خاص – حين تضيق سبل العيش ويختنق الاقتصاد.. لبنان يحتاج إلى قرارات لا إلى شعارات!

ناشر ورئيس تحرير موقع Leb Economy ألفونس ديب
يبدو أن المشهد في لبنان يتدحرج نحو مزيد من التعقيدات، في ظل ظروف شديدة الصعوبة تجعل الحلول، في الوقت الراهن، محدودة ومتعثرة. ولعلّ أصعب هذه العقد يتمثل في الملف الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي، الذي أخذ منحًى حادًا تحت ضغط الارتفاع المتواصل في أسعار المحروقات، وانعكاساتها المباشرة على مختلف الفواتير والأكلاف الحياتية، وفي مقدمها الكهرباء والنقل.
نعم، تكمن خطورة الأزمة الراهنة في غياب القدرة الكافية على مواجهتها والحد من تداعياتها على المواطنين، في ظل دولة لا تزال عاجزة عن تجاوز تداعيات الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019، فضلًا عن الضغوط التي فرضتها الحرب المستمرة منذ عام 2023. وفي موازاة ذلك، تتآكل قدرات القطاع الخاص الذي يكافح للحفاظ على مؤسساته واستمرارية أعماله وتأمين فرص العمل للعاملين فيه.

اليوم، تبدو جميع أطراف الإنتاج أمام مأزق كبير: العمال وأصحاب العمل والدولة، كلٌّ منهم يواجه تحديات غير مسبوقة. ومع ذلك، تبقى المسؤولية الأساسية على عاتق السلطة العامة، التي يُفترض أن تبادر إلى اتخاذ خطوات مرحلية، وإن كانت مؤلمة بالنسبة إلى المالية العامة، بهدف تخفيف الأعباء عن المواطنين والمؤسسات الخاصة التي تحتضن مئات آلاف العمال والموظفين اللبنانيين.
وفي ظل العهد الجديد، يتطلع اللبنانيون إلى نهج مختلف ومقاربات اقتصادية واجتماعية جديدة، تقوم بصورة أساسية على صون كرامة الإنسان وتعزيز استدامة الاقتصاد، لا على اعتماد سياسات ضريبية عشوائية يكون هدفها الأول تأمين الإيرادات للخزينة، من دون النظر إلى انعكاساتها على المجتمع والاقتصاد.
ما يريده اللبنانيون، قبل أي شيء، هو دولة حديثة تمتلك سياسات اقتصادية ومالية واجتماعية واضحة وراسخة، تهدف إلى تحقيق تنمية مستدامة، وتعزيز النمو والازدهار الاقتصادي، وتأمين حياة كريمة تليق باللبنانيين، وفي الوقت نفسه تطوير مؤسسات الدولة وأدائها بما يجعلها أكثر قدرة على خدمة المجتمع والإنسان.
وفي العهد الجديد، ولا سيما في مواجهة أزمات بهذا الحجم، لا ينبغي أن يكون هناك مجال للشعبوية المفرطة أو للطروحات غير العلمية وغير الواقعية. لقد اختبر اللبنانيون مثل هذه المقاربات في ما مضى، وكانت النتائج كارثية. فالمطلوب اليوم هو صوت العقل، والابتعاد عن المزايدات، والانتقال من الخطاب إلى الفعل الإيجابي والبنّاء.
والمطلوب، قبل كل شيء، هو التقاء قوى الإنتاج، من ممثلي العمال وأصحاب العمل والدولة، حول طاولة واحدة للبحث في حلول سريعة وواقعية تخفف الأعباء المعيشية عن المواطنين، وتحفظ كرامتهم، وتصون المؤسسات الخاصة وقدرتها على الاستمرار، وتمنع الدولة من الانزلاق مجددًا نحو مزيد من الانهيار.
فالمرحلة لا تحتمل مزيدًا من التجارب، بل تحتاج إلى قرارات مسؤولة، وحوار جدي، وتعاون بين مختلف الأطراف، ووضع المصلحة الاقتصادية والاجتماعية للبنان واللبنانيين في صدارة الأولويات.



