أخبار لبنانإقتصادابرز الاخبار

منح الترخيص بقرار سياسي سبق الإجراءات التنظيمية: 25 جهة لديها خدمات «ستارلينك» في لبنان (الأخبار 14 آب)

منحت الدولة خدمة «ستارلينك» طريقها إلى السوق اللبنانية قبل أن تحسم كامل القواعد التي يفترض أن تنظّم عملها. فالخدمة أصبحت تعمل فعلياً لدى نحو 25 جهة، واجتازت الاختبارات التقنية والأمنية، فيما لا تزال ملفات أساسية عالقة. وبذلك، لم يعد النقاش يدور حول إمكان تشغيل «ستارلينك» في لبنان، بل حول أسباب الاستعجال في ترخيصها قبل اكتمال نموذج متكامل لبيعها وتوزيعها ومراقبتها، رغم الحساسية الأمنية التي رافقت الملف منذ طرحه.

وبحسب معلومات حصلت عليها «الأخبار»، بدأت نحو 25 جهة استخدام الخدمة فعلياً، بينها جهات رسمية وحكومية، بلدية في الجنوب، إلى جانب جامعات ومستشفيات وجمعيات. إلا أنّ لائحة رسمية كاملة بأسماء هذه الجهات أو طبيعة استخدام كل منها للخدمة لم تُنشر حتى الآن.

وتشير المعلومات إلى أن «أوجيرو» أجت تقييماً تقنياً للخدمة، وقدّمت تقريراً اعتبر أن آلية التشغيل تستوفي المتطلبات الفنية. طبعاً لا أحد لديه علم بهذه الآلية والمعايير المعتمدة والأهداف المرسومة لها، ولا أحد لديه فكرة واضحة ما هي طبيعة التقييم التقني وما إذا كان يندرج في إطار سياسات واضحة في القطاع، أم أنه جاء بناء على طلبات «من فوق»، لا سيما أن منح هذه الشركة القدرة على استعمال الترددات لتقديم الخدمة عبر الأقمار الاصطناعية جاء بناء على دراسة أعدّها عضو في الهيئة المنظمة للاتصالات. كذلك أجرت الأجهزة الأمنية اختبارات خاصة بها على النظام، وخلصت إلى أن الآلية المعتمدة تلبّي متطلّباتها. وبذلك، جرى تجاوز الشقين التقني والأمني، إلا أن العقدة انتقلت إلى كيفية تحويل الخدمة من تجربة محدودة لدى مجموعة من الجهات المرخص لها استثنائياً إلى منتج تجاري متاح في السوق.

كان التصور الأول يقوم على أن يشتري الزبون الجهاز مباشرة من موقع «ستارلينك»، بعد تسجيل بياناته ودفع الكلفة، ثم يُشحن الجهاز إليه. لكن الأمور على أرض الواقع لم تكن بهذه السهولة، إذ تبيّن أن هذا النموذج لا ينسجم عملياً مع طبيعة السوق اللبنانية. فالمستخدم لا يحتاج إلى الجهاز وحده، بل إلى جهة محلية تتولى التركيب والربط والصيانة والدعم الفني وخدمة ما بعد البيع، إضافة إلى معالجة الأعطال ومتابعة الشكاوى.

وبحسب المعلومات، تتفاوض «ستارلينك» مع عدد من الشركات لتولي التوزيع محلياً، إلا أن بدء عمل هذه الشركات لا يزال يحتاج إلى معالجة قانونية وتنظيمية. فدور الموزعين لم يُلحظ بصورة واضحة في المرسوم الذي أجاز الخدمة، ما يعني أن إدخالهم إلى السوق لا يمكن أن يتم بقرار عملي منفصل عن الإطار القانوني الذي صدر الترخيص على أساسه.

وظهرت إحدى هذه الثغرات في أيار الماضي، عندما جهّزت شركة «ألفا» عرضاً تجارياً تضمّن تفاصيل حول بدء تسويق خدمات «ستارلينك» رسمياً في السوق اللبنانية، بما في ذلك متطلبات الاشتراك والباقات والأسعار والعقود المخصصة. إلا أن الهيئة الناظمة للاتصالات طلبت وقف العمل بالعرض وسحب تداوله، في ظل استمرار ثغرات قانونية وتنظيمية لم تكن قد عولجت بعد، وفي مقدمها الصيغة القانونية التي ستنظم عمل الموزعين وعلاقتهم بالشركة والدولة والمشتركين.

وتعمل الهيئة الناظمة حالياً على وضع آلية لتنظيم العلاقة بين «ستارلينك» والموزعين والمشتركين. وتشمل الشروط المطروحة إجراءات التحقق من هوية الزبون، أو KYC، على أن تقتصر الخدمة في مرحلتها الأولى على المؤسسات والزبائن التجاريين. ويُفترض أن يكون المشترك شركة قائمة ومسجلة قانوناً، وأن يقدم البيانات والمستندات المطلوبة قبل تفعيل الخدمة. كذلك تتضمن الآلية إبلاغ الأجهزة الأمنية بكل زبون جديد قبل تشغيل الخدمة لديه. ووفق المعلومات، لا يتم التفعيل قبل استكمال إجراءات التصريح والموافقة، بما يتيح للجهات الأمنية معرفة هوية المشترك وموقعه وطبيعة نشاطه.

لكن هذه الشروط نفسها تكشف أن الترخيص سبق اكتمال التفاصيل التنفيذية. فلو كان الإطار التنظيمي جاهزاً بالكامل، لكانت آلية قبول الزبائن، ودور الموزعين ومسؤولياتهم، وإجراءات التفعيل، وطريقة تبادل المعلومات مع الأجهزة الأمنية، قد حُسمت قبل انتقال الخدمة إلى مرحلة التشغيل.

ولا تقف المسائل العالقة عند التوزيع. إذ لا تزال طريقة احتساب حصة الدولة، المحددة بـ25%، غير واضحة. فلم يُحسم بعد ما إذا كانت هذه النسبة ستُحتسب من قيمة البيع، أو من الإيرادات، أو من الأرباح، أو وفق أساس مالي آخر. وهذا التفصيل ليس ثانوياً، لأنه يحدد فعلياً ما ستحصل عليه الخزينة من عمل الشركة في لبنان، كما ينعكس على سعر الخدمة وعلى الحصة التي ستعود إلى الموزعين المحليين.

وتزداد أهمية هذه الأسئلة لأن «ستارلينك» ليست خدمة إنترنت تقليدية تمر بالطريقة نفسها عبر البنى الأرضية المحلية. فمنذ طرح الملف، أُثيرت أسئلة أمنية حول إدارة حركة البيانات، وإمكان مراقبة الاستخدام، وهوية المشتركين، ومواقع الأجهزة، ومدى خضوع الخدمة للقواعد اللبنانية. صحيح أن الاختبارات الأمنية انتهت إلى قبول آلية التشغيل، لكن ذلك لا يلغي ضرورة وجود نظام دائم ومتكامل لتنظيم قبول المشتركين الجدد، والتحقق من بياناتهم، ومراقبة التزامهم بالشروط، وتحديد مسؤولية الموزعين عن الأجهزة والخدمات التي يطرحونها.

وتكشف المرحلة الحالية أنّ الدولة تعاملت مع موضوع بهذه الحساسية بالمنطق الرائج واللا مسؤول، حيث حسمت مبدأ الترخيص ثم بدأت لاحقاً بمعالجة شروط دخول الخدمة إلى السوق. فالخدمة أصبحت جاهزة تقنياً، لكن الدولة لا تزال تبحث عن الصيغة التي تسمح ببيعها، وتنظيم موزعيها، واحتساب حصتها، وتحديد المسؤوليات تجاه المستخدمين.

واللافت أن الهيئة الناظمة للاتصالات عُيّنت في الجلسة الحكومية نفسها التي أُقر فيها ترخيص «ستارلينك». أي أن مجلس الوزراء أجاز دخول الخدمة إلى السوق بالتزامن مع إعادة تفعيل الجهة التي يفترض أن تتولى تنظيم القطاع، قبل أن تتمكن هذه الجهة من وضع الإطار المتكامل الذي يحكم عملها. وبذلك، سبَق القرار التنفيذي المسار التنظيمي مرة جديدة: «ستارلينك» أصبحت موجودة وتعمل فعلياً، فيما لا تزال القواعد التي ستنظم بيعها وتوزيعها وعلاقة الدولة والموزعين والمشتركين بها قيد الإعداد.

بواسطة
زينب بزي
المصدر
الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى