مزاريب الهدر: بدعة الحمايات الشخصية من جيب اللبناني والداخلية تتحرك (النهار 1 شباط)

كتب عباس صباغ في ” النهار”:
تبحث الحكومات عن ايرادات لسد العجز في الموازنة وتجتهد بهدف تحميل المواطن الجائع كل تبعات اخفاقها المستمر في ادارة شؤون البلاد. الهدر المتواصل يتجلى في الكثير من السياسات والقرارات الارتجالية، ومنها على سبيل المثال استمرار فرز آلاف العناصر الامنية لحماية شخصيات رسمية وحزبية.
في 20 أيار من العام 1993 صدر عن حكومة الرئيس الشهيد رفيق الحريري المرسوم الرقم 3509 الذي ينظم مهمات الحماية الشخصية، وذلك بتكليف المديرية العامة لأمن الدولة مهمة حماية الشخصيات والمراجع السياسية وتحديد العدد الأقصى لكل شخصية. وتجاوز عدد العناصر الامنية التي تم فرزها لتلك المهام الـ2500 عنصر، توزعوا لحماية رؤساء الجمهورية السابقين وصولاً الى حماية الوزراء والنواب الحاليين والسابقين ورؤساء الطوائف والقضاة ومرافقتهم.
بَيد ان العُرف في البلاد بات يقضي بحماية بعض رؤساء الاحزاب من دون وجود معيار واحد يطبق على جميع رؤساء الاحزاب، ومن دون المساواة في ما بينهم، عدا ان معظم الاحزاب في لبنان غير مرخصة وفق الاصول من وزارة الداخلية باستثناء ما صدر عام 1970 عن وزير الداخلية الشهيد كمال جنبلاط، وحينذاك منح الترخيص للحزب الشيوعي اللبناني والحزب السوري القومي الاجتماعي والحزب التقدمي الاشتراكي والكتائب واحزاب اخرى. الا ان احزاباً جديدة نشأت بعد العام 1970 ولم يصدر عن الداخلية أي ترخيص لها مع ابتداع منح الترخيص لتلك الاحزاب بصفتها جمعيات، وبالتالي صدر العلم والخبر لقوننة عملها.
بعد العام 1993 صدرت مراسيم عدة لتنظيم الحمايات، ابرزها ما صدر عام 2009 بعد التضخم غير المسبوق في عدد المرافقين الرسميين وتعدد الاجهزة من جيش وقوى أمن داخلي وأمن دولة، وعاد الوضع الى ما كان عليه عند صدور المرسوم 3509. لذلك صدر المرسوم الرقم 2512 تاريخ 14 تموز 2009 بتنظيم مرافقة الشخصيات والمراجع وحمايتها.
واليوم تعكف وزارة الداخلية والبلديات على اجراء مسح لعدد عناصر قوى الامن الداخلي المكلفين حماية الشخصيات الرسمية والحزبية بهدف اعادة النظر في القرارات السابقة، مع الاشارة الى ان الوزير بسام المولوي بدأ بسحب السيارات والعناصر التابعين للوزارة والموزعين بطريقة غير قانونية. وتشير معلومات لـ”النهار” الى ان المولوي لم يفرز أي عنصر امني للحماية وان ما هو راهناً كان متبعاً منذ سنوات طويلة. ويلفت الى ان “حماية الشخصيات هي من مهام مديرية أمن الدولة، وليس من ضمن مهام قوى الامن الداخلي، ويجري الحاقهم بالشخصيات وفقا لمرسوم يرعى هذا الموضوع، وان كل استثناء يحتاج الى قرار يصدر عن مجلس الامن الداخلي المركزي”.
وتضيف المعلومات انه “بالنسبة الى عناصر قوى الامن الداخلي المكلفة مع الشخصيات الرسمية او السياسية او الحزبية، فهي اساسا موجودة لدواع أمنية، انما الوزير المولوي اعطى تعليماته للقوى الامنية لاجراء مسح لهذه العناصر ومدى الحاجة اليها تمهيدا لاتخاذ القرارات اللازمة بهذا الشأن”.
بعد العام 2009 تضاعف عدد العناصر الامنيين المولجين حماية الشخصيات من رؤساء جمهوريات سابقين ووزراء وقضاة وغيرهم وذلك بسبب زيادة عدد المستهدفين بالمرسوم، وكذلك اضيف رؤساء احزاب الى اللائحة، منهم رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع حيث تم فرز ما بين 28 و40 عنصراً لحماية مقره في معراب، بينما لا يحمي رئيس حزب الكتائب سوى عنصرين من أمن الدولة، وكذلك لا يحظى الامين العام للحزب الشيوعي اللبناني بأي عنصر. والتفاوت بين عدد العناصر الرسميين المكلفين حماية الشخصيات السياسية يطرح تساؤلات عن المعيار المعتمد، فمنزل الرئيس الشهيد رفيق الحريري، على سبيل المثال، يحرسه عشرات العناصر حتى اليوم علما انه خال من السكان، وكذلك تم فرز عناصر لحماية ضريحه وايضاً لحماية مؤسسات اعلامية ومصارف وجمعيات، وفي المقابل لا يوجد عناصر من الأمن الداخلي لمواكبة أو حماية الأمين العام لـ”حزب الله”، ومعظم قيادات الاحزاب لا تفرز لها عناصر لحمايتها.
وتفيد “الدولية للمعلومات” بأن تكاليف هذه الحمايات تراوح ما بين 60 الى 70 مليار ليرة (وفق سعر الصرف الرسمي 1500 ليرة للدولار، واليوم يجب مضاعفتها 18 مرة).
اما الدولة فتتكلف مئات مليارات الليرات لتدريب العناصر في مختلف الاجهزة الامنية والجيش، وانها تستمر بدفع المستحقات لهم. وتصل كلفة تأهيل العنصر وتدريبه مع احتساب رواتبه وراتبه التقاعدي وما تتكبده الاجهزة من مصاريف مثل الطبابة والمدارس والتقديمات، ما قد يرفع كلفة العنصر الواحد الى مئات المليارات، وهذا كله وفق السعر الرسمي السابق للدولار الاميركي.
وفي الخلاصة، لا سياسات واضحة في البلاد لترشيق الإنفاق، ووحده المثل الشعبي “ماشية والرب راعيها” هو السائد.



