خاص – يُباع بنصف قيمته.. التفاح اللبناني أمام مُفتَرق خطير

مع اقتراب موسم قطاف التفاح، يجد المزارع اللبناني نفسه أمام تحديات متزايدة في تصريف محصوله وتحقيق سعر يضمن له الاستمرار، في وقت تشير المعطيات إلى وفرة كبيرة في الإنتاج هذا العام وتراجع القدرة الاستيعابية لبعض الأسواق الخارجية. وبين وفرة المحصول وصعوبة تصريفه، يبرز السؤال حول واقع الأسعار التي يحصل عليها المزارع، وما إذا كانت تكفي لتغطية كلفة إنتاجه وتأمين موسم زراعي قابل للاستمرار.
في هذا السياق، اعتبر رئيس الاتحاد الوطني للفلاحين في لبنان إبراهيم ترشيشي في حديث لموقعنا Leb Economy أن القطاع الزراعي يعاني من مشكلات وثغرات كثيرة على مستوى الدولة، لافتاً إلى أن الزراعة لا تحظى بالاهتمام الكافي، باستثناء ما يبذله وزيرا الزراعة والصناعة.

وقال ترشيشي إن بعض المسؤولين يتعاملون مع المزارعين على أساس أنه يمكنهم ترك لبنان والاستثمار في دول أخرى إذا لم تعجبهم الظروف، فيما يتم تأمين ما يحتاج إليه البلد من الخارج عبر الاستيراد، معتبراً أن هذا النهج لا ينصف القطاع الزراعي والمزارعين، بل يشكل تعدياً عليهم.
وأشار إلى أن الزراعة في مختلف دول العالم تحظى باهتمام الدولة، التي تدعم المزارعين وتساعدهم على تصريف إنتاجهم محلياً وخارجياً، أو تخفف عنهم عناصر كلفة الإنتاج بما يمكّنهم من المنافسة والتصدير إلى الأسواق الخارجية.
واعتبر أن قدرة الدولة على زيادة صادراتها وخفض الاستيراد وتحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي تشكل من أبرز الإنجازات التي يمكن أن تحققها لمصلحة شعبها.
وكشف ترشيشي أن مشكلة التفاح هذا الموسم كبيرة، موضحاً أن لبنان يشهد غزارة في الإنتاج نتيجة الظروف المناخية الملائمة والأمطار التي أفادت الأشجار خلال شهري نيسان وأيار، متوقعاً أن يتراوح إنتاج التفاح هذا العام بين 200 و250 ألف طن.
وأوضح أن الثمار جاءت جيدة وناضجة، إلا أن أحجامها ليست كبيرة بسبب كثافة الحمل على الأشجار، لافتاً إلى أن وفرة الإنتاج تأتي في وقت تضيق فيه الأسواق أمام التفاح اللبناني.
وقال إن لبنان كان يصدر في السنوات العادية نحو 100 ألف طن من التفاح، فيما لم تتجاوز الصادرات العام الماضي نحو 70 ألف طن، بسبب ارتفاع أسعار التفاح عالمياً.
ولفت إلى أن مصر تُعد من أهم الأسواق بالنسبة إلى التفاح اللبناني، إلا أن هذا السوق يواجه بدوره ظروفاً اقتصادية صعبة، في ظل تراجع قيمة العملة وارتفاع سعر الدولار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، فضلاً عن تداعيات الأزمات والحروب والاضطرابات التي تشهدها المنطقة والعالم.
وأشار ترشيشي إلى أن هذه الظروف تنعكس على الأسواق وقدرة الدول والمواطنين على الإنفاق، موضحاً أن حالة عدم الاستقرار القائمة أدت إلى تراجع القوة الشرائية في عدد من الدول، ومنها الأسواق التي يعتمد عليها التفاح اللبناني.
وفي المقابل، قال إن أسعار التفاح في لبنان تراجعت بشكل كبير مقارنة بالعام الماضي، موضحاً أن معدل بيع صندوق التفاح كان يتراوح في الموسم السابق بين 12 و20 دولاراً، بينما يتراوح هذا العام بين 5 و10 دولارات، أي بنحو نصف القيمة التي كان المزارع يحصل عليها في الموسم الماضي.
وأكد ترشيشي أن هذه الأسعار لا تغطي كلفة الإنتاج، في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الأدوية والمبيدات والعمال والنقل والتوضيب والكرتون والبلاستيك والتبريد، إضافة إلى ارتفاع كلفة المحروقات، معتبراً أن المشكلة تكمن في ارتفاع كلفة الإنتاج في الوقت الذي تتراجع فيه أسعار المنتجات الزراعية.
وقال إن هذه المشكلة لا تقتصر على التفاح، بل تنطبق على غالبية المزروعات في لبنان، مشيراً إلى أن مزارعي العنب بدأوا بدورهم يواجهون تراجعاً في الأسعار بعد أن كانت مرتفعة في بداية الموسم.
وكشف ترشيشي أن المزارع يجد نفسه اليوم أمام محصول كبير لا يعرف كيفية تصريفه، قائلاً إن المزارع يقف أمام بستانه المليء بالتفاح من دون أن يجد التجار القادرين على شراء الإنتاج بالسعر الذي يضمن له تغطية كلفته.
وأوضح أن التجار يواجهون بدورهم صعوبات مرتبطة بتخزين التفاح وتبريده، إذ تحتاج البرادات إلى كميات كبيرة من المحروقات، في ظل ارتفاع أسعارها وعدم استقرارها، فضلاً عن ارتفاع كلفة استئجار البرادات.
واعتبر ترشيشي أن هذه التكاليف تدفع التجار إلى محاولة شراء التفاح بأسعار أقل، ما يؤدي إلى مزيد من الضغط على سعر المنتج.
وأشار إلى أن بيع صندوق التفاح بسعر 5 دولارات، إذا كان وزن الصندوق نحو 20 كيلوغراماً، يعني أن سعر الطن يبلغ نحو 250 دولاراً، معتبراً أن هذا السعر أصبح أقل من سعر العلف المستخدم للحيوانات.
وأضاف أن ارتفاع أسعار مختلف مستلزمات الإنتاج الزراعي يزيد من حجم المشكلة، محذراً من أن صوت المزارعين سيعلو أكثر إذا لم تتم معالجة الأزمة، ولا سيما أن التفاح يُعد حالياً من أكثر القطاعات الزراعية تضرراً في لبنان.
وفي ما يتعلق بالتحرك الرسمي، قال ترشيشي إن وزير الزراعة مهتم بملف التفاح ويحاول إيجاد أسواق جديدة لتصريف الإنتاج، مشيراً إلى أنه رافقه إلى الأردن حيث بذل جهداً للتوصل إلى اتفاق يسمح باستقبال جزء من الإنتاج اللبناني، إلا أن هذا الاتفاق لم يثمر حتى الآن.
ولفت إلى أن وزير الزراعة يعمل أيضاً على فتح أسواق جديدة من خلال المشاركة في المعارض الخارجية، موضحاً أنه توجه إلى العراق لتحريك الوضع، ويعتزم المشاركة في معرض السعودية في الثامن عشر من الشهر، وكذلك في معرض مدريد في السادس والسابع والثامن منه، في إطار العمل على إيجاد أسواق جديدة للتفاح اللبناني.
وشدد ترشيشي على أن هذه الجهود، على أهميتها، لن تكون كافية إذا لم تتم مساعدة المزارع نفسه، معتبراً أن فتح الأسواق وإبرام الاتفاقات لن يحقق النتائج المطلوبة إذا بقي المزارع عاجزاً عن تحمّل كلفة الإنتاج وتصريف محصوله بسعر مناسب.
وقال إن المزارع بات يسأل نفسه يومياً ماذا سيفعل بمحصوله، ولا يجد جواباً واضحاً، في ظل وفرة الإنتاج وتراجع الأسعار وصعوبة التصريف، معتبراً أن معالجة أزمة التفاح تتطلب حلاً فعلياً يضمن للمزارع القدرة على الاستمرار وعدم تحمّل الخسائر وحده.
وختاماً، أكد ترشيشي أن المزارعين يواجهون اليوم أزمة حقيقية، مشيراً إلى أن التفاح هو من أكثر الزراعات تضرراً في لبنان في المرحلة الراهنة، في ظل تراجع الأسعار وارتفاع كلفة الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية في الأسواق المحلية والخارجية.



