حرائق فرنسا وإسبانيا.. واقع جديد يفرض نفسه
عوامل عدة تكشف أن أوروبا لا تزال غير مهيأة لمواجهة كارثة تتفاقم بفعل تغير المناخ

المناظر الطبيعية التي عادةً ما تكون هادئة في الأرياف الفرنسية والإسبانية تبدو اليوم أقرب إلى الجحيم. فمنذ أسابيع، تجتاح حرائق غابات متعددة وشديدة مناطق في كلا البلدين، وتملأ السماء بدخان سام، وتهدد الأرواح، وتستنزف قدرات أجهزة مكافحة الحرائق.
يبدأ نحو 90% من حرائق الغابات بسبب نشاط بشري، وهي عبارة تُستخدم عادةً عندما تكون الشرارة الأولى ناتجة عن شيء مثل سيجارة أُلقيت بإهمال أو جمرة متطايرة من حفلة شواء، وليس عن ضربة صاعقة، على سبيل المثال. لكن هذه الحرائق ناجمة أيضاً عن البشر بمعنى أن تغير المناخ وفّر الظروف اللازمة -من موجات الجفاف وموجات الحر القياسية- لتحول تلك الشرارة إلى جحيم مشتعل.
مع توافر كميات كبيرة من الوقود، وهُبوب رياح قوية وجافة، وغياب أي مؤشرات على هطول أي أمطار قريباً، أصبحت النيران شديدة الضراوة. وقال فيكتور ريسكو دي ديوس، المحاضر في هندسة الغابات والتغير العالمي بجامعة ليدا في إسبانيا، في بيان: “هذه الحرائق تشتعل بقوة تعادل عدة قنابل ذرية، ولذلك فإن إخمادها بالغ التعقيد”. ومع ذلك، فإنها تكشف عن العديد من الثغرات في جاهزية البلدين لمواجهة الحرائق.
ثغرات في جاهزية فرنسا وإسبانيا لمكافحة الحرائق
في بداية الشهر، ذكرت صحيفة “إل موندو” الإسبانية أن سبع طائرات برمائية متخصصة فقط كانت قيد التشغيل، وهي قادرة على تحميل ما يصل إلى 6 آلاف لتر من المياه مباشرةً من الأنهار والخزانات والبحار، رغم أن الحكومة كانت قد وعدت السكان بتوفير 14 طائرة، وادّعت أن لديها 10 طائرات.
أعقب هذا الكشف طلب من هوغو موران، وزير الدولة الإسباني لشؤون البيئة، إلى الحكومة الإقليمية بـ”ترشيد” استخدام هذه الطائرات، قائلاً إن قُدرة الاستجابة يجب أن تُدار بعناية. ومن الصعب على كاتب هذا المقال أن يفهم لماذا قد يختار أحد ترشيد الاستجابة لحالة طوارئ مستمرة أجبرت بالفعل أكثر من 100 ألف شخص على الإجلاء.
لكن هذا لا يعني أن السلطات الإقليمية لا تتحمل أي مسؤولية. فقد اتهم سياسيون من المعارضة حكومة إقليم مدريد، التي يديرها حزب الشعب المنتمي إلى يمين الوسط، بخفض الإنفاق على الخدمات العامة، بما في ذلك قدرات مكافحة الحرائق، مع تقديم تخفيضات ضريبية للأثرياء.
ونشرت خدمة الوقاية من حرائق الغابات وإخمادها في مدريد مقطع فيديو قالت فيه إن الحكومة الإقليمية لم تُوفر التمويل اللازم للمركبات والأدوات المطلوبة لأداء عملها. ومن المفترض أن يبلغ عدد أفرادها 124، لكنها تعاني نقصاً يبلغ 64 رجل إطفاء. ويقول رجال الإطفاء الستون العاملون إنهم يتقاضون رواتب أقل من نظرائهم في بقية أنحاء البلاد، كما زُوِّدوا بمعدات حماية شخصية منتهية الصلاحية أو غير فعالة.
أما في فرنسا، فأبرزت شدة الحرائق وطول مدتها الضغوط الواقعة على رجال الإطفاء. فعددهم ببساطة غير كافٍ للتعامل مع الوضع، ما يعني أن فترات العمل أصبحت أطول وفترات الراحة أقصر. ويشكل المتطوعون نحو 78% من رجال الإطفاء الفرنسيين.
قال ميخائيل باكانوفسكي، رئيس نقابة رجال الإطفاء “سباسديس – سي إف تي سي”، لصحيفة “لوموند” الفرنسية: “منذ عام 2022، يؤكد اتحادنا أن وجود 200 ألف رجل إطفاء متطوع ليس كافياً، وأننا بحاجة للوصول إلى 250 ألف، لكننا لا نتجه إطلاقاً نحو ذلك”.
الدعم الأوروبي والضغوط المتزايدة
لحسن الحظ، تمكنت آلية الحماية المدنية التابعة للاتحاد الأوروبي، التي تسهل تقاسم الموارد، بما في ذلك احتياطي استراتيجي من الطائرات المخصصة لإخماد الحرائق، من تقديم المساعدة. ففي فرنسا، نشر الاتحاد الأوروبي سبع طائرات وأربع مروحيات من التشيك وكرواتيا وألمانيا والبرتغال وسلوفاكيا والسويد وتركيا، بينما تلقت إسبانيا ست طائرات من اليونان وإيطاليا وتركيا، إضافة إلى 134 فرداً و41 مركبة من البرتغال.
وليست إسبانيا وفرنسا وحدهما من وجدتا نفسيهما غير مستعدتين. ففي شمال ويلز، استمر حريق غابات، أُبلغ عنه لأول مرة في 12 يوليو، لعدة أيام قبل نشر دعم جوي تمثل في مروحية لإخماد الحرائق.
وقال مدير العمليات في هيئة الموارد الطبيعية في ويلز، وهي الجهة الحكومية المشرفة على بيئة المنطقة لهيئة الإذاعة البريطانية إنه رغم وجود عقود مع ثلاثة مشغلين لتوفير دعم بالمروحيات، لم تكن أي مساعدة مُتاحة حتى يوم الجمعة، لأن جميع الطائرات كانت منتشرة بالفعل في حرائق أخرى في إنجلترا واسكتلندا.
أما في أميركا وكندا، مع تزايد بناء المنازل في المناطق المعرضة للحرائق، تصاعد النقاش حول كيفية الحد من التطوير العمراني في أكثر المناطق خطورةً، وكذلك حول الخصائص التصميمية واللوائح التي يمكن أن توفر أفضل حماية للمنازل، سواء الجديدة أو التي يُعاد بناؤها، من الحرائق المستقبلية.
الحاجة لاستثمار أكبر في الوقاية من الحرائق
حان الوقت لتوسيع هذا النقاش في أوروبا أيضاً. فالقارة تواصل البناء في مناطق مُعرضة لحرائق الغابات مع توسع المدن، في الوقت الذي يقرب فيه تغير المناخ هذا الخطر من المناطق الحضرية القائمة.
يُشير تقرير صدر في أبريل عن لجنة تغير المناخ، وهي الهيئة المستقلة الاستشارية للحكومة البريطانية في شؤون المناخ، إلى أن بريطانيا لا تمتلك سوى قدر ضئيل من البيانات بشأن عدد العقارات المعرضة لخطر حرائق الغابات، ولا تمتلك أي بيانات عن التدابير المتخذة على مستوى المباني للمساعدة في إدارة هذا الخطر.
بين فرنسا وإسبانيا، دفعت الحرائق الحالية نحو 335 ألف شخص إلى إخلاء منازلهم. وكنا نعتقد أن النزوح المرتبط بالمناخ سيبدأ أولاً في الدول الفقيرة في الجنوب العالمي. لكن صُور تفريغ مياه أحواض السباحة في المنازل المخصصة للعطلات لاستخدامها في مواجهة النيران الزاحفة ينبغي أن تبدد فكرة أن الدول المتقدمة بمنأى عن ذلك.
للسيطرة على هذه الحرائق، وتلك التي لا مفر من اندلاعها مستقبلاً، يحتاج رجال الإطفاء إلى معدات كافية، وتدريب حديث، وخطط وقاية محلية. كما يحتاجون إلى الوصول إلى ابتكارات جديدة، مثل القدرة على رصد الحرائق الصغيرة من الفضاء قبل أن تتحول إلى حرائق هائلة. وكل ذلك يتطلب تمويلاً. وعلى السياسيين الراغبين في حماية أرواح سكانهم ومنازلهم أن يستجيبوا لذلك بما يليق بحجم التحدي.



