الفائدة.. ما هي وكيف تتحكم في جيوبنا؟

يأمل مقيم في ولاية ميشيغان الأمريكية أن يبدأ الاحتياطي الفدرالي خفض أسعار الفائدة قريبا، ليتمكن من الحصول على قرض عقاري أقل تكلفة لشراء منزل في منطقة قريبة من عمله، إلا أن قرار الاحتياطي الفدرالي أمس الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير يعني أن تكلفة التمويل ستظل مرتفعة في الوقت الحالي، وأن انتظار انخفاض أقساط الرهن العقاري قد يطول.
ويتطلع آخر مقيم في لندن، ويمتلك منزلا بها، إلى أن يبدأ بنك إنجلترا خفض أسعار الفائدة لكي تقل تكلفة القرض العقاري الذي يسدده شهريا، ويوفر جزءا من دخله لشراء سيارة، في وقت قد تؤثر فيه قرارات البنوك المركزية الكبرى، وفي مقدمتها الاحتياطي الفدرالي، في مسار السياسة النقدية عالميا.
ولا يقتصر تأثير قرارات البنوك المركزية بشأن رفع أسعار الفائدة أو خفضها أو الإبقاء عليها دون تغيير على تكلفة القروض العقارية والشخصية التي تؤثر مباشرة في جيوب الأفراد، بل يمتد إلى أسواق الأسهم والسندات والذهب والعملات، كما ينعكس على تكلفة التمويل بالنسبة للشركات والحكومات، وهو ما برز بوضوح عقب قرار الاحتياطي الفدرالي الأخير الذي أعاد تسعير توقعات المستثمرين للأسواق العالمية.
وأبقى الاحتياطي الفدرالي الأمريكي، أمس الأربعاء، أسعار الفائدة دون تغيير عند نطاق يتراوح بين 3.50% و3.75%، في قرار أعاد تسليط الضوء على تأثير السياسة النقدية في حياة الأفراد وحركة الأسواق والأصول المالية.
قرارات الاحتياطي الفدرالي بشأن الفائدة تؤثر على الذهب والأسهم والسندات (رويترز)
ما سعر الفائدة؟
حسب التعريفات المتداولة لسعر الفائدة، فهو بالنسبة للمقترض ذلك المبلغ الذي يدفعه مقابل الحصول على القرض، ويظهر في شكل نسبة من إجمالي القرض.
ووفق تعريف صندوق النقد الدولي، فإن الفائدة هي تكلفة الاقتراض أو تكلفة الحصول على المال، أما بالنسبة لأصحاب الودائع في البنوك فإن سعر الفائدة هو العائد على هذه الودائع في شكل نسبة منها.
والأمر نفسه ينطبق على البنوك، إذ يمكنها الاقتراض من بنوك أخرى أو من البنك المركزي للحصول على الأموال اللازمة لسداد التزاماتها قصيرة الأجل وفق سعر الفائدة الذي يحدده البنك المركزي.
وعادة ما تقوم لجنة السياسة النقدية في البنوك المركزية، مثل الاحتياطي الفدرالي أو بنك إنجلترا أو البنك المركزي الأوروبي، بتحديد سعر الفائدة وفقا لمتطلبات النشاط الاقتصادي.
ما أهمية سعر الفائدة؟
وتجدد قرار الاحتياطي الفدرالي أمس الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير اهتمام الأسواق بهذا الملف، نظرا لما يتركه من آثار تمتد من القروض العقارية إلى أسواق المال العالمية.
ويوضح الاحتياطي الفدرالي الأمريكي -أكبر البنوك المركزية في العالم- على موقعه أهمية قراراته بشأن سعر الفائدة من خلال تأثيرها المباشر على المستهلكين والمستثمرين.
فخفض سعر الفائدة سيجعل تكلفة الاقتراض أقل، ويعني ذلك -مثلا- قدرة أكبر لدى الأسر على شراء سيارة أو الانتقال إلى منزل أكبر.
وبالنسبة للشركات والمستثمرين فإن خفض سعر الفائدة يعني إمكانية توفير التمويل اللازم لمشروعات جديدة بتكلفة أقل، مما يزيد من مستوى الاستثمار ويخلق المزيد من فرص العمل ويرفع مستوى التوظيف.
وبالمقابل فإن زيادة السيولة النقدية لدى الأفراد والشركات تعني أيضا رفع مستوى الطلب، مما قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار أو زيادة التضخم، وهذا هو الأثر السلبي لخفض سعر الفائدة.
ويسعى الاحتياطي الفدرالي -وفق ما يقول على موقعه- إلى استخدام سعر الفائدة لتحقيق هدفين، وهما:
الحفاظ على أقصى مستوى ممكن من الوظائف في سوق العمل.
الحفاظ على استقرار الأسعار.
وبشكل مشابه تسعى البنوك المركزية حول العالم إلى تحقيق التوازن بين هذين الهدفين، لكن المهمة قد تكون معقدة إذا كانت هناك مستويات مرتفعة من التضخم، إذ تلجأ البنوك المركزية عادة إلى رفع سعر الفائدة لامتصاص السيولة والحد من ارتفاع الأسعار، لكن هذه السياسة تؤدي في الوقت ذاته إلى ارتفاع كبير في تكلفة تمويل أنشطة الشركات، وقد تؤدي إلى تراجع النمو الاقتصادي.
تأثير الفائدة على السندات الأمريكية
يمتد تأثير القرارات الخاصة بسعر الفائدة إلى الحكومات أيضا، إذ إن رفع أو خفض سعر الفائدة يؤثر على تكلفة السندات التي تصدرها الدول لتمويل العجز في موازناتها.
وتقترض الحكومات من خلال إصدار السندات لتمويل العجز في موازناتها، وتدفع للمستثمرين الذين يشترونها عائدا يرتبط إلى حد كبير بمستوى أسعار الفائدة السائد.
ويظهر هذا بوضوح بالنظر إلى الحجم الهائل للديون الأمريكية التي تبلغ حاليا نحو 38.5 تريليون دولار، وفقا لبيانات وزارة الخزانة الأمريكية، وهي ديون تتم تغطيتها من خلال السندات بآجال مختلفة.
ولا يقتصر التأثير على رفع سعر الفائدة أو خفضها، بل يمتد أيضا إلى قرار الإبقاء عليها دون تغيير، إذ يعيد المستثمرون تسعير توقعاتهم لمسار السياسة النقدية، وهو ما ينعكس مباشرة على عوائد السندات وتكلفة الاقتراض الحكومي.
وكانت أسعار الفائدة أحد أبرز ملفات الخلاف بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والرئيس السابق للاحتياطي الفدرالي جيروم باول، إذ يسعى ترمب إلى خفض سعر الفائدة لتقليل تكلفة السندات الأمريكية الهائلة، فضلا عن تكلفة القروض العقارية والشخصية للأمريكيين.
وانتقد ترمب مرارا باول بسبب رفضه خفض الفائدة بوتيرة أسرع، واختار كيفين وارش لرئاسة الاحتياطي الفدرالي، بعد انتهاء فترة ولاية باول في مايو/أيار 2026، على أمل أن يحقق له هدفه.
وكان باول يؤكد باستمرار أن قرارات الفائدة يجب أن تستند إلى بيانات التضخم والنشاط الاقتصادي، وهو النهج الذي يواصل الاحتياطي الفدرالي التأكيد عليه تحت رئاسة كيفين وارش، مع اختلاف أسلوب التواصل مع الأسواق.
قرارات سعر الفائدة تؤثر على أسعار الذهب (الألمانية)
الفائدة والتأثير على الذهب والدولار والأسهم
نظرا لأن الفائدة على سندات الخزانة الأمريكية تمثل عائدا مضمونا، فإن خفض الفائدة عليها يؤدي إلى تحول المستثمرين صوب أوعية استثمارية أخرى، ومنها المعادن النفيسة مثل الذهب والفضة التي لا تدر عائدا، بل تحقق للمستثمرين مكاسب مع ارتفاع قيمتها.
وقد برز هذا التأثير مباشرة عقب قرار الاحتياطي الفدرالي أمس، إذ أعادت الأسواق تسعير توقعاتها لمسار السياسة النقدية، وارتفعت عوائد سندات الخزانة، وتعرض الذهب لضغوط، بينما زادت رهانات المستثمرين على احتمال رفع أسعار الفائدة في اجتماع سبتمبر/أيلول.
كما يزداد الطلب على الأسهم في البورصات العالمية مع تراجع سعر الفائدة على السندات ذات العائد المضمون، وبالمقابل يؤدي رفع سعر الفائدة على سندات الخزانة إلى تراجع الطلب على الذهب والفضة والأسهم، وتنتقل رؤوس الأموال الساخنة إلى سوق السندات الأمريكية الضخمة.
أما بالنسبة للدولار، فإن رفع أسعار الفائدة أو تنامي التوقعات باستمرارها عند مستويات مرتفعة يزيدان الطلب عليه ويدعمان سعر صرفه أمام العملات الأخرى.
وباختصار، تؤثر القرارات الخاصة بسعر الفائدة بشكل مباشر على حياتنا، من خلال تأثيرها على تكلفة القروض وسعر صرف الدولار وأسعار الذهب والفضة، وحركة الأسهم والسندات في البورصات، ولهذا تحظى باهتمام كبير عند كل اجتماع للبنوك المركزية لتحديدها.
أسعار الفائدة في الاقتصادات الكبرى
وهذه أبرز أسعار الفائدة في عدد من الاقتصادات الكبرى حتى قرار الاحتياطي الفدرالي الصادر في 29 يوليو/تموز 2026:
سعر الفائدة الأمريكية التي أعلنها الاحتياطي الفدرالي: ما بين 3.50% إلى 3.75%.
سعر الفائدة في المملكة المتحدة وفق بنك إنجلترا: 3.75%.
سعر الفائدة في منطقة اليورو وفق البنك المركزي الأوروبي: 2.15%.
سعر الفائدة في اليابان وفق البنك المركزي الياباني: 0.75%.
سعر الفائدة في الصين وفق بنك الشعب الصيني: 3%.



