لماذا تخشى شركات الطيران “الباور بنك” أكثر من أي جهاز آخر؟

لم يعد أكبر تهديد على متن الطائرات مرتبطاً بالمحركات أو الأحوال الجوية فقط، بل أصبح جهاز صغير يحمله ملايين المسافرين يومياً في حقائبهم أو جيوبهم. فبطاريات الليثيوم، وخاصة الموجودة داخل أجهزة “الباور بنك”، باتت تمثل أحد أسرع المخاطر نمواً في قطاع الطيران، ما دفع شركات الطيران والجهات التنظيمية إلى تشديد القيود على حملها وتخزينها أثناء الرحلات.
وتزايدت خلال السنوات الأخيرة حوادث ارتفاع حرارة بطاريات الليثيوم واندلاع حرائق داخل الطائرات، الأمر الذي دفع العديد من شركات الطيران إلى حظر وضع أجهزة “الباور بنك” داخل الحقائب المشحونة أو الخزائن العلوية، مع إلزام الركاب بالاحتفاظ بها داخل مقصورة الركاب لتسهيل التدخل السريع عند وقوع أي طارئ.
لماذا تتحول بطارية صغيرة إلى مصدر خطر؟
تكمن المشكلة في بطاريات الليثيوم أيون، التي قد تتعرض لما يعرف بـ”الانفلات الحراري” (Thermal Runaway)، وهي حالة ترتفع فيها حرارة البطارية بصورة متسارعة نتيجة عيب داخلي، أو تعرضها لصدمة قوية، أو استخدام شاحن غير مطابق للمواصفات، أو حدوث قصر كهربائي. وعند بدء هذه العملية، تنتج البطارية غازات قابلة للاشتعال وترتفع حرارتها إلى مستويات قد تؤدي إلى اشتعالها ذاتياً، مع احتمال انتقال الحريق إلى بطاريات أو مواد أخرى مجاورة.
ما علاقة الضغط الجوي؟
ورغم اعتقاد البعض أن الضغط الجوي هو السبب المباشر، فإن الخبراء يشيرون إلى أن الضغط المنخفض داخل مقصورة الطائرة ليس سبباً لاشتعال البطارية، لكنه قد يزيد من تعقيد الحادث عند وقوعه.
فالطائرات تحلق على ارتفاعات تتجاوز 10 كيلومترات، ورغم أن المقصورة مضغوطة، فإن ضغط الهواء داخلها يبقى أقل من الضغط عند سطح البحر. وفي هذه البيئة، يمكن للغازات المتولدة داخل البطارية المعطوبة أن تتمدد بصورة أكبر، بينما تقل كفاءة تبديد الحرارة مقارنة بالظروف الأرضية، ما قد يسرّع تطور الانفلات الحراري إذا بدأ بالفعل.
لماذا يُمنع وضع “الباور بنك” في الحقائب؟
لا تمنع شركات الطيران “الباور بنك” بسبب وجوده فقط، وإنما بسبب صعوبة اكتشاف أي حريق إذا كان داخل الأمتعة.
ففي الخزائن العلوية أو داخل الحقائب المشحونة، قد يمر وقت طويل قبل ملاحظة الدخان أو ارتفاع الحرارة، ما يمنح الحريق فرصة للانتشار.
أما عندما يكون الجهاز مع الراكب داخل المقصورة، فيمكن لطاقم الطائرة التدخل سريعاً باستخدام معدات الإطفاء والعزل المخصصة لحرائق بطاريات الليثيوم، وهو ما يقلل احتمالات تطور الحادث.
تشديد عالمي للإجراءات
دفعت هذه المخاطر عدداً متزايداً من شركات الطيران والهيئات المنظمة إلى فرض قيود أكثر صرامة على حمل “الباور بنك”، تشمل تحديد السعة القصوى المسموح بها، ومنع شحن الأجهزة أثناء بعض الرحلات، وحظر وضعها في الأمتعة المشحونة.
وتعكس هذه الإجراءات تنامي القلق العالمي من تزايد الاعتماد على بطاريات الليثيوم في الأجهزة الإلكترونية المحمولة، في وقت ترتفع فيه أعداد الحوادث المرتبطة بها داخل الطائرات.
خطر صغير… وتأثير كبير
ورغم أن احتمالات وقوع حريق بسبب “الباور بنك” تظل محدودة مقارنة بعدد الرحلات الجوية اليومية، فإن طبيعة هذه الحوادث داخل بيئة مغلقة وعلى ارتفاع شاهق تجعلها من أخطر المخاطر التشغيلية التي تواجه شركات الطيران اليوم.
ولهذا لم يعد “الباور بنك” مجرد ملحق لشحن الهاتف، بل أصبح جهازاً يخضع لرقابة متزايدة وإجراءات سلامة مشددة، في ظل سعي شركات الطيران لتقليل أي مخاطر قد تهدد سلامة الركاب والرحلات.



