دولة تستجدي الدعم… وإداراتها تقفل أبوابها (اللواء 30 أيلول)

من أغرب مفارقات الدولة اللبنانية أن يجوب رئيس حكومتها ووزير ماليتها أروقة واشنطن بحثاً عن مساعدات وقروض عاجلة، فيما تُقفل الإدارات والمؤسسات العامة أبوابها في الداخل، وتتوقف المعاملات وتتراجع الجباية، وتُحرم الخزينة من موارد هي أحوج ما تكون إليها. ويأتي ذلك بينما تسعى الحكومة إلى اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي، بعدما بقي الاتفاق السابق معلقاً بسبب تأخر الإصلاحات، ولا سيما قانون معالجة الفجوة المالية.
لا يمكن لدولة أن تقنع البنك الدولي وصندوق النقد بجدارتها في الحصول على التمويل، بينما يعجز مواطنوها عن إنجاز أبسط المعاملات، وتبقى صناديقها الجابية مشلولة بفعل الإضرابات المتلاحقة. وفي المقابل، لا يجوز اختزال الأزمة باتهام موظفي القطاع العام، بعدما التهم التضخم رواتبهم، وأصبحت كلفة انتقال بعضهم إلى مراكز عملهم توازي جزءاً كبيراً من أجورهم.
المطلوب، إذاً، ليس كسر الإضرابات بالقوة، ولا الاستمرار في زيادات عشوائية للأجور سرعان ما تبتلعها موجات الغلاء. المطلوب صيغة اقتصادية متكاملة توقف هذه الحلقة الجهنمية: ترتفع الأسعار، فتزداد المطالبة بتصحيح الرواتب، فتتوسع الكتلة النقدية من دون زيادة الإنتاج، فيعود التضخم ليقضم الزيادة ويعيد الموظف إلى نقطة الصفر.
وتبدأ المعالجة بضبط حقيقي للأسواق، عبر مكافحة الاحتكار والتلاعب بالأسعار، وتشديد الرقابة على المستوردين وكبار التجار، واعتماد الفوترة الإلكترونية، ونشر هوامش الأرباح، وتأمين استقرار نسبي في كلفة الطاقة والنقل. وعندها يصبح ممكناً إقرار آلية دورية ومدروسة لتصحيح الأجور، مرتبطة بمؤشر الأسعار، وإيرادات الخزينة والإنتاجية، بدلاً من القرارات الارتجالية التي تعالج الأزمة لأشهر قليلة ثم تفجّرها من جديد.
لكن أي تصحيح للرواتب يجب أن يترافق مع فتح ملف الإصلاح الإداري بلا محظورات سياسية أو حزبية، وخاصة زبائنية. فمن غير المقبول أن يُطلب من الموظف الذي يداوم ويخدم المواطنين أن يتحمل وحده أعباء قطاع عام مترهل، فيما آلاف الأسماء الوهمية، أو المحمية سياسياً، تتقاضى رواتب وتعويضات من المال العام، وبعض أصحابها يقيمون في الخارج، ولا يعرفون حتى طريق إداراتهم!
الحل يبدأ بمسح شامل للموظفين، وربط دفع الرواتب بالحضور الفعلي، وإعتماد البطاقة الممغنطة، والبصمة الإلكترونية، ومراجعة التوظيفات غير القانونية، وتحديث نظام التقاعد لمدنيين والعسكريين، وإلغاء الوظائف الوهمية، ومحاسبة الجهات السياسية التي وفرت الحماية لهذا النزيف.
فالإصلاح ليس مطلباً خارجياً لإرضاء صندوق النقد، بل ضرورة وطنية. ولا معنى لطلب الأموال من واشنطن، إذا كانت الدولة تترك مواردها معطلة، وأسعارها متفلتة، وإداراتها مثقلة بموظفين أشباح. المطلوب حماية الموظف المنتج، وتطهير الإدارة من الطفيليات، وإعادة فتح أبواب الدولة أمام الناس، قبل طرق أبواب العالم طلباً للمساعدة.



