ابرز الاخبارسياسة

توقيع مذكرة التفاهم خلال أيام: أميركا – إيران: نهاية الحرب (الأخبار 15 حزيران)

بعد ساعات طويلة من حبس الأنفاس على خلفية العدوان الإسرائيلي المتجدّد على الضاحية الجنوبية، والتوقّعات التي استدعاها بانعكاسه على مسار توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، أعلن رئيس وزراء باكستان، شهباز شريف، ليل أمس، «التوصل إلى اتفاق سلام» أميركي – إيراني، سيتمّ بموجبه «الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك في لبنان». كما أعلن شريف أن «حفل التوقيع الرسمي (على الاتفاق) سيقام يوم الجمعة الموافق 19 يونيو (حزيران) في سويسرا».

وكان العدوان الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت أمس، ألقى بظلال من الشكّ على إمكانية توقيع مذكرة التفاهم، وسلّط الضوء مجدّداً على هشاشة المسارات القائمة وعدم استقرارها، لا سيما مع تهديد طهران بالردّ على الهجوم. وكتب رئيس البرلمان الإيراني، ورئيس الفريق المفاوض، محمد باقر قاليباف، على منصة «إكس»، عقب العدوان، أن «اعتداءات الصهاينة على الضاحية أظهرت مرّة جديدة أن الولايات المتحدة إمّا لا تملك الإرادة لتنفيذ تعهّداتها، وإمّا لا تملك القدرة على ذلك». وخاطب قاليباف واشنطن بالقول: «لن تتمكّنوا من انتزاع التنازلات عبر إعطاء الضوء الأخضر للكيان. لعبة الشرطي الجيّد والشرطي السيّئ أصبحت قديمة. وإذا كنتم لا تملكون الإرادة والقدرة على تنفيذ تعهّداتكم، فلا يمكن الحديث عن مواصلة هذا المسار».

ورغم أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، اعتبر أن الهجوم الإسرائيلي «ما كان ينبغي أن يحدث، خاصة في يوم مهمّ كهذا»، إلا أنه غطّاه بالقول إن «إسرائيل لها الحق في الدفاع عن نفسها ضدّ التهديدات، مع أن الهجوم الذي ردّت عليه كان بسيطاً للغاية ولا قيمة له». واستدرك بأن إسرائيل «ينبغي ألّا تشنّ هجمات أخرى في أيّ مكان في لبنان، كما ينبغي ألّا تشنّ أيّ جهة أخرى، بما فيها حزب الله، هجمات على إسرائيل. هذه قد تكون بداية سلام طويل وجميل، فلا تنسفوه». وجدّد القول «إننا قريبون جداً من اتفاق سيجلب السلام إلى المنطقة، بما في ذلك لبنان». ومن جهتها، نقلت القناة «12» الإسرائيلية عن ترامب القول إنه تحدّث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، «وسـأله: ماذا تفعل بحق الجحيم؟». كما نقلت عنه أن «توقيع الاتفاق مع إيران سيجري خلال الساعات المقبلة»، رغم أن الهجوم أرجأ التوقيع عدّة ساعات، بحسبه.

لكن القناة كشفت أن إيران رفضت طلباً للرئيس الأميركي بالامتناع عن الردّ على الهجوم على الضاحية الذي هدّد به أكثر من مسؤول إيراني، وفي المقدمة قائد مقرّ «خاتم الأنبياء»، علي عبد اللهي. كما أشارت صحيفة «معاريف» إلى أن ترامب «ناقش مع نتنياهو الانسحاب من جنوب لبنان»، فيما نقل موقع «أكسيوس» عن الرئيس الأميركي القول: «لا أدري لمَ قام نتنياهو بالهجوم على بيروت. وقد أغضبني ذلك وقلتُ له إنه يفتقر إلى الحكمة». أمّا القناة «15» الإسرائيلية فذكرت أن وزراء في «الكابينت» اعترفوا بأن «محاولة الفصل بين الملف اللبناني والملف الإيراني، فشلت».

وقبل العدوان على الضاحية، كان مسؤولون إيرانيون أشاروا إلى إمكانية توقيع مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة «خلال الأيام المقبلة». ومع ذلك، لم تعلن طهران رسمياً بعد موافقتها على نصّ المذكرة؛ إذ نقلت وكالة «فارس» أن «إيران لم تتّخذ بعد قرارها النهائي بشأن التفاهم المقترح، وهي لا تزال في طور دراسته وتقييمه». ويأتي هذا التريّث الإيراني بالتزامن مع زيارة قام بها وفد قطري إلى طهران، أمس، هدفت إلى تذليل العقبات ووضع اللمسات الأخيرة على التفاهم بين الطرفَين.
على المقلب الداخلي، وردّاً على انتقادات بعض الناشطين السياسيين في إيران للفريق المفاوض، قال الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، إن «قرار المجلس الأعلى للأمن القومي هو المعيار الذي نعمل على أساسه في ما يتعلّق بالمفاوضات، وكلّ ما يحظى بتأييد وموافقة سماحة القائد، سيكون ملزماً لنا جميعاً»، مضيفاً أن «من المؤسف أن يواجه أشخاص يعملون ضمن مهام رسمية، وبهدف صون المصالح الوطنية، اتهامات بالخيانة».

الرئيس الأميركي يطلب من نتنياهو الامتناع عن شنّ هجمات أخرى في أيّ مكان في لبنان

ولم يُنشر نصّ المذكرة رسمياً، لكن يبدو أن ثمة فجوة عميقة بين روايتَي الطرفَين في شأنه. ويبرز البند الأكثر حساسية، أي «إنهاء الحرب على جميع الجبهات»، بوصفه نموذجاً واضحاً لذلك التباين؛ فطهران تتعامل معه على أنه التزام مطلق ودائم، يشمل وقف الحرب بصورة كاملة، والانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، في حين لا يبدو أن لدى واشنطن الفهم نفسه. ويتكرّر النمط ذاته في بند «احترام السيادة المتبادلة»؛ إذ تعدّه إيران إنجازاً غير مسبوق منذ 47 عاماً، نظراً إلى أن الولايات المتحدة تَقبل بموجبه، للمرّة الأولى في وثيقة رسمية، بعدم التدخّل في الشؤون الإيرانية. غير أن الرواية الأميركية تربط هذا «الاحترام» بـ«وقف تمويل وتسليح الجماعات المسلحة»؛ وهو شرط لا يُنظر إليه في طهران بوصفه قيداً مشروعاً، بل باعتباره مساساً بمفهومها للسيادة وبجزء من دبلوماسيتها الدفاعية.

وفي البنود المتعلّقة بـ«إعادة فتح مضيق هرمز» و«إنهاء الحصار البحري»، يَظهر الخلاف في التفاصيل. فإيران تقول إن الحصار سيُرفع خلال 30 يوماً، وإن المضيق سيُعاد تشغيله «وفق ترتيبات مشتركة بينها وبين سلطنة عُمان»، مع احتفاظ طهران بحق استيفاء رسوم خدماتية منه. وفي المقابل، تتمسّك الولايات المتحدة بإعادة فتح فورية لـ«هرمز» من دون أيّ مقابل مالي لصالح إيران. أمّا النقطة الأكثر قابلية للانفجار، فتتّصل ببند الإفراج عن الأموال المجمّدة؛ فالمصادر الإيرانية تتحدّث عن اتفاق يشمل تحرير 24 مليار دولار خلال مهلة 60 يوماً، على أن يُسلَّم نصف هذا المبلغ، كدفعة أولى قبل انطلاق الجولة الثانية من المفاوضات. لكن المسؤولين في البيت الأبيض، نفوا هذه الرواية بالكامل، قائلين إن إيران لن تحصل على دولار واحد قبل أن تبادر عملياً إلى تنفيذ التزاماتها.

ويَظهر اللعب بالمصطلحات نفسه في بند تعليق العقوبات؛ فإيران تتعامل مع «التعليق» باعتباره مرادفاً لـ«الرفع الكامل»، فيما تصفه الولايات المتحدة بأنه مجرّد «رفع مؤقت» يبقى مرهوناً بسلوك طهران. ولعلّ أغرب تجليات التباين هو بند «التعويض وإعادة إعمار إيران»؛ إذ تتحدّث المصادر الإيرانية عن إدراج رقم يناهز 300 مليار دولار تحت عنوان «تعويضات حرب»، في وقت لا ترِد فيه أي إشارة، لا إلى كلمة «تعويض» ولا إلى هذا الرقم، في البيانات الأميركية الرسمية. وتضع بعض التحليلات ذلك الاختلاف في خانة «السردية الموجّهة إلى الداخل»، فيما لا يستبعد آخرون أن تكون واشنطن قد قبلت في نص غير معلَن التزامات لا ترغب في المجاهرة بها. وفي المقابل، يمكن اعتبار «إسقاط الملف الصاروخي» من المفاوضات المكسب الاستراتيجي الأكبر لطهران.

لكن قلب التفاهم الحقيقي يبقى في بندَي «الالتزامات النووية» و«مهلة التفاوض البالغة 60 يوماً». فالرواية الإيرانية تقول إن ما جرى التوافق عليه حتى الآن لا يتجاوز إعادة تأكيد الالتزام بمعاهدة عدم الانتشار النووي، مع ترحيل تفاصيل موضوع التخصيب إلى مهلة الـ60 يوماً، على أن يتمّ أيّ خفض لمستوى تخصيب مخزونات اليورانيوم داخل الأراضي الإيرانية. أمّا الرواية الأميركية فتتحدّث عن تفكيك كامل للبرنامج النووي، وعن تدمير جميع المواد المخصّبة وإخراجها من البلاد. وهذا التناقض لا يخصّ التفاصيل التقنية فقط، بل يحدّد جوهر ما ستكون عليه إيران بعد الاتفاق: دولة تمتلك التكنولوجيا النووية ضمن قيود مؤقتة، أو دولة منزوعة القدرات النووية بالكامل.

 

بواسطة
محمد خواجوئي
المصدر
الأخبار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى