تركيا على خط لبنان والتوازن في المشرق؟ (الجمهورية 3 آب)

لا تُقاس أهمية الزيارات في السياسة بما يصدر عنها من بيانات مشتركة، بل بما تعكسه من تحوّلات في موازين القوى. ومن هذه الزاوية، يصعب النظر إلى زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لأنقرة، بعد أيام قليلة من زيارة رئيس الحكومة نواف سلام، باعتبارها مجرّد محطة في سياق العلاقات الثنائية. فهذه الزيارة جاءت في لحظة إقليمية، تتشكّل فيها خرائط جديدة للنفوذ، وفي وقت تحاول إسرائيل استثمار نتائج حربها المفتوحة على غزة ولبنان لإعادة رسم البيئة الأمنية للمشرق، بينما تبحث القوى الإقليمية عن مواقعها في النظام الذي يولد من تحت ركام الحرب. صُحف
وسط هذا المشهد، بدت تركيا وكأنّها تعلن انتقالها من موقع المراقب إلى موقع الشريك في صناعة التوازنات. فالرئيس رجب طيّب أردوغان لم يكتفِ بإدانة الإعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على لبنان، بل ذهب أبعد من ذلك، عندما ربط أمن بيروت ودمشق بالأمن القومي التركي. ولم تكن هذه العبارة مجرّد موقف تضامني أو خطاب موجّه إلى الرأي العام الإسلامي، بل إعلاناً سياسياً يحمل مضموناً استراتيجياً واضحاً، هو أنّ تركيا تعتبر أنّ أي تغيير جذري في موازين القوى على حدود لبنان وسوريا ستكون له انعكاسات مباشرة على أمنها ودورها الإقليمي.
إنّها معادلة جديدة. فمنذ نهاية الحرب الباردة، كانت تركيا تنظر إلى سوريا باعتبارها عمقاً أمنياً، وإلى العراق باعتباره خاصرتها الجنوبية، لكنّها اليوم تضيف لبنان إلى هذه الدائرة، ليس لأنّها اكتشفت فجأة أهمية لبنان، بل لأنّ إسرائيل تحاول للمرّة الأولى منذ عقود فرض واقع أمني يمتد من جنوبه إلى الداخل السوري، بما يفتح الباب أمام شرق أوسط جديد تتراجع فيه الدولة الوطنية لمصلحة ترتيبات أمنية تفرضها القوة العسكرية.
ولعلّ ما يُقلق تركيا ليس فقط استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، بل احتمال أن تتحوّل هذه الإعتداءات مشروعاً دائماً يعيد رسم خرائط النفوذ في المشرق. فتركيا تدرك أنّ إضعاف لبنان إلى حدّ الإنهيار، أو دفع سوريا إلى مزيد من التفكّك، سيخلق فراغاً لن تملأه سوى إسرائيل أو الفوضى، وكلاهما يشكّل تهديداً مباشراً لمصالحها. العربوشعوب الشرق الأوسط
من هنا يمكن فهم الحراك التركي المتسارع تجاه لبنان، كما يمكن فهم الرسائل التي حملها لقاء أردوغان مع الرئيس عون. فتركيا تريد أن تقول إنّها ليست على هامش أي تسوية تخصّ لبنان، وإنّها معنية بكل ما سيُبحث في المرحلة المقبلة، من تثبيت وقف إطلاق النار، إلى مستقبل الجنوب، مروراً بإعادة الإعمار ودعم الجيش اللبناني، وصولاً إلى شكل العلاقة الجديدة بين لبنان وسوريا.
غير أنّ السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تتحرّك تركيا في مواجهة إسرائيل، أم بالتفاهم مع الولايات المتحدة؟
المرجّح أنّ تركيا تدرك حدود قدرتها على الصدام المباشر مع إسرائيل، كما تدرك أنّ واشنطن ما زالت اللاعب الأكثر تأثيراً في أي تسوية تخص لبنان. ولذلك يبدو أنّ الاستراتيجية التركية تقوم على الجمع بين أمرَين متوازيَين: رفع السقف السياسي في مواجهة المشروع الإسرائيلي، والعمل في الوقت نفسه داخل شبكة التفاهمات الدولية، لا خارجها. فهي تريد أن تكون جزءاً من الحل، لا طرفاً في حرب جديدة.
وهذا ما يجعل الدور التركي مختلفاً عن أدوار إقليمية أخرى. فتركيا لا تقدّم نفسها بديلاً عن المبادرة الأميركية، ولا منافساً للدور العربي، بل شريكاً يمكن أن يمنح أي تسوية عناصر إضافية من القوة والاستقرار. فهي تمتلك علاقات وثيقة مع الغرب، وتحافظ على قنوات مع سوريا، وتتمتع بحضور متنامٍ في شرق المتوسط، ولديها خبرة في إعادة الإعمار والبنية التحتية، فضلاً عن صناعات دفاعية باتت محل اهتمام كثير من الدول.
من هنا، لا يبدو أنّ ثمة تعارضاً بين الدور التركي والدور العربي، بل إنّ مصلحة الطرفَين تكمن في التكامل. فالعالم العربي، وفي مقدّمه المملكة العربية السعودية وقطر ومصر، يقود مسار إعادة احتضان لبنان وإعادته إلى محيطه الطبيعي، بينما تستطيع تركيا أن تضيف إلى هذا المسار أدوات سياسية واقتصادية وأمنية يصعب تجاهلها. والتحدّي الحقيقي ليس في توزيع النفوذ، بل في منع إسرائيل من فرض وقائع جديدة، تجعل أي حديث عن السيادة اللبنانية مجرد شعار.
أمّا سوريا، فهي الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة. فاستقرارها لم يعُد مسألة سورية داخلية، بل أصبح جزءاً من أمن الإقليم كله. ولذلك تبدو تركيا حريصة على منع انزلاقها إلى مواجهة عسكرية جديدة يمكن أن تمتد إلى لبنان أو تتحوّل إلى حرب إقليمية أوسع. وكلما تعزّز الاستقرار في سوريا، ازدادت فرص نجاح أي تسوية في لبنان، والعكس صحيح.
لكنّ الرهان الأكبر يبقى على ما بعد السياسة. فإذا نجحت تركيا في ترجمة مواقفها إلى مشاريع ملموسة، من دعم الجيش اللبناني، إلى الاستثمار في إعادة إعمار الجنوب، وتطوير المرافئ والبنى التحتية والطاقة، فإنّها ستتحوّل شريكاً حقيقياً في استقرار لبنان، لا مجرّد داعم سياسي له. أمّا إذا بقيت المواقف في حدود الخطابات، فإنّ الزخم الذي رافق زيارة الرئيس عون سيتحوّل فرصة ضائعة أخرى.
ربما لم تحمل زيارة أنقرة اتفاقات كبرى أو إعلانات دراماتيكية، لكنّها حملت مؤشراً إلى أنّ لبنان عاد إلى خريطة الاهتمام الإقليمي، وأنّ تركيا قرّرت أن لا تترك مستقبل بيروت ودمشق يُرسم من دونها.
لقد دخلت تركيا إلى المشهد اللبناني من باب الدولة، لا من باب المحاور؛ ومن باب المؤسسات، لا من بوابة الاصطفافات. وإذا استطاعت الحفاظ على هذا النهج، فإنّها قد تكون أحد اللاعبين الأساسيّين في هندسة التوازن الجديد في المشرق، لا في مواجهة العرب، بل بالشراكة معهم، ولا في مواجهة المجتمع الدولي، بل ضمن معادلة توازن تمنع الحرب، وتحمي الدولة، وتكبح اندفاعة إسرائيل نحو فرض شرق أوسط تُرسم خرائطه بقوّة السلاح وحدها. العربوشعوب الشرق الأوسط
ويبقى السؤال الذي سيحدّد صورة المرحلة المقبلة: هل تنجح تركيا في تحويل نفوذها السياسي قوّة استقرار؟ أم أنّ تعقيدات الإقليم ستجعلها، كما غيرها، أسيرة لعبة المحاور التي أنهكت المشرق طوال العقود الماضية؟
إنّ الإجابة عن السؤال لن تحدّد مستقبل العلاقات اللبنانية – التركية فحسب، بل قد ترسم جانباً من ملامح النظام الإقليمي الجديد الذي يتكوّن اليوم على أنقاض الحروب.



