الاجراء الطبي، وطريقة التعاقد والدفع؛
- لن تراعى دائما معايير اقتصاد الحجم عند انشاء التعاونية او صندوق التعاضد.
الفرص المتاحة:
- تساهم الصناديق الضامنة، بما فيها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فقط بثلث الانفاق على الصحة (جدول رقم 6) وبالتالي لا يزال المجال واسعاً لضمان صحة المواطنين. ولكن من الصعب ان يتسع نطاق الصناديق و/او يزداد عددها قبل تصويب ادائها، ونكرر ان ذلك لا يحتاج سوى لتحسين في الادارة العامة؛
- ويشكل توحيد الاجراءات والتسميات والمعاملات احدى اهم العوامل لتفعيل الصناديق وتطوير الخدمات التي تؤديها.
المخاطر التي يواجهها قطاع الصحة:
- نتيجة البطالة في لبنان، بات توظيف الاقارب والمحازبين الهم الشاغل لبعض السياسيـين. وهذه الظاهرة ساهمت بإكتظاظ الإدارات العامة ، ومنها المستشفيات الحكومية والمستوصفات والمراكز التابعة، وأوصلت عناصر غير كفوءة ومهملة للمصلحة العامة في العديد من الاحيان نظرا للحصانة التي تتمتع بها؛
- ضغط هذا الوضع على الرواتب والاجور في القطاع العام واصبح المساعدون الطبيون من اصحاب الكفاءة، يبحثون عن عمل في القطاع الخاص، او حتى خارج المهنة؛
- ان الاولوية التي يعطيها اللبناني للصحة بشكل عام ساهم بتطور وتنوع خدمات الرعاية الصحية وبالتالي زاد من حجم الاعباء الاضافية أي المبالغ المقتطعة وغيرها التي تفرضها وثائق التأمين، ورغم تدني دخل الفرد في لبنان لعب وعيه دورا كبيرا في زيادة الطلب على الخدمات الصحية. وهذا اضافة الى الاقبال الكثيف من الاخوان العرب على مستشفيات لبنان، ما حث العديد من الاطباء اللامعين في الخارج للعودة الى لبنان، خاصة ان معظمهم هاجر لنيل العلم والاختصاص واستقر في الخارج بحكم الظروف السائدة اثناء الحوادث. انما كان لهذا الوضع تبعاته السلبية اذ كشف عن نقص في بعض المجالات، لا سيما بالنسبة للمساعدين الطبيين في المستشفيات، والتفاوت الحاصل مع المستشفيات.
فهذا التطور الحاصل في مجال خدمات الرعاية الصحية لا بدّ ان يقابله عملا على الصعيد الاداري من ناحية توحيد الاجراءات الادارية، والتعريف عن الحالات المرضية والاجراءات الطبية والجراحية والادوية وغيرها من الخدمات والحاجات الطبية، حتى يتم التفاهم التام بين موردي الخدمات الطبية والمراجع المتعاقدة والمتعاونة في خدمة المريض، كي تبلغ اقصى درجة من الانتاجية الممكنة.
بالنسبة لإنشاء كافة انواع الصناديق، فان المعايير التي يجب اعتمادها لتوحيد الخطاب الطبي واحراز اعلى درجات الشفافية، فهي تصدر بقانون.
2 – معايير السياسة الصحية الفعالة
ترتكز السياسة الصحية على ثلاث مقومات اساسية:
- شمولية التغطية الصحية؛
- تسهيل اجراءات استفادة المريض؛
- تحسين الكلفة والنوعية والشفافية
2.1- شمولية التغطية الصحية
تضمن وزارة الصحة كافة المواطنين الذين لا يستفيدون من تغطية صحية من قبل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي او احدى التعاونيات او صناديق التعاضد و/او مؤسسات القطاع الخاص[3]. ويقدر مجموع المواطنين المستفدين من احدى الصناديق حوالي 53% من مجموع المواطنين، والنصف الآخر يقع مبدئيا على عاتق وزارة الصحة 30% او مباشرة على عاتق الأُسرة 12% وصناديق التعاضد حوالي 5%. ويبقى ذلك نظريا، اذ لا يصل الجميع الى مراكز العلاج، طالما لم تتواجد المستشفيات والمصحات في كافة المناطق ولا يوجد عيادات اطباء كافية في الاطراف.
ويعزز تلك الرؤية العبء الذي يقع على عاتق الوزارة، وهو في حدود 14 % من مجموع الانفاق على الصحة، وهذا الرقم ضئيل جدا مقارنة مع حجم المستفيدين. علما ان عدد الاطباء بالنسبة للسكان هو من ارفع المستويات في العالم 35.2 لكل عشرة آلاف شخص ).
كيف يمكن نقل المستشفى الى المناطق النائية ؟
وكيف يمكن نقل عيادة الطبيب الى تلك المناطق، حتى تعم العناية الصحية ارجاء الوطن؟
تتواجد المستشفيات في معظم المناطق، ولكن مع الاسف عدد منها متوقف عن العمل رغم تجهيزه بمعدات حديثة وكافية. ويعود سبب هذا التوقف الى عدم توفر الموارد البشرية اللازمة في تلك المناطق، واولا الطبيب.
يمكن اتخاذ اجراء بالتوافق مع نقابة الاطباء و/او نقابة المستشفيات الخاصة التي تشجع الطبيب على العمل في الاطراف قبل الحصول على وظيفة في مستشفيات المدينة.
وبالطبع سوف تتابع الوزارة برامج تجهيز المناطق اذا ما عادت المستشفيات المتوقفة الى العمل، سواء بمتابعة البناء او تحفيز وجود المستشفيات الخاصة.
يبدو دور الوزارة اساسي في تغطية عجز المستشفيات في المناطق غير الكثيفة بالسكان و/او الفقيرة، حيث لا يُقدم عليها القطاع الخاص لانعدام الجدوى الاقتصادية فيها. وهنا تلعب المنافسة بين القطاعين العام والخاص دورا اساسيا في تحقيق الجدوى الاقتصادية الشاملة لقطاع الصحة، حيث تقتصد الوزارة اموال الخزينة عندما يُقدم القطاع الخاص على انشاء المستشفيات ويوافق على التعاقد معها بشروط مناسبة، وتبني المستشفى عندما ترى مصلحة اقتصادية بذلك فضلا عن تأمين حاجة المنطقة. ويصح التفكير نفسه في مجال الإدارة، حيث يمكن للوزارة تكليف القطاع العام او القطاع الخاص بإدارة المستشفيات المستحدثة. وهكذا يمكن ان يؤمّن ” اقتصاد السوق” اعلى جدوى اقتصادية، والانتاجية الفضلى، وحسن استخدام الموارد.
2.2– تسهيل اجراءات الاستفادة
اختبار الصعوبات التي يعاني منها المضمون لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من اجل الحصول على موافقة مسبقة لدخول المستشفى و/او اجراء فحوصات و/او علاجات طبية، والمهل التي يستغرقها قبض الفواتير المدفوعة من المستفيد سواء في العيادات او الصيدليات.
وباتت تلك العمليات روتينية تتم قبل دقائق على باب المستشفى للمضمونين لدى شركات تأمين القطاع الخاص، بواسطة شركات متخصصة بإدارة الملف الصحي والدفع. ويعتبر المواطن سهولة المعاملات في قضايا الصحة شيئ اساسي. لذا لا بدّ من تسهيل تقديم المعاملات خصوصا للقاطنين في المناطق البعيدة عن المدن الاساسية من خلال تأمين مركز دخول اقليمي لتفادي عبور مسافات طويلة من اجل الحصول على الموافقة المسبقة وبالتالي الخدمات الصحية المنشودة.
تفرض ادارة الملف الصحي رقابة مستمرة على دخول المستشفيات الحكومية، سواء كانت ملكاً للدولة او تابعة لوزارة الصحة العامة بالتعاقد، ويتم ذلك بواسطة اطباء، مقيمين باستمرار بالتداول بالمستشفى، يشرفون على دخول المرضى على عاتق وزارة الصحة ويوافقون على العلاج. ولا يوجد صعوبة باستخدام عدد كاف من الاطباء، حتى في المناطق النائية، اذا اعتمد مبدأ ضرورة الممارسة سنتين بالمناطق قبل استلام وظيفة في أحدى مستشفيات المدن.
كما انه من الحكمة مطالبة المريض بنسبة مشاركة محدودة من قيمة الادوية، للحد من الاستعمال غير الضروري. وعلى سبيل المثال، ان فرض مساهمة 5% على المريض، بما يُعادل 10,000 ل.ل. كحد اقصى بحسب غلاء المعيشة السنوي، تجعل كلفة الوزارة 91% او 92% في اقصى حد، وبالتالي توفر على الخزينة 8% وعلى اجمالي الانفاق العام 3% .
2.3- تحسين الكلفة والنوعية
لن تدخل كلفة العناية الطبيه المطلقة في نطاق هذه الدراسة، لانها موضوع تقني تعالجه عن كثب الدراسات الفنية التي تحدد مستوى الخدمات الطبية التي يمكن تأمينها للمواطن وفقا للامكانات المتاحة؛ وبالعكس تتناول تلك الدراسة الموازنة التي تستطيع ان تخصصها الدولة لمواجهة كلفة العناية الطبية ، كليا او جزئيا، عوضا عن المواطنين غير القادرين على مواجهة تلك الاعباء. ويحدد بنظرنا مستوى الخدمات الطبية والموازنة المخصصة لها متوسط الدخل الفردي بالقدرة الشرائية مقارنة مع سائر الدول (جدول رقم 8). ويمكن مقارنة التقديمات في الدول ذات الدخل الفردي المماثل من اجل تحديد نوعية وكلفة الخدمات الطبية التي تستحق الدعم.
| جدول رقم 8- متوسط الدخل الفردي بالقدرة الشرائية PPP عام 2013 | ||||||
| الارجانتين | كرواتيا | مليزيا | لبنان | المكسيك | بلغاريا | ايران |
| $18,600 | $17,800 | $17,500 | $15,800 | $15,600 | $14,400 | $12,800 |
| CIA The World Fact bookالمصدر: | ||||||
3 – المشاريع القائمة والتطور في الاتجاه المفيد
انشأ الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، في منتصف الستينات، تعويض نهاية الخدمة بشكل مرحلي، لحين اعداد نظام للتقاعد؛ وبهذا الوقت اصبح الانتساب الى الفروع الثلاثة، تعويض نهاية الخدمة والمرض والامومة والتعويضات العائلية، الزامياً، وعند بلوغ سن التقاعد او طلب صرف التعويض يخرج المضمون من الصندوق ويخسر ضمان المرض. يفقد المرء التغطية الصحية في سن التقاعد عندما يصبح بامس الحاجة اليها. وكان معروفا من البداية ان هذا النظام لا يؤمن حماية اجتماعية لائقة، لكنه افضل من الفراغ. قبل انشاء الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، لم يكن هنالك تغطية صحية وكان يمنح صاحب العمل تعويضا للاجير بمعدل شهر واحد عن كل سنة عمل، مع حد اقصى عشرين سنة، يتقاضاه عند بلوغه سن التقاعد، 64 سنة للرجل و60 سنة للمرأة، او اذا اراد ترك الخدمة بعد عمل عشرين سنة عند صاحب عمل واحد. وقد يفقد الاجير تعويضه اذا ترك العمل من تلقاء نفسه قبل بلوغ سن التقاعد او قبل اتمام فترة العمل المذكورة. جاء الصندوق ليضمن حق الاجير اذا ما انتقل من عمل الى آخر، واعتبر ان الاموال التي كونتها الاشتراكات هي من حقه المطلق حتى لو ترك الخدمة قبل بلوغ سن التقاعد او قبل العمل لمدة عشرين عاما لدى صاحب عمل واحد. الا اذا اراد تصفية التعويض لغرض ما قبل السن القانونية او قبل فترة خمسة وعشرين سنة عمل (الفترة التي اعتمدها الصندوق)، عندئذ يستحق له تعويض جزئي ويخسر الرصيد. وفي مطلق الاحوال يعتبر خارج الضمان ولا يستفيد من الضمان الصحي والتعويضات العائلية اذا كان متأهلا وله اولاد. وكثيرا ما انفق تعويض نهاية الخدمة على الخدمات الطبية التي احتاجها الاجير بعد خروجه من الصندوق.
3.1 – مشروع التقاعد والحماية الاجتماعية
تطالب النقابات واصحاب العمل بهذا المشروع منذ انشاء الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وبرزت عدة مشاريع لم تر النور تارة خوفا من كلفتها على المجتمع وطورا خوفا من اعطاء الفضل للجهة السياسية التي طرحتها. وفي مطلع التسعينات وضع تجمع رجال الاعمال مشروعا يستند الى ثلاث ركائز: الاولى توازي مرتين الحد الادنى للاجور والانتساب اليها الزامي للجميع؛ والثانية تحت سقف ست مرات الحد الادنى للاجور والانتساب اليها الزامي ايضا؛ والثالثة اختيارية وتتوجه الى اصحاب الرواتب العالية. ويستفيد من الضمان الصحي كافة المنتسبين الى هذا البرنامج. الاولى والثانية مبنية على نظام التوزيع، وفقا لمبدأ التضامن المجتمعي، والثالثة مبنية على مبدأ الرسملة، اي الحسابات الخاصة كما هو الوضع في الاستثمار الخاص .
وسنة 2001 وضع الرئيس الراحل رفيق الحريري مشروعا مبنيا فقط على الرسملة، قناعة منه ان ذلك يلغي الحجج ويساعد على الانطلاق بالمشروع ، وعرضت الحكومة المشروع آنذاك على المجلس الاقتصادي والاجتماعي ، فتم التوافق عليه، في غضون شهر، بالإجماع بعد التأكيد على اعتماد جزء اول توزيعي يعبر عن التضامن المجتمعي في هذا المجال.
وادخلت الحكومات المتتالية تعديلات على هذا المشروع وراى طريقه الى اللجنة البرلمانية المشتركة برئاسة النائب عاطف مجدلاني؛ وتداولت التفاصيل اكثر من سنة. وعندما جاءت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الى الحكم، طلب وزير العمل آنذاك، الاستاذ بطرس حرب، استرداد المشروع وتمت مناقشته بشكل مسهب مع ممثلي اصحاب العمل و النقابات بوجود ادارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والاخصائيين الاكتواريين. يضمن هذا المشروع التقاعد بعد بلوغ السن القانونية مع استمرار الضمان الصحي للمتقاعد ولعائلته، كما الوضع عندما كان في طور العمل. وحددت الاشتراكات آنذاك بمعدل 13.5 % على عاتق المؤسسة والمضمون والحكومة؛ ولكن لم ينته البت لجهة ان ترتفع الاشتراكات او ينخفض المعاش عند حصول عجز بالنظام. وقبل تغيير الحكومة استعان الوزير بمنظمة العمل الدولية التي قدمت له دراسة صادرة عن مؤسسة استشارية كندية اقترحت فيها اعتماد الاشتراكات الافتراضية التي برايها توفق بين الطرفين. وتوقف المشروع مع قدوم وزارة الرئيس تمام سلام.
3.2 – مشروع افادة المتقاعدين من ضمان المرض
عند تعثر مشروع التقاعد والحماية الاجتماعية بحثت اللجنة النيابية مشروعا يؤمن استمرار الضمان الصحي للمتقاعدين. يساهم الاطراف الثلاثة، المؤسسة والمستفيد والحكومة، كل بواحد بالمئة من راتب الاجير مع حد اقصى يعادل السقف المعمول به في الضمان الصحي، حاليا وهو مليونان ونصف مليون ليرة لبنانية بالشهر. يستفيد من المشروع المتقاعد وافراد عائلته وفقا لنظام شبيه بفرع المرض، شرط ان يكون قد ساهم لمدة عشرين سنة على الاقل بالصندوق. ويتحمل المتقاعد فيما بعد اشتراكا قدره 9 بالمئة من الحد الادنى للاجور القائم بتاريخ الاستحقاق.
وبينت الدراسة الاكتوارية انه من الممكن المحافظة على نسب الاشتراكات حتى عام 2050 – وقد يتم قبل ذلك استبدال هذا النظام بمشروع التقاعد والحماية الاجتماعية او بنظام التغطية الصحية الشاملة لكافة المواطنين.
3.3 – مشروع التغطية الشاملة
طرح هذا المشروع عام 2012 من قبل وزير العمل في حكومة الرئيس ميقاتي الاستاذ شربل نحاس. ومن حسناته لم يترك احدا خارج الضمان الصحي. عمليا يستفيد الجميع من “درجة الضمان”، ويلحق الى التأمين الخاص من يرغب الاستفادة من الدرجات العالية. يُمَوَل هذا النظام من موازنة الدولة ويؤمن التضامن بين كافة افراد المجتمع. ولكن ادى هذا النظام الى عجز كبير في عدة دول متقدمة، اضطر بعضها الى الرجوع عن عدد من المنافع التي كانت تمنحها للمواطنين، وذلك للحد من كلفة النظام وتأمين استمراره.
وفي التاريخ الحديث عرض كل من الدكتور كرم كرم والدكتور جواد خليفة، عندما كان وزيرا للصحة، تصورا متكاملا حول التغطية الشاملة، ولم تكن الدولة آنذاك مهيأة لمواجهة طموح هكذا مشروع؛ علما ان العائق الاساسي هو التمويل. بالمبدأ عندما يتناول مشروعاً كافة المواطنين، يصبح الطريق الصحيح لتمويله خزينة الدولة عبر الضريبة. ولكن يجب الاخذ بالاعتبار التجارب الحاصلة في الدول المتقدمة، حيث بات التأمين الصحي الشامل مصدر عجز متراكم ومتنام. وبات السبب الاساسي للعجز المطالبة بخدمات مميزة ومتطورة، وعدم استعداد المواطن لدفع ثمنها. في لبنان يوجد فرصة لتأمين هذا التمويل عبر مساهمة المغتربين الذين يرغبون الاشتراك بنظام العناية الطبية من خلال دفع اشتراك سنوي يوازي متوسط الضريبة التي يسددها المواطن المستفيد.
4 – استراتيجية التغيير
تُستعمل عبارة “استراتيجية” كثيرا للدلالة على برامج مختلفة لا يوجد بالضرورة رابط بينها ويمكن ان يؤدي فشل احداها الى فشل المشروع. ونعني هنا بعبارة “استراتيجية التغيير” مجموعة برامج مترابطة بعلاقتها مع الهدف. فاذا فشلت احداها حلًت اخرى مكانها ولا تحول دون تحقيق المشروع. ونقترح استراتيجية مبنية على ثلاث ركائز: ادارة التغيير، ومرحلية التغيير، ودور الموازنة في تحقيق التغيير.
4.1- انشاء ادارة التغيير
يحتاج التغيير الى ادارة على بينة كاملة من اهداف السياسة الصحية والامكانات المتوفرة، تتابع عن كثب تطورها، ترصد الطلب، وتراقب تطور نوعية وكلفة الخدمات الطبية ، وتأخذ الاجراءات لتصويب كل انحراف في العرض.
وكي تقوم الوزارة بهذا الدور فعلا، عليها ان تتخلى عن الاجراءات التنفيذية التي تستنفذ نشاطها، كمنح الموافقات المسبقة لدخول المواطنين المستشفى وتوزيع الادوية المجانية. والا توجب انشاء هيئة ناظمة مستقلة تتولج تنظيم عرض الخدمات الصحية، كمنح الاذونات في انشاء المستشفيات والمصحات واستيراد المعدات الطبية والادوية والعقاقير، ووضعها في الاستهلاك، والسماح بفتح الصيدليات، ووضع مواصفاتها ومراقبة عملها؛
اي القيام بدور الوزارة الطبيعي ان لم تنصرف هي الى هذا العمل التنظيمي والرقابي وتتخلى عن العمل الروتيني في توفير وادارة الخدمات الصحية .
4.2- وضع تصور ومراحل التغيير
يوجد علاقة بين متوسط الدخل الفردي ومستوى الخدمات التي تستطيع البلد تقديمها. يقدر متوسط الدخل الفردي في لبنان بحوالي 15 الف دولار اميركي بالقدرة الشرائية. وهذا يحدد قدرة الدولة على الانفاق على الصحة، بالمقارنة مع الدول التي تتمتع بدخل فردي مشابه.
وهذا لا يستوجب بالضرورة دراسة مستوى الخدمات الطبية في الدول المماثلة بما ان الطب في لبنان متقدم بما فيه الكفاية، بل من اجل معرفة المنحى الذي يمكن ان يأخذه الانفاق على الصحة في المستقبل نظرا لاهمية هذا المرفق عند اللبنانيين واستعدادهم للتضحية من اجل الحصول على خدمة طبية مميزة.
ويجدر بالذكر ان اعتماد متوسط الدخل الفردي بالقوة الشرائية، للمقارنة مع الدول المماثلة، يجعل الخدمات الصحية تفوق طاقة شريحة كبيرة من المواطنين نظرا لتفاوت المداخيل. ولكن هذه هي بالضبط الكلفة التي تقع على عاتق الدولة لتحقيق التضامن المجتمعي. تلحظ تلك الخدمات بموازنة وزارة الصحة وتنفق من العائدات الضريبية لصالح ذوي الدخل المحدود.
وبهذا نكون قد حددنا اتجاه العناية الصحية والكلفة التي يصح ان تتحملها الدولة؛ وقد يتم ذلك تدريجيا حتى بلوغ الهدف المنشود. قد تستغرق تلك المدة من ثلاث الى خمس سنوات ترتفع خلالها موازنة وزارة الصحة لتأمين الخدمات الصحية اللائقة للطبقات غير الميسورة بالمستوى الذي يبرره متوسط القدرة الشرائية للمواطن.
4.3- ربط الموازنة بتحقيق التغيير
يجب الانتقال من نظام تحديد موازنة وزارة الصحة التشغيلية، بناء على موازنة السنة السابقة وعدد المواطنين الذين اخذتهم على عاتقها والموازنة التجهيزية، اي انشاء مستشفيات ومصحات استنادا الى خطة مبنية على حاجات تقديرية او دراسات استقصائية للحاجات المرتقبة؛ الى نظام يعتمد “القدرة الصحية” بناء على متوسط القدرة الشرائية للدخل الفردي، وتوزيع عناصرها بين مختلف الحاجات وفقا لمتابعة الشؤون الصحية متابعة يومية والتكيف مع الحاجات الظاهرة حتى يحصل اللبنانيون على الخدمة الصحية التي يتوق اليها المواطن ويبررها الدخل القومي.
5 – الاهداف المرتقبة
نذكر هنا الاهداف المرحلية التي يجب تحقيقها من اجل تأمين التطور المطلوب في مجال العناية الصحية. وتستهدف الاجراءات المعتمدة تحسين الخدمة وتخفيض الكلفة.
5.1– توحيد العبارات الطبية
تعددت العبارات التي تدل على الاجراءات الطبية والعقاقير والخدمات تبعا لتعدد المراجع التي ساهمت بانشاء النشاطات ونشر الثقافة الطبية في لبنان، معتمدة على ادبياتها الذاتية. كان ذلك ثراء في وقت من الاوقات، ولكن اصبح عائقا في ادارة المرافق الصحية، وتنظيم عملها، وتوحيد الخطاب بين الهيئات المتعاقدة والمتفاعلة في المجال الطبي؛ ويشير هذا الامر الى ضرورة اعتماد عبارات موحدة للتعامل فيما بينها.
5.2– توحيد الاجراءات الادارية
تطغي البيروقراطية اللبنانية على الاجراءات الادارية في المجالات الطبية كما هو الواقع في مختلف المجالات. ويحتاج تطور النظام الصحي الى توطيد العلاقة والتعاون بين مختلف الصناديق الضامنة وموردي الخدمات الصحية من جهة، ووزارة الصحة وسائر الادارات المعنية من جهة اخرى، وهذا يتطلب توحيد الاجراءات الادارية للوصول الى نظام عقلاني مفيد.
5.3- تقريب شروط الاستفادة
يشجع نظام الحرية الاقتصادية التباين بين شروط الاستفادة من صناديق التعاضد التي تعمل على اصول شبيهة بالتأمين الصحي في القطاع الخاص. لكن عندما تساهم الدولة بتمويل الصندوق، وتأخذ بالتالي على عاتقها جزءا من الكلفة، فلا يجوز عندئذ منح شروط خاصة على حساب المال العام، ذلك اذا سلمنا جدلا ان دعم الصناديق المستقلة هو محق بدلا من تشجيع افراده على الانخراط بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
6 – الضغوط الراهنة والمرتقبة
يشكل تعدد الصناديق بحد ذاته دعوة لمقارنة المنافع والمطالبة بشروط مماثلة، لا سيما على عاتق الدولة، خاصة عندما تتفاوت درجات الاستشفاء.
6.1- الضغوط الناتجة عن تناقض المصالح
يساهم صاحب العمل والاجير والدولة بتمويل فرع المرض والامومة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بنسب مختلفة؛ ويعتبر الفرقاء ان المساهمة طبيعية ومحقة، من حيث تُحسن الطمأنينة، الناتجة عن ضمان المرض، ظروف العمل والانتاجية، وتشكل مساهمة الخزينة تعبيرا مباشرا عن التضامن المجتمعي. وعندما يتغير سقف الاشتراكات تبقى النسب على حالها؛ وقد حددتها سابقا، وبشكل شبه نهائي، المفاوضة بين الاطراف كما اقرتها الدولة. ويحد السقف من جهة مبلغ النفقات الطبية، ومن جهة ثانية نسبة التضامن بين الاجراء، حيث اعتبر المشترع انه لا داعي ان يسدد اصحاب الرواتب المرتفعة اشتراكات عن كامل اجورهم طالما الاستفادة هي واحدة.
6.2- الضغوط الناتجة عن الحقوق المكتسبة
يشكل التفاوت بين شروط الاستفادة مصدرا لعدم الرضى على الواقع، ومطالبة بالمعاملة بالمثل من قبل الذين يشعرون ان وضعهم لا يوازي وضع سواهم، ويهدد الاستقرار في المجال الصحي، ويتسبب باستمرار زيادة الأكلاف . ويأبى اصحاب الامتيازات التراجع عن الدرجة التي حصلوا عليها ويعتبرونها بمثابة حقوق مكتسبة لا يجوز التراجع عنها. لذلك ينبغي معالجة هذا الامر باكرا والسعي الى ان لا يتكرر بالمشاريع القادمة. وبالتالي لا يجوز ان تساهم الدولة باي صندوق يمنح شروطاً متفاوتة عن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
6.3- الجمود الناتج عن ضعف الامكانات
حالت الازمة الاقتصادية العاصفة في البلاد، وغياب النمو في السنوات الاخيرة، دون تحسين الشؤون الصحية، وباتت المحافظة على الخدمات مهمة صعبة. وينبغي الاستفادة من كل تحسن في الظروف الراهنة من اجل العمل على سد الفجوة بين الخدمات الصحية التي تتحمل الدولة اعباءها او تساهم بها، ومواءمة شروط الاستفادة بين المضمونين، والحد من المقارنة والمطالبة.
6.4- الوضع الشاذ الذي اوجده النازحون
يعيش حاليا في لبنان مليون ونصف مليون نازح من سوريا والعراق في ظروف حياتية صعبة، عدد كبير منهم تحت الخيم، حيث يزداد خطر الامراض والعدوى. ويطرح ذلك اشكالية مزدوجة: تمويل التجهيزات اللازمة لمواجهة العدد المستجد؛ تسديد فواتير الاستشفاء وموردي الخدمات الصحية. صحيح ان لجنة الامم المتحدة للاجئين والانروا وغيرها من الهيئات الدولية تساهم بالأكلاف المرضية، ولكن يبقى ذلك غير كاف لتغطية الحاجة الفعلية، ويضطر لبنان من الناحية الانسانية تسديد أكلاف تفوق طاقته.
تحتاج مواجهة تلك المعضلة الى معالجة خاصة تبدأ بدراسة معمقة عن الحاجات والامكانات، وتطرح بشكل اساسي التضامن الدولي، حيث دونه لا يمكن عمل الكثير.
اما على صعيد التجهيزات، خاصة في المستشفيات والمصحات، يمكن تسريع خطة تجهيز المناطق والاطراف، فيتم استعمالها من قبل النازحين ومن ثم تكون قد اكملت شبكة الخدمات الصحية على كافة الاراضي اللبنانية. وهذا يفترض اعداد تلك الخطة اولا حتى تأتي التجهيزات وفق الاحتياجات على المدى البعيد.
7 – اداة التغيير واسلوب عمل الوزارة
تشكل وزارة الصحة العامة اداة التغيير، عندما تتولج تنظيم القطاع، من حيث هي على بينة من التصور المستقبلي لقطاع الصحة والاهداف التي يجب تحقيقها لبلوغ هذا التصور. وهذا يفترض تفويض صلاحية تنفيذ الكثير من الاجراءات، التي تقوم بها الوزارة مباشرة اليوم، الى ادارات تنفيذية مختصة بتأمين الخدمات الصحية الى المواطنين، لا سيما مراقبة دخول المرضى الى المستشفيات؛ واستيراد وتوزيع الادوية التي تتحملها الوزارة. والا يجب من اجل المحافظة على القطاع، انشاء هيئة ناظمة مع صلاحيات كافية لممارسة هذا الدور.
7.1- دور الوزارة في تنظيم القطاع الصحي
سواء قامت الوزارة بتنظيم القطاع او انشأت الدولة هيئة ناظمة، يحتاج تنظيم القطاع الصحي الاضطلاع بالامور التالية:
أ ــ وضع البرنامج التنفيذي للتعاقد مع المستشفيات؛
ب ــ ابرام العقود ومتابعة تنفيذها؛
ت ــ وضع المخطط التنفيذي لانشاء المستشفيات الحكومية؛ والمساعدة على اجراء التلزيم ومراقبة التنفيذ والتجهيز؛
ث ــ الاشراف على كافة موردي الخدمات الصحية؛
ج ــ مراقبة تقديمات الصناديق الضامنة؛
ح ــ منح وسحب رخص مزاولة العمل لكافة المؤسسات التي تتعاطى النشاط الطبي، باستثناء تلك التي نظمها القانون؛
خ ــ اتخاذ الاجراءات الآيلة الى تصويب نشاط القطاع الصحي؛
د – الخ …
7.2- التوافق والتنسيق بين الجهات الضامنة
يفترض توحيد العبارات الطبية والاجراءات الادارية، التفاهم المسبق بين الهيئات الضامنة، والاتفاق على الشروط الممنوحة للمضمونين خاصة اذا استفاد الصندوق من مساهمة الدولة. وفي هذه الحالة لا يجوز ان تختلف الشروط عن تلك التي يمنحها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
ويصح من الناحية الادارية والاقتصادية توحيد صناديق المرض التي تستفيد من مساهمة الدولة، وعلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي القيام بهذا الدور، تمهيدا لنظام التغطية الطبية الشاملة. اما الصناديق القائمة على عاتق المضمونين او التأمين في القطاع الخاص، حيث تشكل المساهمة زيادة غير مباشرة على الراتب تخضع للضريبة، فهي اقرب الى تأمين القطاع الخاص ويجب ان ينظمها القانون الذي يسمح بإنشائها.
7.3- دور موازنة وزارة الصحة في تفعيل القطاع
ينبغي على الوزارة سنويا عند اعداد الموازنة:
- اعداد دراسة لحجم العلاج المتوقع على عاتق وزارة الصحة، استنادا الى ارقام السنوات الماضية؛ مع تفاصيل العقود المبرمة مع مستشفيات القطاع الخاص؛
- اعداد دراسة عن المستشفيات الحكومية، العاملة والمتوقفة كليا او جزئيا عن العمل، مع اسباب هذا التوقف، وحجم العلاج المرتقب ان تقوم به؛
- اعداد قانون برنامج لموازنة الانشاءات والتجهيزات التي تستغرق اكثر من سنة، مع تحديد الانفاق المرتقب في الموازنة السنوية قيد الاعداد؛
- اعداد لائحة شراء و/او استيراد الدواء مع تحديد المصادر.
8 – احداث آلية التنسيق والتطوير
يحتاج تنظيم القطاع الى جهاز يربط كافة موردي الخدمات لتأمين التواصل فيما بينهم لخدمة المريض، وهذا معتمد في كافة الدول المتقدمة منذ سنين عديدة وبالتحديد منذ انتشار الانترنت في اوروبا قبل عشرين عاما. ويعتبر ذلك قاعدة هامة للعمل الطبي كما لتنفيذ الاجراءات الادارية لراحة المريض.
8.1- السجلات الطبية الشخصية
تحفظ جميع المستشفيات حاليا ملف خاص لكل مريض تعالج عندها وتضعه تحت تصرفه. تكتسب هذه الملفات اهمية بالغة في معالجة الطوارئ، وتشكل مرجعا علميا هاما عند معاينة المريض، وتوفر عليه تكرار الفحوصات المخبرية. وبالتالي ينبغي ربط المستشفيات بمركز الكتروني واحد يسمح للاطباء الاطلاع على ملف المريض بشرط الحصول على اذن من الاخير.
8.2- المركز الالكتروني
يحتاج الربط بين الادارات والمستشفيات والصيدليات وغيرها من موردي الخدمات الطبية الى جهاز مركزي او شبكة تشترك بها كافة الجهات المعنية، ويتم التواصل الفوري فيما بينها لإتمام كافة الامور التي يحتاجها النظام الصحي . وبالطبع على الوزارة ان تقوم بهذا المشروع وتراقب تنفيذه وصيانته، وتحدد كيفية الربط به. ان الامثلة كثيرة في العالم حول هذا الربط وكيفية استخدامه علميا واداريا مع المحافظة على اعلى درجة من المناقبية الطبية، ويمكن اليوم اختيار انسب الاجهزة واحسن الانظمة لنقل الخدمات الصحية على كافة الاراضي اللبنانية الى مستوى القرن الواحد والعشرين.
8.3- المقاربة المالية للمشروع
ان تجهيز المرافق الطبية وربطها بالشبكة الالكترونية ليس بالعملية المكلفة، لان معظم المستشفيات تستخدم اليوم الوسائل الفنية الحديثة التي يمكن ربطها مباشرة بالشبكة وتمتلك معظم الادوات التي تحتاجها من اجل هذا الغرض. وبالتالي ان هذا المشروع قابل للتطبيق فورا.
9 – البرنامج التنفيذي لسياسة الصحة
يمكن استخلاص مما تقدم برنامجا عمليا لتطوير قطاع الصحة في لبنان، معتمدا على قدراته الذاتية وعلى ارادة اللبنانيين الذين يعيرون هذا المرفق الاولوية في شؤونهم الحياتية:
- يظهر من خلاصة البحث ان مستوى الطب متقدم في لبنان، يقصده العديد من دول الجوار ومن دول الخليج، وقد يضاهي الطب في البلاد المتقدمة. والمطلوب الآن هوتعميم الخدمة الصحية الجيدة بالمستوى عينه على كافة المناطق، وكل الطبقات الاجتماعية، لا سيما المهمشين الذين يتطببون على حساب “وزارة الصحة العامة”.
- لذلك يجب ان تنصرف وزارة الصحة الى شؤون ادارة القطاع، لا سيما باتخاذ الاجراءات الآيلة الى توفير الخدمات الصحية في المناطق والاطراف بالنوعية التي يحصل عليها المواطن في مستشفيات العاصمة وعيادات الاطباء فيها. وهذا يستوجب التخلي عن المسؤوليات الادارية المباشرة لا سيما في إدخال المرضى الى المستشفيات ومراقبة العلاج وتسديد الموجبات، وتوزيع الادوية التي تتحملها الدولة مباشرة الى المواطنين.
- كما ينبغي التركيز على الادارة الرشيدة من اجل تحقيق المساواة فيما بين المناطق والفئات الاجتماعية المحرومة. وهذا يفترض العمل على سلسلة الجودة في المجال الصحي، انطلاقا من وزارة الصحة العامة، والاطباء، والصناديق الضامنة، والمستشفيات، والمختبرات، والصيدليات، وسائر موردي الخدمات الطبية.
- ويهدف هذا البرنامج الى تحسين ظروف الانتاجية لإرساء قواعد سلسلة الجودة في مختلف مجالات العناية الصحية وعلى مساحة الاراضي اللبنانية: – تشغيل المستشفيات الكافية في المناطق وبالمستوى المطلوب، – استخدام عدد كاف من الاطباء وتشجيع فتح العيادات، – تشجيع عمل المساعدين الطبيين وكل موردي الخدمات الطبية.
- تحقق الوزارة البرنامج اولا عبر منافسة صحية بين القطاعين العام والخاص؛ وترسم الحدود بين انشاء المستشفيات على عاتق الخزينة والتعاقد مع مستشفيات خاصة تطبق سياسة الوزارة في المناطق. ويمكن ان يتم التعاقد جزئيا ويترك طابقا يستثمره الاطباء في خدمة الطبقة الميسورة. كما تتعاون مع نقابة الاطباء ونقابة المستشفيات الخاصة ونقابة الصيادلة وغيرها من ممثلين عن موردي الخدمات الطبية لخلق مناخ الاستثمار الملائم في المجال الطبي على كافة الاراضي اللبنانية.
- يحدد مستوى العناية الصحية، التي يمكن ان يواجهها الاقتصاد في بلد ما، متوسط القدرة الشرائية للدخل الفردي. ويشكل هذا المتوسط الحقوق الافتراضية الناجمة عن المواطنية. كما يشكل الفارق بين الامكانات الفعلية للفئات الاجتماعية الكادحة والحقوق الافتراضية الناجمة عن المواطنية هامش التضامن المجتمعي.
- لا يجوز ان تستمر الاعمال الروتينية، كاعطاء الموافقة المسبقة لدخول المريض الى المستشفى ومراقبة علاجه وتسديد الموجبات وغيرها من الاجراءات الطبية والمختبرية و/او تزويد المريض بالدواء، مباشرة على عاتق الوزارة؛ من الضروري تكليف شركة ادارة طرف ثالث (TPA) بتلك المهـام، كما هو الوضع في القطاع الخاص، لتنصرف الوزارة الى مهامها الاساسية في خدمة القطاع الصحي.
- وهذا ينطبق ايضا على الصناديق الضامنة، وفي طليعتها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، حيث تستغرق الاجراءات الادارية وقتا طويلا وعناء كبيرا، فضلا عن الانتظار طويلا لقبض المستحقات؛ في الوقت الذي يؤمن الطرف الثالث، لشركات التأمين في القطاع الخاص، هذه الخدمة بشكل فوري، قد استحق تقدير المؤسسات والافراد.
- على المدى البعيد لا بد من شمول كافة السكان ببرنامج العناية الصحية الشاملة على عاتق الموازنة العامة، وبالطبع بشروط الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، اي ما يعرف “بدرجة الضمان”. ويبقى التأمين الخاص للميسورين في سائر الدرجات. ومن اجل تجنب العجز الذي وقعت به دول عديدة، ينبغي الفصل تماما بين الضمان الصحي الشامل والتأمين الخاص.
يستطيع لبنان تصويب الخدمات الصحية بسهولة بفضل التقدم الذي احرزه في المجال الطبي؛ ويمكن تصحيح كل التشوهات، التي يعاني منها المواطن، بإجراءات ادارية تم اختبارها في لبنان والخارج، من شأنها ان تعطي نتائج فورية، وأن تطور مناخ الصحة في لبنان على المدى المتوسط؛ نأمل ان يُتخذ القرار باعتمادها.
للإطلاع على محور “السياسة الصحية وتفعيل ادائها” كما ورد في كتاب نهوض لبنان، اضغط Ch15-v5 السياسة الصحية



