مقايضة النفط بالسلع: إيران تبتدع حلولاً في مواجهة الحصار (الأخبار 5 حزيران)

خلّفت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، وما أعقبها من فرض حصار بحري أميركي على الأخيرة، تداعيات إضافية على اقتصاد الجمهورية الإسلامية، الذي يعاني أساساً، منذ أكثر من عقد، من وطأة عقوبات واسعة النطاق. وفي المقابل، اتّخذت الحكومة الإيرانية جملة تدابير لتأمين السلع الأساسية وضبط الأسواق والحدّ من انعكاسات الضغوط الخارجية.
وتَمثّل أبرز تلك التداعيات السلبية، في الانخفاض الحادّ في صادرات النفط وعائدات النقد الأجنبي لإيران. فبحسب الإحصاءات الداخلية وتقارير دولية، من بينها تقارير «وكالة الطاقة الدولية»، تراجعت صادرات النفط الإيرانية من نحو 1.5 مليون برميل يومياً قبل الحرب، إلى أقلّ من 500 ألف برميل يومياً، وذلك بفعل الحصار البحري والهجمات على المُنشآت النفطية. وأدّى هذا التراجع إلى انخفاض عائدات الدولة من العملات الأجنبية بنسبة تُراوِح بين 60% و70%. كما أن احتياطات البنك المركزي من النقد الأجنبي، التي كانت تُقدَّر قبل الأزمة بنحو 20 مليار دولار، تشهد استنزافاً سريعاً يؤثّر في عملية تأمين السلع الأساسية والأدوية.
يضاف إلى ذلك، ارتفاع معدّلات التضخّم وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين؛ إذ قفز معدّل التضخّم السنوي من نحو 40% قبل الحرب إلى أكثر من 70% مع نهاية أيار. كما ارتفعت أسعار السلع الأساسية، وعلى رأسها الأرز والزيت ولحم الدجاج، بنسبة راوحت بين 80 و120%، فيما سجّل مؤشر أسعار المنازل في طهران زيادة بلغت 50%. وأدّى كلّ ذلك إلى تآكل شديد في القدرة الشرائية للشرائح الدنيا والمتوسّطة من المجتمع، في وقت ارتفع فيه معدّل البطالة إلى 18% نتيجة تعطّل الصناعات المرتبطة بالاستيراد والتصدير.
وعلى قائمة التداعيات الاقتصادية أيضاً، يتقدّم اضطراب سلاسل الإمداد ونقص السلع؛ إذ أدّى الحصار البحري إلى تعطّل خطير في استيراد المواد الأولية وقطع الغيار والسلع الوسيطة. ووفقاً لإحصاءات الجمارك الإيرانية، تراجع حجم الواردات في الربع الأول من عام 2026 بنسبة 55% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وانعكس ذلك في إغلاق نحو 30% من الوحدات الإنتاجية الصغيرة والمتوسطة، إضافة إلى نقص في بعض الأدوية المتخصّصة والمعدّات الطبية.
الحكومة تخصّص جزءاً كبيراً من الموازنة لإعادة إعمار البنى التحتية المتضرّرة رغم تراجع الإيرادات
ويأتي هذا في وقت اضطرت فيه الحكومة، على الرغم من تراجع إيراداتها، إلى تخصيص جزء كبير من الموازنة لإعادة إعمار البنى التحتية المتضرّرة. كما يأتي في ظلّ تراجع الاستثمارات الأجنبية إلى الصفر، ونظيرتها المحلية بنسبة 40%، وذلك بفعل ارتفاع المخاطر وغياب الاستقرار الاقتصادي. غير أن الحكومة الإيرانية وضعت، في مواجهة تلك الظروف، حزمة من الإجراءات التعويضية والضبطية، هدفها «إدارة أزمة المعيشة» والحفاظ على «حدّ أدنى من استقرار سوق السلع الأساسية». وتستهدف هذه الإجراءات، أساساً، الالتفاف على الحصار، وتأمين السلع الأساسية عبر مسارات بديلة، وتقديم دعم معيشي لسكان إيران البالغ عددهم نحو 90 مليون نسمة.
ومن بين التدابير الطارئة تلك، اعتماد آلية مقايضة النفط والمُنتجات البتروكيميائية بالسلع الأساسية. ووفق ما أعلنته وزارة الاقتصاد الإيرانية، أُبرمت عقود مقايضة مع الصين وروسيا وبعض الدول الأفريقية لاستيراد القمح والزيوت والأدوية والآلات الصناعية. وتغطّي هذه الاتفاقات نحو 30% من احتياجات البلاد من السلع الأساسية المستوردة، وهو ما يخفّف من الاعتماد على العملات الأجنبية الناتجة من صادرات النفط، التي تقلّصت أصلاً بفعل الحصار.
كذلك، فعّلت الحكومة ممرّات بديلة للنقل الجوي والبري. فمع تعطّل حركة السفن التي تنقل النفط والسلع الأساسية في الخليج وبحر عُمان، عزّزت طهران تشغيل ممرّ «شمال – جنوب» عبر بحر قزوين. ووفق بيان لوزارة الطرق والتنمية العمرانية، تعمل موانئ أنزلي ونوشهر وأمير آباد في شمال إيران على مدار الساعة لتفريغ وتحميل السفن القادمة من روسيا وتركمانستان، والتي تنقل الحبوب والزيوت الخام والمعدّات الطبية.
وفي السياق نفسه، أعلنت شركة السكك الحديدية الإيرانية أن حجم العبور عبر خطّ السكك الحديدية في معبر سرخس الحدودي مع تركمانستان – الصين، ارتفع في نيسان الماضي بنسبة 270% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. كما باتت قطارات الشحن القادمة من الصين إلى إيران تنطلق بمعدّل مرّة كلّ ثلاثة أيام في الأسابيع الأخيرة، حاملةً في معظمها قطع سيارات ومولّدات كهربائية وهواتف محمولة. أيضاً، وفي ظلّ إغلاق المسارات البحرية، توصّلت إيران إلى تفاهمات مع العراق وتركيا وباكستان لنقل السلع عبر المعابر البرية.
بالتوازي مع ذلك، شدّدت الحكومة إجراءاتها الرقابية لمكافحة الاحتكار ورفع الأسعار، في وقت تعمل فيه على توسيع نظام «البطاقة التموينية الإلكترونية». ويستهدف هذا التوسيع تضمين البطاقة ما بين 11 و16 سلعة أساسية – من بينها الأرز والدجاج ومشتقات الألبان والبقوليات -، يُنتظر أن تُعرض للمواطنين بأسعار تقلّ بنحو 40% عن أسعار السوق الحرة.
مع ذلك، يحذّر خبراء من أن استمرار الوضع الراهن والحصار البحري، بالتوازي مع ارتفاع توقّعات التضخّم وتراجع الاحتياطات من العملات الأجنبية، قد يعرّض فعالية تلك السياسات لضغوط كبيرة. وتشير التقديرات إلى أن معدّل التضخّم قد يتجاوز عتبة 70% خلال الصيف إذا استمرّ الوضع الحالي، وهو ما قد يضطرّ الحكومة إلى مواصلة سياسات الدعم والرقابة، بل وتعميقها، وذلك للحيلولة دون انهيار القدرة الشرائية للفئات الأكثر هشاشة. كما أن استمرار هذه الظروف قد يفضي، في المستقبل غير البعيد، إلى تصاعد حالات الاستياء والاحتجاجات، وفق ما ينبّه إليه بعض المراقبين.



