مؤشر هام يدل على ان انهيار الاقتصاد في مراحله الاخيرة

يبلغ الانهيار آخر مراحله عندما يتوقف التراجع في قيمة الليرة اللبنانية ويستقرّ سعرها من دون أي تدخل من السلطات النقدية والمالية، يقول دان قزي. المصرفي السابق والخبير في أسواق المال يؤكد أن الانهيار في لبنان يتجلّى في التّدني غير المسبوق لمستوى المعيشة، من دون أن يبلغ حدّ الجوع الشامل، لأن مصدراً أساسياً من مصادر التمويل سيبقى متاحاً، وهو تحويلات العملة الصعبة التي يرسلها نحو 1.2 مليون مغترب إلى أُسَرهم في لبنان عبر شركات تحويل الأموال أو بـ”الشنطة”، أي عن طريق أفراد يحملونها معهم من الخارج. ويقدّر قزي حجم هذه التحويلات للأُسر بنحو 1.5 مليار دولار سنوياً، معظمها يُحوَّل من دول الخليج بالدولار ما يعني ان قيمتها باتت أعلى من أي وقت مضى، ما يسمح للأسر بالانفاق على حاجاتها الأساسية.
تغييراتٌ جذرية ستطرأ على النمط الاستهلاكي للّبنانيين بحكم الأمر الواقع، وفق دان قزي الذي يؤكد أن اللبنانيين الراغبين بالعمل في الخارج قد يضطرون إلى القبول برواتب متدنية نسبياً لم تكن لترضيهم في السنوات الماضية أو القبول بوظائف غير جذابة لهم. ستشهد الكثير من المؤسسات إحلال العمالة الوطنية مكان العمالة الأجنبية من خدمة المنازل إلى محطات الوقود كما في المطاعم وأعمال البناء والزراعة، كما سيترتّب على اللبنانيين “تغيير النّمط الاستهلاكي وتقليل الانفاق على الكماليات أو الرفاهية”.
رفع الدعم عن المحروقات والقمح
للدفع باتجاه هذا التغيير، يقترح دان قزي فرض ضريبة على الرفاهية كالسفر للسياحة واستقدام العاملات الأجنبيات والسيارات الفارهة، كما يقترح رفع الدعم عن استيراد الطاقة التي تمثل ثلثي واردات لبنان وكذلك عن القمح على أن يتم منح قسائم لذوي الدخل المحدود تخوّلهم الحصول على البنزين والخبز والطحين بأسعار مخفضة، أما ذوو الدخل المرتفع، فلا يشملهم الدعم بهدف تخفيف الأعباء عن الخزينة التي عانت لسنوات طويلة بسبب إختلال ميزان المدفوعات لمصلحة إستيراد تسبّب بخروج مليارات الدولارات سنوياً وأدى إلى عجز تجاري مزمن.
شرط نجاح هذه الخطوة، بحسب قزي، هو التوقف عن طبع الليرة لأن الاستمرار في تضخيم الكتلة النقدية بالليرة قد يؤدي إلى فقدان قيمتها بنسب مرتفعة جدا على غرار ما حصل في ثمانينيات القرن الماضي حين فقدت الليرة نحو99% من قيمتها أمام الدولار لكنه يرى أن السلطات اللبنانية لجأت إلى هذا الخيار لأنه الأكثر سهولة وقد تستمر به طويلاً وفق ما تشي به المعطيات.
لا يحبّذ دان قزي، مقارنة ما يحدث في لبنان بما حدث في أي مكان آخر ويؤكد أن عوامل عديدة تضافرت لتجعل التجربة اللبنانية فريدة ونموذجية إذ تجتمع المشاكل الاقتصادية والمالية والنقدية والتاثيرات الجيوسياسية لكي تعطي الأزمة الراهنة أبعاداً مختلفة، غير أنه يشير إلى تجربتين حديثتين يمكن استلهامهما.
أولاً، التجربة القبرصية:
تجربة الـ bail-in في قبرص حيث تم استبدال جزء من الودائع بأسهم في البنوك، في خطوة تهدف إلى تجنب طبع المزيد من العملة المحلية لتغطية الطلب على سحب الودائع وبالتالي تجنب إحداث تضخم مفرط.
ثانياً، التجربة التركية:
تجربة شطب الأصفار وإصدار عملة جديدة كما حدث في تركيا عام 2003 في حال استقرت الليرة لفترة زمنية طويلة نسبياً عند مستوى منخفض جداً وربما نصل إلى هذه الحال إذا استمر مصرف لبنان في إصدار التعاميم المتعلقة بتحديد سعر الدولار لتسديد قيمة الودائع الدولارية بالليرة اللبنانية ما يؤدي إلى مزيد من التراجع في قيمة الليرة وسعرها في السوق الموازية إلى أن تُسحب كل الودائع.
المطلوب للعودة إلى مستوى معيشي مريح هو الإنتاج والإبتكار وهذا الموضوع ليس مرتبطاً، برأي دان قزي، بالخطط الحكومية أو بتدخلات الدولة بل يإيجاد مناخ جاذب للاستثمار ولا سيما استثمارات المغتربين الراغبين بتأسيس فروع لشركاتهم أو مصانعهم في لبنان. لا بد من إقامة منطقة حرة تتميز بسهولة الأعمال وتخلو من التعقيدات البيروقراطية.
إصلاح القطاع المصرفي
أما المطلوب لإصلاح قطاع المصارف، فيلخصه قزي بـالآتي:
إعادة رسملة المصارف.
تطبيق عملية الـ Bail inوتحويل كبار المودعين إلى مساهمين.
تعزيز الحَوكمة بحيث تكون مجالس الإدارة مستقلّة عن المدراء التنفيذيين كي تمارس دورها الرقابي عليهم.
تحديد نموذج العمل (business model) الذي يقوم عليه عمل المصارف.



