انتهت مرحلة الانتظار والحريري الى التشكيل دُرّ بشروط أكثر تشدّداً من باسيل

كتبت دوللي بشعلاني في جريدة ” الديار ” :
تبيّن سبب فرملة الرئيس المكلّف سعد الحريري اندفاعه الإيجابي في مسار تأليف حكومته أخيراً. فلم يكن فقط في انتظار نتائج الإنتخابات الرئاسية الأميركية، إنّما أيضاً أن تتخذ إدارة الرئيس دونالد ترامب الذي بات على قاب قوسين من مغادرة البيت الأبيض ما سبق وأن هدّدت به، ألا وهو فرض العقوبات على وزير الخارجية السابق ورئيس «التيّار الوطني الحرّ» جبران باسيل كونه الحليف الأبرز في لبنان لـ «حزب الله» المدعوم من إيران، على ما ورد في بياني الخزانة الأميركية ووزارة الخارجية. وقالت الخزانة إنّ «الفساد الممنهج في النظام السياسي اللبناني، المتمثّل في باسيل، قد ساعد على تآكل الأساس لحكومة فعّالة تخدم الشعب اللبناني».
هذا التصنيف الذي ترى فيه الإدارة الأميركية أنّه يوضح موقف الولايات المتحدة في دعم الشعب اللبناني في مطالبته بالإصلاح والمساءلة، تجده أوساط ديبلوماسية متابعة أنّه يأتي في سياق العذر أو الحجّة لاتخاذ القرار الأميركي بالعقوبات. وهو بالتالي إنّما يدلّ على الضغط الأميركي على الرئيس المكلّف لعدم إعطاء باسيل ما يُطالب به في حكومته الجديدة التي ربّما تبقى الى الإنتخابات النيابية المقبلة وتواكبها. علماً بأنّ الحريري قد توافق مع الثنائي الشيعي، ومن ضمنه «حزب الله» على تلبية مطالبهما. فيما السبب الرئيسي لفرض العقوبات على باسيل هو تحالفه ودعمه للحزب، من وجهة النظر الأميركية.
ففرض العقوبات على باسيل من قبل الإدارة الأميركية قبل مغادرة ترامب ووزير خارجيته مايك بومبيو، يوحي بأنّه لم يعد هناك أمل بحكومة المهّمة التي طالب بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والتي أعاد التأكيد على ضرورة تشكيلها في أسرع وقت ممكن خلال الإتصال الهاتفي الذي أجراه مع الرئيس ميشال عون يوم الجمعة، والذي حصل بعد قرار واشنطن بفرض العقوبات على باسيل، لكنّه لم يتطرّق اليه.
وتقول الأوساط نفسها إن الإدارة الأميركية تخشى من سيطرة باسيل على حكومة الحريري الجديدة، واستكمال هذا الأمر حتى الإنتخابات النيابية المقبلة، لهذا أرادت «فضح» أنّ باسيل هو أحد «سماسرة السلطة» الذين لا يمثّلون اللبنانيين بل يعملون من أجل مصالحهم الخاصّة. ولكن، لكي تُقنع الجميع بأنّ قرارها غير سياسي، أو غير متحيّز لجهة دون أخرى، فعليها استتباعه بقرارات أخرى مماثلة تشمل كلّ السياسيين في لبنان الذين لا يُمثّلون الشعب فعلاً، والذين ارتكبوا الفساد أو ساهموا فيه ونهبوا أمواله عبر المشاريع المشبوهة أو في المصارف اللبنانية وتعده باستعادتها له، على ما يُطالب.
وأكّدت أنّ الحريري قد انتظر بطلب خارجي تجميد التشكيل، وهذا ما حصل. ولكن يبدو أنّ الفريق الرئاسي أي عون وباسيل سيكون أكثر تشدّداً في مطالبه الحكومية بعد قرار العقوبات، على ما أفادت المعلومات، وسيضع ما كان يضعه تحت الطاولة فوقها، وستكون المطالبة علنية لكي يظهر الفريق الفعلي المعطّل لتشكيل الحكومة.
وعن طلب الرئيس عون من واشنطن عبر اتصال الخارجية بالسفارات الحصول على الأدلّة والمستندات التي دفعت وزارة الخزانة الأميركية الى توجيه اتهامات وفرض عقوبات بحقّ باسيل، وتسليم هذه الإثباتات الى القضاء اللبناني لاتخاذ الإجراءات القانونية والمحاكمات اللازمة في حال توافر أي معطيات، قالت إنه اتخذ القرار نفسه بعد إنزال وزارة الخزانة الأميركية عقوبات بحقّ الوزيرين السابقين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس. فمن حقّ رئيس الجمهورية الحصول على الأدلّة التي دفعت الخزانة الأميركية الى إنزال عقوبات من هذا النوع، بحقّ سياسيين لبنانيين، الى أي فريق سياسي انتموا.
ولكن السؤال المطروح هنا هو: هل ستستجيب الإدارة الأميركية الى مثل هذا الطلب بالنسبة للعقوبات الآحادية التي اتخذتها؟ فحتى الآن لم تُرسل أي أدلّة في ما يتعلّق بالإتهامات التي ساقتها ضدّ الوزيرين خليل وفنيانوس، ما يعني أنّها ستتأخّر في الردّ أيضاً بالنسبة للإتهامات المتعلّقة بباسيل، أو قد لن تردّ أبداً. وهذا يعني أنّ الإتصالات، إن بالسفارة الأميركية في لبنان، أو بالسفارة اللبنانية في واشنطن، لن تفضي الى النتيجة المرجوّة من قبل الرئيس عون. ولهذا فثمّة وسيلة أخرى، على ما ذكرت، يُمكن لباسيل اللجوء اليها وهي القضاء الأميركي الذي سبق وأن لجأ اليه المغترب اللبناني مرعي بو مرعي وحصّل حقّه كونه كسب الدعوى.
فإذا قرّر باسيل مواجهة واشنطن قضائياً أو سياسياً، أو الرضوخ الى القرار المتخذ بحقّه، فإنّ هذا الأمر لن يؤثّر من قريب أو بعيد في مشاورات تأليف الحكومة، على ما شدّدت الأوساط الديبلوماسية نفسها، مشيرة الى أنّ الرئيس ماكرون لا يزال يدعم لبنان ويريد أن تتشكّل الحكومة فيه في أسرع وقت ممكن. فالدعم الدولي للبنان لا يُمكنه أن يتحقّق من دون ولادة الحكومة الإنقاذية التي عليها تحقيق الإصلاحات المطلوبة.
أمّا بالنسبة لتأثير نتائج الإنتخابات الأميركية في تشكيل الحكومة، فهو أمر مبالغ فيه، على ما قالت. ولكن من المعلوم أنّه مع وصول المرشّح جو بايدن الى البيت الأبيض، وقد أصبح على بُعد خطوتين منه، فإنّ شيئاً لن يتغيّر بالنسبة للعقوبات التي تتخذها الإدارة الأميركية بحقّ اللبنانيين، إلاّ في حال عاد بايدن الى الإتفاق النووي الغربي مع إيران وعقد اتفاقات مع هذه الأخيرة، ما يجعل الأمور أكثر مرونة بالنسبة للبنان، ولكن هذا الأمر سيتطلّب وقتاً طويلاً.



