بين تفاهم واشنطن – طهران وضربة الضاحية… أي مصير لمفاوضات لبنان مطلع الأسبوع المقبل؟ (الديار 15 حزيران)

ينام الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أن “الاتفاق بات على قاب قوسين وسيُوقّع الأحد إلكترونياً”، ويصحو ومعه لبنان والعالم على التصعيد “الإسرائيلي” في جنوب لبنان وعلى استهداف القيادي في “حزب الله” علي الحاج في ضاحية بيروت، ما يُعيد خلط الأوراق…
وفي وقت يُحضّر فيه لبنان أوراقه لجولة المفاوضات السياسية والعسكرية المرتقبة في واشنطن بين 22 و24 حزيران الجاري، آملاً بانعكاسات إيجابية عليه لأي اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد، تقول مصادر سياسية مطلعة إنّ الضربة على الضاحية جاءت في توقيت قاتل، ما أعاد الأمور إلى الوراء. وتوضح أنّه حتى لو لم تؤدِّ إلى نسف الاتفاق الأميركي – الإيراني بالكامل، فإنها قد تتسبّب بتأخيره أو تأجيله.
وتستشهد المصادر بكلام رئيس الوفد الإيراني المفاوض محمد باقر قاليباف الذي اعتبر أنّ الضربة “تُظهر عدم رغبة أميركا في الوفاء بالتزاماتها أو عدم قدرتها”، مشيراً إلى أنّ “وقف إطلاق النار الشامل في لبنان يدخل ضمن الاتفاق”، وأنّه “دون التزام الأطراف يستحيل مواصلة المسار”.
وترى المصادر أنّ أي تعثر في المسار الأميركي – الإيراني من شأنه أيضاً إطالة أمد المفاوضات بين لبنان و”إسرائيل” برعاية أميركية.
وفي ما يتعلّق بانعكاس اتفاق السلام المرتقب على لبنان، كانت واشنطن تؤكد في مراحل سابقة رغبتها في فصل الملف اللبناني عن المفاوضات مع طهران، إلا أنّ تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقب التصعيد الأخير في الضاحية الجنوبية أوحت بوجود ترابط أكبر بين المسارين. فقد اعتبر ترامب أنّ الهجوم على بيروت “ما كان ينبغي أن يحدث”، داعياً “إسرائيل” إلى عدم شن هجمات جديدة على أي مكان في لبنان، ومؤكداً أنّ الاتفاق المرتقب مع إيران سيشمل لبنان أيضاً.
كما دعا “حزب الله” إلى وقف استهداف “إسرائيل”، مطالباً جميع الأطراف بالتراجع وخفض التصعيد، ومشدداً على أنّ الولايات المتحدة باتت “قريبة جداً من اتفاق سيجلب السلام للمنطقة بما في ذلك لبنان”. وترى المصادر أنّ هذه المواقف تعكس إدراكاً أميركياً متزايداً لصعوبة عزل الملف اللبناني بالكامل عن التفاهمات الإقليمية الجارية، وأنّ أي اتفاق أميركي – إيراني سيكون له انعكاس مباشر على الوضع اللبناني، سواء على المستوى الأمني أو السياسي.
وفي المقابل، لا تزال إيران تحاول إبقاء الورقة اللبنانية ضمن عناصر التفاوض مع الولايات المتحدة، وتعتبر أنّ أي تسوية إقليمية لا يمكن أن تتجاهل وضع لبنان و”حزب الله”، فيما تنظر إلى لبنان بوصفه إحدى أبرز أوراق النفوذ المتبقية لها في المنطقة.
وإذا نجحت تفاهمات إسلام آباد، فمن المرجح أن ينعكس ذلك على لبنان، وفق المصادر، عبر ثلاثة اتجاهات:
• خفض مستوى التوتر العسكري الإقليمي،
• زيادة الضغط الأميركي والدولي للتوصّل إلى تفاهم لبناني – “إسرائيلي”،
• وتسريع البحث في الترتيبات الأمنية الجنوبية ودور الجيش اللبناني.
لكنّ ذلك لا يعني تلقائياً حلاً فورياً للملف اللبناني، لأنّ “إسرائيل” لا تزال تعتبر أنّ ملف “حزب الله” يجب أن يُعالج بشكل مستقل عن أي تفاهم أميركي – إيراني، وتؤكد أنّها لن تنسحب من المناطق الأمنية التي تسيطر عليها في لبنان وغزّة وسوريا.
وعن التحضيرات للجولة الخامسة من المفاوضات مطلع الأسبوع المقبل في واشنطن، تلفت المصادر إلى أنّ قصر بعبدا يواصل إعداد ملفاته بالتوازي مع متابعة التطوّرات الأمنية. وترتكز مواقف رئيس الجمهورية جوزاف عون على استعادة الدولة اللبنانية قرارها السيادي، وعدم ربط مستقبل لبنان بأي تفاوض خارجي. كما تشير تقارير غربية إلى أنّ الرئاسة اللبنانية تدفع نحو حلّ ديبلوماسي يضمن وقف الحرب وانسحاب “إسرائيل” وعودة السكان وتعزيز دور الدولة والجيش.
وتشير المصادر إلى أنّ الوفد اللبناني سيُركّز في مفاوضات واشنطن على وقف كامل لإطلاق النار، وانسحاب القوات “الإسرائيلية” من الأراضي التي لا تزال تحتلّها، وعودة المدنيين إلى قراهم بأمان، ودعم الجيش اللبناني وتوسيع انتشاره، فضلاً عن تثبيت آلية تمنع تجدّد المواجهات العسكرية.
في المقابل، ستواصل “إسرائيل” المطالبة بإزالة البنية العسكرية لـ”حزب الله” ومنع عودته إلى المناطق الحدودية، فيما ستكون فكرة “المناطق التجريبية” أيضاً موضع نقاش.
وتخلص المصادر إلى أنّ الجولة الخامسة من المفاوضات ستُعقد هذه المرة تحت تأثير عامل جديد يتمثّل في الترابط المتزايد بين التفاهم الأميركي – الإيراني والملف اللبناني. فتصريحات ترامب الأخيرة أوحت بأنّ لبنان بات جزءاً من التصوّر الأميركي للتسوية الإقليمية المقبلة، الأمر الذي قد يمنح المفاوضات زخماً إضافياً إذا نجحت جهود التهدئة، أو يعرّضها لانتكاسة جديدة في حال تجدّد التصعيد الميداني.
لذلك تتوقع المصادر نفسها أن تخرج الجولة الخامسة، في أفضل الأحوال، بنتيجة وسطية تشمل توسيع انتشار الجيش اللبناني، وإخلاء المناطق جنوب الليطاني من أي وجود مسلّح غير تابع للدولة، وجدولاً زمنياً لانسحاب “إسرائيلي” تدريجي من بعض النقاط، على أن يتمكّن ترامب من إقناع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بضرورة تنفيذ هذا الانسحاب الذي لا يزال يرفضه، مع تأجيل الملفات الأكثر حساسية إلى جولات لاحقة.
فيما يبقى الاتفاق النهائي الشامل أقل احتمالاً من التوصّل إلى إطار سياسي وأمني يمهّد لتسوية أكبر لاحقاً، إلا أنّ التطورات الأخيرة أظهرت أنّ مستقبل الجنوب اللبناني والضاحية وملف “حزب الله” بات أكثر ارتباطاً من أي وقت مضى بمصير التفاهمات الإقليمية الكبرى التي تُطبخ بين واشنطن وطهران، ما يجعل أي تقدّم أو تعثّر فيها ينعكس مباشرة على مسار المفاوضات الخاصة بلبنان.



