لا ثمن للحزب في الترسيم ولا تفاهم ضمنياً (النهار 18 تشرين الأول)

في المدة الفاصلة عن تبادل الرسائل حول اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل المرتقب قبل نهاية الشهر الجاري والذي سيحصل في الناقورة باعتباره يلبي موقفا لرئيس مجلس النواب نبيه بري الذي أصر منذ التوصل معه الى اتفاق الاطار بينه وبين الطرف الاميركي على ان تجرى المفاوضات والتوقيع هناك، تتعاقب الرسائل الخارجية الهادفة حول الاتفاق وأبعاده وحول المرحلة المقبلة.
وقد يكون ابرز هذه الرسائل ان الاتفاق الذي تولاه الوسيط الاميركي آموس هوكشتاين هو جزء من سلة متكاملة رباعية ينبغي اكتمالها من اجل ان تشكل جميعها المنعطف المهم بالنسبة الى لبنان وتبدل الاحوال فيه. وهذه السلة تستند الى الاختراق المهم جدا الذي حققه الوسيط الاميركي في بحثه عن السبل لملاقاة المصالح اللبنانية من اجل تحقيق الاتفاق، ومعه انجاز الاتفاق الآخر مع صندوق النقد الدولي وانتخاب رئيس جديد للجمهورية وتأليف حكومة جديدة. هذه العناصر كلها تكمل بعضها البعض خصوصا ان الاتفاق على الترسيم لا يعني بدء استخراج النفط غداً، في حين ان من شأنها كلها ان تعطي مؤشرا قويا الى القطاع الخاص والى الداخل والخارج بان لبنان دخل منعطفا مغايرا. ولا يدخل هذا في اطار التقليل من اهمية الاتفاق لا سيما انه يمكن ان يفتح الباب امام الامم المتحدة من اجل ترسيم الحدود البرية بين لبنان واسرائيل لاحقا، ولكنه لن يكون وحده كافيا لا سيما بالنسبة الى من يعتقد انه يمكن ان يغني عن الاتفاق مع صندوق النقد الدولي ويستبدل الاتفاق به او يجعل هذا الاخير ذريعة لعدم الذهاب الى تنفيذ الاصلاحات المطلوبة.
يصعب كثيرا في ظل الاستثمار السياسي الداخلي لاتفاق الترسيم التاريخي بين لبنان واسرائيل والذي دخل بقوة على خطه كل من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس تياره كما “حزب الله”، عدم رسم علامات استفهام كبيرة طرحها سياسيون كثر حيال الثمن السياسي المحتمل الذي حظي به الحزب ازاء الاعلان عن ضمان الاتفاق الأمن والاستقرار لاسرائيل.
كما بدا صعبا في الوقت عينه عدم الربط بين انجاز الانتخابات العراقية والاتفاق وتزامنهما في التوقيت نفسه. لكن المعلومات المتوافرة عن الاتفاق واهدافه الفعلية تفيد بعدم وجوب تحميله اكثر مما يحتمل لانه اتفاق على الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل، وفكرة انه يفتح الباب امام استثمارات جديدة للبنان وآفاقا لخلق وظائف وإحياء نشاط اقتصادي بات لبنان يفتقده بقوة. هذه المعلومات افادت بجملة وقائع من بينها: اولا ان لا صلة اطلاقا بين الاتفاق واي تطورات محلية او اقليمية. ثانيا ان لا فضل للحزب او المسيّرات التي اطلقها في الوصول الى هذا الاتفاق بل على العكس من ذلك لان هذه المسيّرات كادت ان تؤدي مفعولا عكسيا لان اسرائيل رفضت التفاوض تحت التهديد، كما كادت المسيّرات ان تضيع الجهود التي كانت تبذل للوصول اليه لو لم يتم تدارك ذلك في اجتماع للرؤساء الثلاثة في بعبدا لاحقا.
اما لماذا وافق الحزب على الاتفاق وفي هذا التوقيت بالذات، وهي الاسئلة التي يطرحها البعض في معرض البحث عن المقابل السياسي للحزب لقاء حصول اسرائيل على الاستقرار والامن وتاليا صعوبة استخدام سلاحه او التهديد به كما من قبل، فهذا امر خاضع لتفسيرات وتكهنات ربطاً بما يعانيه الحزب وبيئته شأن جميع اللبنانيين، وكذلك صعوبة الوقوف في طريق انجاز اتفاق يسمح للبنان باستثمار موارده البحرية. ويمكن القول ان الخطاب الايجابي جدا للامين العام للحزب حول الاتفاق كان مفاجئا جدا لا سيما في نقطة رفض الانتقادات له.
وتاليا، وبحسب المعلومات، فان لا ثمن لـ”حزب الله” ولا تفاهم ضمنيا او مستترا سمح بالوصول الى الاتفاق. ومع ان لا احد في سذاجة الاعتقاد بان الاطراف اللبنانية المعنية لم تتشاور مع الحزب في موضوع بنود الاتفاق ومضمونه ولكن التفاوض لم يجرِ معه. واذا كان من فضل فهو لعون الذي وقف ضد الضغوط في شأن التمسك بالخط 23 قبل سنة تقريبا ولوحدة المواقف بين الرؤساء الثلاثة، علما ان مواقفهم لم تكن متباعدة كثيرا اصلا، ما يجعل التساؤل عن زعم باسيل بفضل له في الوصول الى الاتفاق مرتبطا بمدى تأثير رأيه لدى عمه وليست مشاركته مباشرة في المفاوضات.
ويتوقع ان تكون نتيجة الجهد الاميركي في المرحلة المقبلة الضغط بقوة من اجل انشاء صندوق سيادي يعتقد انه سيتوافر تبعا للمعايير الصناعية ويشكل جدارا بين ادارة سياسية فاسدة والموارد المتاحة لضمان عدم اختفائها. ولكن هذا الضغط قد يكون لمرحلة لاحقة فيما الاهتمام ينصبّ على انجاز الاركان الاخرى للرباعية المطلوبة وفي مقدمها انجاز الانتخابات الرئاسية من ضمن المهلة الدستورية وتأليف حكومة جديدة تنفذ الاصلاحات المطلوبة وتنجز الاتفاق مع الصندوق. وثمة رسائل قوية وُجهت من البيت الابيض في هذا الاطار، كما فعل الفرنسيون كذلك حول التزام المواعيد الدستورية.
ومع انه لا يغلب الاقتناع بان ذلك قد يحصل فعلا، فان ثمة موقفا دوليا حاسما بان سيناريو 2016 لا يمكن ولا يجب ان يتكرر، علما انه ليس واضحا في حال حصول شغور رئاسي متى يقول المجتمع الدولي كفى وينذر المسؤولين بضرورة وضع حد لذلك سريعا. وهناك اتفاق بين الولايات المتحدة وفرنسا والدول المانحة حول هذا الموقف. والضغط راهنا قائم ولا يمكن الحصول على صوت اعلى من ذلك الذي يتم التعبير عنه حاليا. ولو كان يعود لبعض الخارج المؤثر ان يبدي رأيا في تحديد مواصفات رئيس جديد وليس في تسميته تجنبا لاي تدخل في الانتخابات، لكانت هذه المواصفات تدور حول شخصية تضع مصالح لبنان قبل كل شيء بعيدا من الطائفية او الفئوية ولديها تجربة من اجل نقل الاقتصاد الى مكان آخر وتعمل مع الشركاء الدوليين كالولايات المتحدة وفرنسا والاقليميين كالمملكة العربية السعودية والدول الخليجية وصندوق النقد وسواهم وان يكون الرئيس العتيد غير فاسد.



