ويستمر تضييع الشنكاش فيما أصحاب المصارف في حياة وردية (الجمهورية 11 ايلول)

يستمرّ تضييع الشنكاش. فبدلاً من الغوص في صلب الأزمة المالية والمصرفية، يتّجه حاكم مصرف لبنان كريم سعيد إلى ما سمّاه في مجالسه «ميني ريتز»، في محاولة لاسترداد نحو 5 مليارات دولار من مصادر متعدّدة، بينها أموال مرتبطة بدعم السلع، وقروض سُدِّدت على أسعار صرف مغايرة، وعمليات مالية بين مصرف لبنان والمصارف وكبار المودعين. ويعتمد هذا المسار على التدقيق في هذه العمليات، وفتح ملفات قضائية قد تقود إلى تسويات واسترداد مبالغ مالية. وكأنّ الهدف الهاء الجميع عن سرقة القرن الفظيعة التي حصلت، فيما الجهود يجب أن تتكثف في مكان آخر، لمنح العدالة لأصحاب الحقوق. أخبارلبنان
يريد الحاكم الدخول في عمليات معقّدة جداً وفيها ملابسات قضائية لا نهاية لها، والأهم أنّ هذه العمليات التي يُراد اليوم استرداد أموالها، جرت تحت سقف قوانين وأنظمة أُقرَّت في ظل تواطؤ بين أهل السلطة وأصحاب المصالح، من قانون النقد والتسليف، الذي منح حاكم مصرف لبنان صلاحيات واسعة في إدارة السياسة النقدية واتخاذ التدابير والهندسات المالية، إلى قوانين الإسكان والتسليف التي أتاحت، في مراحل مختلفة، تسهيلات وقروضاً استفاد منها أصحاب الثروات، وصولاً إلى التعاميم والقرارات التي نظّمت الدعم وسعر الصرف والتسهيلات المصرفية.
فإذا كانت هذه القوانين قد فتحت الباب أمام ممارسات ألحقت أضراراً بالمال العام وبالمودعين، أفليس الأجدى أن يبدأ الإصلاح من مراجعة هذه المنظومة التشريعية نفسها وتعديل القوانين التي سمحت بها، بدلاً من الاكتفاء بملاحقة بعض نتائجها بعد وقوع الكارثة؟ فالخلل لا يُعالج بملاحقة من استفاد من الثغرات، بل أيضاً بإغلاق الثغرات التي جعلت الاستفادة منها ممكنة أصلاً وتغيير القوانين.
ويريد الحاكم ملاحقة القروض التي سُدّدت على أسعار صرف مغايرة، وهنا نسأل: هل يحقق ذلك العدالة الاجتماعية؟ هل سيلاحق الموظف أو العسكري الذي أخذ قرضاً لشراء منزل وسدّده على أسعار أرخص، في الوقت الذي سُرقت فيه نسبة كبيرة جداً من راتب الموظف والعسكري بإشراف المصرف المركزي نفسه؟ وفي الوقت الذي نُهبت فيه تعويضات وصناديق نهاية خدمة هؤلاء؟
إذا كان الحاكم يريد ملاحقة الأغنياء الذين استفادوا من قروض إسكان ضخمة وحققوا منها مكاسب استثنائية، فهذا جيد. لكن هذا سيكون شبه مستحيل، نظراً للقوانين التي ذكرنا أعلاه، إلّا إذا حاسب منَ أقرّ هذه القوانين وهذا مستحيل. فالأفضل عدم تضييع الوقت بذلك. أمّا أن يعمّم الملاحقة على كل الموظفين الذين تمّت سرقتهم، فهذا ليس استرداداً للحقوق، بل زيادة في الظلم وإعادة معاقبة الضحية.
يشدّد الحاكم على القروض التي سُدّدت على سعر صرف أقل، ويتناسى مَن اضطر، تحت ضغط الحاجة والانهيار، إلى بيع وديعته بشيك مصرفي يساوي 10% من قيمتها، في مؤامرة بين المصارف والصرّافين الذين جرى تجنيدهم من قبل المصارف، لإقناع أصحاب الظروف الصعبة ببيع ودائعهم بأبخس الأسعار. هل سأل الحاكم مَن سهّل هذه العمليات؟ ومَن استفاد منها؟ ومَن حمى من قام بها؟ أم أنّ المحاسبة تصبح انتقائية عندما تقترب من المصارف وكبار المستفيدين؟
وهل سأل أيضاً عن الصناعيين والتجار الذين عُلّقت مستحقاتهم في الأسواق، واضطرّوا إلى قبضها بقيمة أقل بكثير من قيمتها الحقيقية؟ هل سيُحاسب مَن تسبَّب بانهيار القدرة الشرائية للناس، ومَن حجز أموالهم، ومَن فَرَض عليهم بيع حقوقهم بخسارة فادحة، أم أنّ هؤلاء خارج دائرة التدقيق، لأنّ ملاحقتهم لا تحقق العناوين السياسية السهلة؟ تابعالأخبار السياسية
والمفارقة الأكبر أنّ كل ذلك يجري، فيما يبدو أنّ الاقتراب من المصارف ممنوع. لا تدقيق جدّياً في حساباتها، لا مساءلة واضحة عن مسؤولياتها، لا فتح للملفات التي يفترض أن تكشف كيف جرت العمليات، ومَن استفاد منها، ومَن حوّل أموال المودعين إلى سلعة تُشترى بشيكات مصرفية بأبخس الأسعار. المصارف التي كانت في قلب الأزمة تبدو وكأنّها تتمتع براحة بال لافتة، فيما ينشغل مصرف لبنان بملاحقة هذا وذاك، ويفتش عن الموظف والمقترض والتاجر والصناعي والمودع الذي اضطر إلى اتخاذ قرارات تحت وطأة الانهيار.
فمتى تصل المحاسبة إلى المصارف؟ أم أنّ هناك خطوطاً حمراء لا نعرفها؟ لماذا يُطلب من المقترض أن يبرّر قرضاً سدّده وفق آليات سمحت بها القوانين والتعاميم، بينما لا يُطلب من المصرف أن يشرح أين ذهبت الودائع، وكيف حُجبت، ولماذا بيعت الشيكات المصرفية بأقل من قيمتها، ومَن استفاد من هذه السوق، ولماذا بقيت دفاتر المصارف بعيدة من التدقيق الحقيقي؟ أخبارلبنان
وحتى المصارف التي يُقال إنّها متعثرة، يبدو أنّ التعثّر لا يطال أصحابها. فكيف أفلس المصرف وبقي أصحابه يعيشون في غنى لافت، ويشترون العقارات ويدخلون في استثمارات جديدة، فيما أموال المودعين عالقة؟ وكيف خرجت الأموال إلى الخارج، ومَن موَّل هذه الاستثمارات، ومَن راقبها؟ هل كل ذلك جرى من دون علم المصرف المركزي؟ أم أنّ المحاسبة تصل إلى المقترض والمودع والموظف، ثم تتوقف فجأة عند أصحاب المصارف؟
إذا كان الحاكم يريد فعلاً تحقيق العدالة لأصحاب الحقوق، كفى تضييعاً للوقت، فليبدأ من حيث يجب أن يبدأ: من المصارف، من دفاترها، من التحويلات، من كبار المستفيدين، من أصحاب القرار، ومن كل مَن شارك أو سهّل أو استفاد أو تستّر. أمّا أن تصل الملاحقة إلى الموظف والعسكري والمودع والصناعي والتاجر، ثم تتوقف فجأة عند باب المصرف، فهذه ليست «ميني ريتز» ولا استرداداً للأموال، بل تضييع للشنكاش على حساب الناس، وإعادة إنتاج للظلم نفسه بأدوات جديدة.
الحاكم نفسه الذي يرفض حتى اليوم الإفصاح عن المعلومات التي يملكها المركزي والإجابة عن الأسئلة التي سألناها مراراً؟ نسأله لماذا تضيّع الوقت بإجراءات هامشية؟ هل المقصود تضييع الشنكاش ودفن الحقيقة في ملف سرقة العصر وحماية أصحاب المصارف الذين يعيشون حياة وردية، فيما ضحاياهم ما زالوا تحت وطأة العوز والحاجة والقهر؟
وفي إجراء جديد، يمضي مصرف لبنان بإجراءات لتشجيع بطاقات الدفع ووسائل الدفع الإلكتروني، والحدّ من التعاملات النقدية، وهذه محاولة جديدة ليفرض إعادة التعامل مع المصارف التي سرقت أموال الناس. كفى محاولات من المركزي لفرض هذه المصارف على الناس. لقد وقعت سرقة قرن عظمى لم تحدث في تاريخ هذا الوطن، وأنتم تريدون من الناس إعادة التعامل مع المصارف نفسها التي تسبَّبت بهذه الكوارث. أي منطق هذا؟ تريدون الحدّ من اقتصاد الكاش؟ اسمحوا بفتح مصارف جديدة لا علاقة لها بكل الطبقة القديمة نفسها؟ وأجيبونا سعادة الحاكم، لماذا لم يتمّ حتى اليوم السماح بمصارف جديدة، بدل تضييع الوقت على تبييض صورة المصارف القديمة؟



