أخبار لبنانابرز الاخبارمقالات خاصة

خاص- رغم الحرب في الخليج.. لماذا لن تتوقف تحويلات المغتربين الى لبنان؟

 

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن احتمال تراجع تحويلات المغتربين إلى لبنان او حتى توقفها، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات اقتصادية ومالية كبيرة، نظرا لدورها الأساسي في دعم الأسر اللبنانية وتأمين تدفقات العملات الأجنبية وتنشيط الحركة الاستهلاكية. فما مدى واقعية هذه المخاوف؟ وهل بدأت التحويلات فعلاً بالتراجع نتيجة الحرب في الخليج؟ وما حجم التأثير الذي يمكن أن يتركه أي تراجع محتمل على الاقتصاد اللبناني؟

في هذا السياق، اعتبر كبير الاقتصاديين في بنك بيبلوس نسيب غبريل أن موضوع تحويلات المغتربين أثار “ضجة كبيرة” مع اندلاع الحرب في الخليج، ومنذ ذلك الحين تتوالى التكهنات غير المبنية على أرقام أو وقائع، والتي تتحدث عن احتمال توقف هذه التحويلات في العام 2026 وانعكاس ذلك سلباً على الاقتصاد اللبناني.

كبير الاقتصاديين في بنك بيبلوس نسيب غبريل

ويشير غبريل إلى أن هذه التقديرات ترتبط، بصورة أساسية، بوجود نحو 300 ألف لبناني يعملون في دول الخليج، إلا أن قراءة الأرقام تظهر صورة مختلفة تماماً. فبحسب بيانات مصرف لبنان، بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6.4 مليارات دولار في عام 2025، مسجلة تراجعاً بنسبة 7.6% مقارنة بنحو 7 مليارات دولار في عام 2024. أما متوسط التحويلات خلال الفترة الممتدة بين عامي 2002 و2025، فبلغ نحو 6 مليارات و430 مليون دولار سنوياً.
ويؤكد غبريل أن مصرف لبنان هو المصدر الوحيد للأرقام الرسمية المتعلقة بتحويلات المغتربين إلى لبنان، مشيراً إلى أنه حتى اليوم لا توجد أرقام رسمية عن حجم التحويلات خلال عام 2026، لا عن الفصل الأول ولا عن الفصل الثاني. وبالتالي، فإن كل ما يتم تداوله عن تسجيل التحويلات تراجعاً خلال العام الحالي لا يستند، حتى الآن، إلى بيانات رسمية.
ويلفت إلى أن تجارب السنوات الماضية تظهر أن تحويلات المغتربين أثبتت قدرة لافتة على الصمود في وجه الأزمات الكبرى، إذ لم تتراجع بشكل حاد حتى خلال الأزمة المالية العالمية في عامي 2007 و2008، كما لم تتأثر بصورة جوهرية خلال جائحة كورونا. لذلك، يرى أن الأفضل انتظار الأرقام الرسمية التي سيصدرها مصرف لبنان للحكم على اتجاه التحويلات، بدلاً من الاستناد إلى التوقعات والتكهنات.

لماذا يصعب توقف التحويلات؟
ويستبعد غبريل أن تسجل تحويلات المغتربين هبوطاً حاداً أو تتوقف كلياً خلال عام 2026، مستنداً إلى مجموعة من العوامل:
أولاً- تنوع مصادر التحويلات:
تحويلات المغتربين الآتية من دول مجلس التعاون الخليجي تشكل نحو 45% إلى 47% من إجمالي التحويلات، ما يعني أن أكثر من نصف التحويلات تأتي من مصادر أخرى، تشمل أميركا الشمالية وأوروبا الغربية وأفريقيا وأستراليا وغيرها. وبالتالي، فإن تحويلات المغتربين إلى لبنان لا تعتمد على مصدر جغرافي واحد، وأي تراجع في التحويلات الآتية من دول الخليج لا يعني تلقائياً توقف التحويلات من بقية الدول.

ثانياً- قدرة اقتصادات الخليج على الصمود:
حتى في حال حصول تراجع في تحويلات اللبنانيين من دول الخليج، فإن غبريل يستبعد أن يكون هذا التراجع كبيراً، لافتاً إلى أن اقتصادات دول الخليج سبق أن واجهت أزمات كبرى، من الأزمة المالية العالمية إلى جائحة كورونا، وتمكنت من تجاوزها بسرعة نسبية، من دون أن تؤدي تلك الأزمات إلى انهيار تدفقات التحويلات. ويرى أن اقتصادات الخليج، بما تملكه من مقومات مالية واقتصادية، قادرة أيضاً على التعامل مع الأزمة الحالية وتجاوزها.

ثالثاً- طبيعة العلاقة بين المغترب وعائلته في لبنان:
يشدد غبريل على أن تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج، ولا سيما في دول الخليج، لا ترتبط فقط بالظروف الاقتصادية أو بمستوى الدخل، بل تمثل في جانب كبير منها التزاماً عائلياً واجتماعياً. فحتى في حال تراجع دخل المغترب أو فقدانه عمله، من غير المرجح أن يتوقف عن دعم عائلته في لبنان بشكل كامل، بدليل أن التحويلات بلغت نحو 7 مليارات دولار في عام 2024، رغم أن لبنان كان يمر في ذلك العام بظروف أمنية صعبة وحرب، ما يعكس، برأيه، مدى ارتباط هذه التدفقات بعلاقة المغتربين بعائلاتهم، وليس فقط بالظروف الاقتصادية في البلد المضيف أو في لبنان.
وبناءً على ذلك، يرى غبريل أن أي تراجع محتمل في حجم التحويلات خلال عام 2026 سيكون، على الأرجح، محدوداً وضمن الهوامش الطبيعية، معتبراً أن الحديث عن انخفاض يتجاوز 50% أو عن توقف التحويلات كلياً هو أمر غير منطقي ولا يستند إلى معطيات جدية.
ويضيف أن تراجع التحويلات من العالم ككل إلى لبنان يبقى احتمالاً قائماً، كما أن تراجعها من دول الخليج ممكن أيضاً، لكن من غير المتوقع أن يكون هذا التراجع كبيراً بما يكفي للتأثير بصورة جوهرية على الحركة الاستهلاكية في لبنان أو على الأسر التي تعتمد على هذه التحويلات.

1200 دولار للفرد سنوياً
ولا تقتصر أهمية تحويلات المغتربين بالنسبة إلى لبنان على حجمها الإجمالي، بل تتميز أيضاً بارتفاع متوسط نصيب الفرد منها. فبحسب غبريل، إذا كان متوسط التحويلات خلال الفترة الممتدة بين عامي 2002 و2025 يبلغ نحو 6.43 مليارات دولار سنوياً، فإن حصة الفرد منها تصل إلى نحو 1200 دولار سنوياً، وهي من أعلى النسب مقارنة بالاقتصادات الأخرى المستقبلة لتحويلات المغتربين.
وبالتالي، حتى في حال تسجيل تراجع محدود في هذا المتوسط خلال عام 2026، ستبقى تحويلات المغتربين إلى لبنان من بين الأعلى مقارنة بالدول المستقبلة لهذه التدفقات، ما يعزز أهميتها كرافد أساسي للاقتصاد اللبناني ومصدر مهم للعملات الأجنبية ودعم القدرة الاستهلاكية للأسر

بواسطة
ايفا ابي حيدر
المصدر
خاص-Leb Economy

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى